كيف لقراءة الرواية الخيالية أن تشكل حياتنا

ترجمة بتصرّف لمقال: (How Reading Fiction Can Shape Our Real Lives, By FRANCESCA LO BASSO)

ترجمة: زينب نايف 
تدقيق: ليلى عامر
مراجعة نهائية: ندى محمد 

في خريف ٢٠٠٣ بدأت دراسة الكلية وكنت ابنة سابعة عشر ربيعًا، قضيت السنة الأخيرة في تحليل المقالات الإخبارية مستعينة بوكالة الصحافة التعاونية الحكومية (Associated Press- AB). في الولايات المتحدة كانت التوترات متصاعدة مع العراق. فالحرب أبعد من أن تكون مجرد نظرية فهي واقعة لا محالة. لا أعرف بعد كيف أصف شعور الرعب الذي اعتراني، و لم يكن لدي أدنى فكرة لكيفية التعامل معه. وبعد ست أشهر للاجتياح الأمريكي الأول للفلوجة، قرأت كتاب تيم أوبراين “الأشياء التي حملوها”.

في تلك الرواية الحاصلة على عدة جوائز؛ لخدمته العسكرية في الحرب الفيتنامية يخبرنا أوبراين بقصة رات كيلي وكورت لُيمن. الصديقين المقربين رات وكورت اللذان لم ينفصلا حتى تلك اللحظة التي يخطو فيها كورت على لغم أرضي ويموت على الفور أثناء لعبة صيد. الحادث المباغت ومكانته في منتصف مشهد الاسترخاء يخبرنا عن واحدة من حقائق التعسف الحربي. لكن ما أدهشني و حفزني لإيجاد ما يمكنني فعله بدلًا من فهمه فقط، هو المشهد الذي يليه.

 الراوي الذي كان يعمل في وحدة رات وكورت العسكرية، يخبر القارئ أنه بعد فترة وجيزة من موت رات تعثروا بصغيرِ جاموس الماء. فأخذ رات يضرب أنف الجاموس و أطلق النار على ركبته اليمنى الأمامية ثم ظهره تلتها طلقتين في جانبية. قطّع رات الجاموس جزاءً جزاءً.

الراوي يخبرنا بين الحين والآخر، عندما أروي القصة لأي شخص سيأتي بعد قرائتها ويقول أُعجبت بها… بينما الدّارجُ هو كُره قصص الحرب، لكن هذه القصة أحبّتها و شعرت بحزن تجاه صغير الجاموس المسكين، لكن ماذا عساي أن أفعل -ستقول حتمًا ذلك- سترمي كل شيء خلفها وستبحث عن قصص جديدة لترويها.
 لن أقول ذلك لكن سأفكر به…
 أحمق أنت (شتيمة) لم تكن لتسمع.
لم تكن قصة حربية كانت قصة حب.

قصة رات لم توضح لي فقط أن الحرب تكلف الإنسان أكثر من الموت، فقد سنحت لي بأن أشعر بالمعاناة ولو جزءً صغيرًا منه. من رواية كوخ العم توم في عام ١٩٨٤، تم سرد الرواية لأجيال متتابعة لحث القراء على مواجهة القضايا السياسة الاجتماعية في العالم الواقعي. وقد أفلحت بسبب أنا أعرف لأنني البرهان.

ولدي أيضًا دليل علمي يدعم ما أقول، ففي مقال حديث بعنوان «الجلوس والقراءة، إعادة التفكير حول دور الرواية الأدبية في التعليم المدني». الباحثة الأدبية، تجادل آني شولتز حول أهمية تعليم الأدب بجانبِ محاكاته في التدريب المدني، ادعت  أن اندماج الطلاب في الأنشطة المدنية مثل التنظيم الاجتماعي أو نموذج الأمم المتحدة، لابد من اقترانه باستعراضات أدبية لرحلة إيجاد الوعي السياسي… و لتنفيذها عبر (القراءة والتفكير بإمكانها أن تصبح أنشطة تحررية). 

في الواقع، مجموعة متزايدة من البحوث تظهر أن الخيال أثبت جدارته على جعل القرُّاء أكثرُ تحررًا فكرياً وأكثر تعاطفاً ورحيمهً، وهي قدرات ضرورية لضمان خروجنا للجانب الآخر من الوباء العالمي الذي عسكرت فية الثقافه أفضلية «الإنسان الأبيض» بمزيد من العدالة الإجتماعية.

