أربع عاداتٍ يحتاجُها كلُ شخصٍ لصحةٍ نفسيةٍ أفضل

ترجمة بتصرّف لمقال:(4Habits Everyone Needs for Better Mental Health By Nick Wignall)
مصدر الصورة:(Unsplash, @connor_jalbert)

الكاتب: نِك وِغنال.
ترجمة: فاتن أمين Faten_AHS@.
تدقيق ومراجعة: لمياء الغامدي.
أنت نِتاج عاداتك

 

كثيرًا ما يساء فهم موضوع الصحة النفسية:

  •  يعتقد الكثير من الناس أن الصحة النفسية قدرٌ محتوم – أنك تحت رحمة جيناتك الوراثية وكيمياء عقلك.
  • يعتقد آخرون أنها مسألة متعلقة بقوة الإرادة – وهذا يتجسد في عقلية “فكَّر بإيجابية”.

لكن الحقيقة تكمن في لُب الموضوع:

إن الصحة النفسية ليست متعلقة بقدرٍ أو قرارٍ – هي في الأغلب متعلقةٌ بالعادات.

في عملي الخاص كطبيب نفسي، وجدت أن أفضل طريقة لتقوية صحة الناس النفسية، هي أن أساعدهم على اكتساب عادات صحية وخاصةً العادات الذهنية.

وهذا لا يعني أن العوامل الأخرى مثل طبيعتك البيولوجية، والإطار الاجتماعي غير مهمة – بل على العكس! ولكن بالنسبة لمعظم الناس، فإن ما تملك السيطرة عليه أكثر هو العادات التي تختارُها للعيش بها.

هنا أربع عادات غير شائعة ستحسِّن من صحتك النفسية ومرونتك.

. . .

1.  كن فضوليًا بشأن عقلك.

الإدراك هو القدرة على المراقبة، والتفكّر في عقلك، وكيفية عمله وهو المكون الرئيسي لصحةٍ نفسية دائمة.

يتصرف معظم الناس في الغالب بتلقائية، وخاصةً عندما يتعلق الأمر بالانفعالات العاطفية:

  • تشعر بالغضب وفورًا تثور– وتقول شيئًا بتهكم، أو تغلق الباب بعنف، أو حتى تفكر مليًا بشأن مدى سوء الشخص الآخر.
  • تشعر بالقلق وعلى الفور تحاول أن تُشتت نفسك بالقيام بأنشطة لا معنى لها، أو تتصل بصديق لطمأنتك.
  • تشعر بالحزن وتبدأ مباشرةً بشرب الكحول، أو تأكل الطعام لتُخدر ألمك.

لا يؤدي الانفعال إلى اتخاذ قرارات خاطئة فحسب، ولكنه يمنعنا من تعلم شيء جديد عن أنفسنا.

على سبيل المثال، إذا لجأت دائمًا للتهكم في كل مرة تشعر فيها بالغضب، فإن رؤيتك لماهية الغضب وما يعنيه ستكون محدودة للغاية. ستراه مجرد شعور سيء يؤدي إلى قول كلمات جارحة.

ومن ناحية أخرى، إذا اعتدت على مراقبة أفكارك ومشاعرك -خاصة غير المريحة- تستطيع أن تبدأ بإثارة فضولك نحوها.

عندما تتعلم أن تصبح فضوليًا بشأن عقلك فإن وعيك الذاتي ونموك سيكونا في اتساق.

على سبيل المثال، إذا أمضيت دقيقة واحدة لمراقبة غضبك وأثرت فضولك نحوه من الممكن أن تدرك أن وراء هذا الغضب بعضٌ من الخوف – خوفك ألاّ يحبك الناس على حقيقتك، خوفك من أن تكون وحدك، أو ربما حتى الخوف من غضبك نفسه. ما يعني أن ذلك الغضب وكل التصرفات الناتجة عنه هي فقط مشتتة للمشكلة الحقيقية؛ خوفك وانعدام الأمان.

لكن هذا النوع من الوعي الذاتي ممكنًا فقط إذا توقفت باستمرار، وراقبت عقلك من باب الفضول.