لماذا؟ لعله بسبب القارئ يقضي مع الرواية لساعات وأيام وأسابيع أطول بكثير من قضائه في الفنون الأخرى. ذلك الوقت المركز يعطي القارئ خبرة متجسدة للآخر مما يزيد وعيه و تقديره بمنظورات مختلفة.

وجد عالم النفس المعرفي الكندي كيث أوتلي الذي كان يبحث لعقود عن تأثير الخيال على علم النفس أن الدماغ يطلق أليات العصبية لمعالجة القصص تشبه مايماثلها في الحياة الواقعية.على سبيل المثال: عندما تقراء كلمة ركلة أو شخص يسحب الحبل، يتم تفعيل ذات المنطقة الدماغية المتعلقة بالركل والسحب فيزيائيًا.

توصلت دراسة إلى أحد أهم سمات قراءة القطعة الخيالية، ما إذا كانت تحاكي الشبكة الدماغية أم لا. تفترض الشبكة دعم قدرة الإنسان لاحتراف محاكاة واجترار المشاهد الافتراضية والأماكن والحالات الذهنية. سواء كانت وصف شخص أو ما يحتوي العقل الإنساني. بعبارة أخرى، التعرض لعملية التفكير الشخصية تشجع على انعكاس فكري أعمق مقارنةً بالقراءة التجريدية أو «مقاطع غير اجتماعية».

أكثر الخصائص تميزا هي انسجام القارئ مع الحوار الداخلي للراوي. العملية التي يصفها شولتز بأنها تحويل الحياة الباطنية للمضطهدين إلى العلن.

 بعد أربعة عشرًا عامًا من القراءة الأولية لكتاب أوبراين، وجدت نفسي عائدة لجامعتي الأم. أدرّس فصل الكتابة مستخدمةً نفس الفصل من الأشياء التي كانوا يحملونها، تلك التي تحوي قصة رات وكورت. لم يفصح الراوي أبدًا في الكتاب  عن هويته لا بالاسم أو الجنس، لكن طالبًا شابًا من رابطة الدول المستقلة ادّعى معرفته بأن الراوي ذكرًا بسبب أن الراوي لم ينمق مشاعرهم شعريًا. عندما سألته عن الشخصية التي شعر بأنها تعبر أكثر عن المشاعر في القطعة، صمت لبرهة ثم قال: هاه-رات. رجل.

من المحتمل أن هذه البصيرة فتحت بابًا لعقل الطالب وربما كانت كفيلة بالتخلي عن فكرته بأن الرجال لا يستطيعون التعبير كثيرا عن مشاعرهم. مجموعة من الباحثين تجادلوا بأن قراءة الأعمال المكتوبة للآخرين، تدخلك في عقولهم. التعامل مع عقلية شخص آخر هي أفضل طريقة لاكتشاف عقلك. 

بعمل ذلك، يمكننا اكتشاف وجهات نظر جديدة تمكننا من فهم أنفسنا والآخرين. تختتم شولتز مقالها: نحن لا نطلب من الطلاب تحديد تفكيرهم وفقًا للأساليب والأنظمة المعمول بها، لكن الأحرى هو التعبير عن ماضيهم و ذواتهم بأسلوب يخلق امتدادًا لأنفسهم والمجتمع.

قبل سنوات عثرت في مكتبة بيع الكتب المستعملة على رسالة أفلاطون، يبرر فيها دفاعه عن سقراط أثناء محاكمته بتهمة إفساد شباب أثنيا. سقراط فسرَ بأنه كان يحاول دحض تصريح أوراكل دلفي بأنه أكثر الرجالِ حكمةً. بعد كل مجاذبةٍ مع رجالٍ يخبروه بأنهم حكيمون، أصر بأنهم ليسو كذلك، هذا الكشف عن الحكمة الزائفة (وليًّ أن أتصور الكبرياء) الذي أكسبه إعجاب شباب أثنيا. 

مجموعة الشعراء الذين خصهم سقراط، يقول في مناظرته: الشعراء لا ينظمون الشعر بالحكمة بل بإلهام القريحة. مدعيًا بأن الشعراء لا يمكن أن يكونوا حكماءً بسبب أن الخيال متجذراً في عملهم. ولكنني أومن بأن العكس هو الصحيح، وربما هيئة المحلفين الذين حكموا عليه بالإعدام. سعة الخيال بالتحديد هو المكان المناسب الذي يمكن منه استحداث الحقيقة التي لا تقتضي التقيد. بدلًا من ذلك، الروايات الخيالية تزود القارئ بتجربة يستطيع من خلالها استنباط المعنى وتمييزه. 