عندما تشعر بانفعال عاطفي في المرة القادمة، اضغط زر التوقف. ثم اسأل نفسك: ما الذي يحدث في عقلي الآن؟

“هناك مسافة بين المحفز والاستجابة، في تلك المسافة تكمن قوتنا لنختار استجابتنا؛ ففيها يكمن نمونا وحريتنا.”
– فيكتور فرانكل (Viktor Frankl)

2.  ارفق بمعاناتك.

أحد الدلائل على الصحة النفسية، أن يكون باستطاعتك أن ترفق بنفسك في الأوقات الصعبة – أن تتعامل مع أخطائك ومعاناتك برفق وبطريقةٍ عقلانيةٍ دون اللجوء إلى المبالغة.  

من خلال تجربتي كطبيب نفسي، الشيء الوحيد الذي يجمع كل شخص من عملائي هو أنهم يفتقرون إلى عادة الرفق بالذات.

إن الرفق بالذات يعني أن تعامل نفسك في وقت الألم والمعاناة كما تعامل صديقك المقرّب – بطريقةٍ عاطفيةٍ ومتوازنةٍ وخاليةٍ من إطلاقِ الأحكام.

وبينما أن أغلبنا ماهرون في الرفق بالآخرين ولا نُحسن الرفق بأنفسنا:

  • عندما تقترف خطأً، تبدأ على الفور بانتقاد نفسك، وتحدث نفسك بكلامٍ سلبيٍ وتنبؤاتٍ كارثية.
  • عندما تشعر بالضيق أو الخوف، تنتقد نفسك على الفور لكونك ضعيف وتستنقص ألمك على أنه سخيف أو تافه.
  • عندما تكون متردد أو مشوش، تُقارن نفسك بالآخرين – وكأن الشعور بالعار سيحفزك على رؤية الأشياء.

بمعنى آخر، استجابتك التلقائية عند ارتكاب الأخطاء والشعور بالألم هو، أن تقسو على نفسك. قد يكون هذا نتيجة الثقافة التي تصر أن الطريقة الوحيدة للنجاح في الحياة (وثم السعادة)، هي أن تكون قاسيًّا على ذاتك.

هناك بعض الإثباتات التي تقول بوجود علاقة بين كونك قاسٍ على نفسك وارتفاع معدل إما نجاحك أو سعادتك على المدى الطويل. من المحتمل أن الأشخاص الناجحين وصلوا إلى ما هم عليه على الرغم من افتقارهم إلى الرفق بالذات؛ ليس بسبب ذلك. وحتى إذا وجدوا النجاح، فغالبًا ما يكون ذلك على حساب الرضا والسعادة الحقيقيين.

إن علاج قسوتك على نفسك هو الرفق بها.

المهم هو أن الرفق بالذات لا يعني أنك ضعيف أو مدلل، إنما يعني أن تلقي نظرة متوازنة على أخطائك وفشلك:

  • الرفق بالذات يعني أن تقبل إخفاقاتك على ما هي عليه دون العيش فيها.
  • الرفق بالذات يعني أن تُذكِر نفسك بأنك أكبر من حاصل أخطائك، أكبر بكثير.
  • الرفق بالذات يعني معرفة أن شعورك بالسوء لا يعني أنك شخص سيء.

لا يوجد أقوى من قدرتك على أن تكون لطيف مع ذاتك.

“اللين يتغلب على الصعوبات.
البطء يتغلب على السرعة.”
– لاو تسو ( Lao-tzu)

3. كن مرن السلوك.

السلوك الصارم دليلٌ على سوء الصحة النفسية. لكن نقيضه -المرونة- وهي المفتاح لحياة عاطفيةٍ أقوى وأكثر صحةً. هناك قول مأثور مفادُه أن تعريف الاعتلال النفسي هو فعل نفس الشيء مرارًا وتكرارًا وتوقع نتيجة مختلفة في كل مرة.

معظمنا قد لا يتوافق مع المعايير القانونية للاعتلال النفسي، عندما تعيد التفكير في ذاك الوقت الذي كنت تعاني فيه عاطفيًّا ستفكر بنفس النمط – وستبقى عالقًا محاولًا القيام بنفس الأشياء القديمة لتشعر بالتحسن ولكنها فقط تجعل الأمور