عندما يقرأ القراء روايةً، فإنهم على درايةٍ أن ما يصادفون من الشخصيات وأحداث وأماكن هي من صنعِ بشر. ذلك التشبث أساسيٌ في التشكك (الاضطرار لإمكانية وجود حقيقة أخرى) بمعنى أن القراء لا يتعلمون فقط فهم العالم كما هو، ولكن أيضًا تخيل عالم مختلف. وهذا الفعل التخيّلي هو ما يجعل المستقبل البديل ممكنًا. مستقبلًا بلا عنف وصراع لا نهاية له. على سبيل المثال:

تقرير حكومي نشرته الهيئات الوطنية للعلوم في عام ٢٠١٧، أوصت الخلاصة أن علم الرواية هو لفهم كيفية تأثير الرواية على العمليات المعرفية، ولابد من أن تكون في مصلحة الأمن الوطني (دراسة الرواية وتركيب الرواية والخطاب الروائي وعلم النفس الروائي).

 نشرت الورقة ردًا على الموجز السياسي الذي نشرته وزارة الدفاع، مركزًا على الحاجة إلى فهم دوافع الجهات المعنية وأسس إرادتها (التحدي الحاسم والدائم للحرب). كُتاب التقرير كتبوا: 

إذا كان هناك أي شك في قيمة الرواية، لتوثيقها وطنيًا، فلن يتطلب الأمر سوى نظرة واحدة للأحداث المعروضة في الأخبار اليومية، حدث ما قبل جلب الانتباه العالمي، بيان يُحدثُ صدى لدى الجمهور، الذي أوجد أكثر الأسباب عملًا ليس إلا. 

 هذة المسأله تصبح أكثر بروزًا يومًا بعد يوم في ٢٠ ٢٠.

لا أحاول أن أدعي أن كتاب أوبراين حوّلني إلى مناهض للحرب، ولكنه أجبرني على التصدي بوحشيةٍ لا يمكن وصفها والتفكير في آثارها قبل الولوج لحرب جديدة. 

ألهمني ذلك الكتاب مواصلة تتبع أخبار الاحتلال المستمر للعراق، والبدء في كتابة تعليق سياسي لصحيفة الكلية، وأخذ فصلًا عن الحرب في فيتنام، وزيارة فيتنام مع أستاذ بارع هو بذاته من قدماء المحاربين في فيتنام. والانضمام لمسيرات مناهضة للحرب في فيلادلفيا، و تنظيم أول مظاهرة لي في الذكرى الرابعة للغزو الفلوجة، تعاونًا مع أستاذ محارب سابق في العراق في ربيع سنة تخرجي.

كانت أول وظيفة لي بعد الكلية منسق إعلامي دولي للمحاربين القدامى في العراق ضد الحرب، شعارها الآن «المحاربين القدامى ضد الحرب» وهي منظمة غير ربحية تتكون من أفراد خدموا بعد أحداث ١١ سبتمبر ضد نزعة الهيمنة العسكرية الأمريكية. منذ ذلك الحين، عملت حصريًا في مجالات الاتصالات وتنظيم المجتمع لأكثر من اثني عشر عامًا للمنظمات غير الربحية التي تحركها المهام والعمل المنظم.

عندما أخبرني صديقي بأنه لا يقرأ سوى الأعمال الغير الخيالية لأنه -مثل سقراط- يفضل قراءة شيء واقعي، لم يكن بوسعي إلا أن اعتقد أنه مخطئ. الخيال ليس نقيضًا للواقع وإنما يساعد على تشكيله. 

في كتابها الجديد «أزادي، الحرية، الدكتاتورية، الخيالية». تبدأ أرونداتي روي مناقشتها مع محررها عندما سألها عن رأيها في معنى كلمة أزادي قالت من دون تردد كلمة أزادي بالأردية تعني “الحرية”.

تُكمل روي: «الرواية بالنسبة لي هي حرية مع مسؤولية» وهذا ما يجعل اعتقادي أن الخيال أداة ثورية، فهو لا يُزوّد القراء بالقدرة على تخيّل مستقبل مختلف ولكن وبشكل حاسم، الحقيقة المحضة عن أنفسهم. 

 

المصدر

تمت الترجمة بموافقة الموقع

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *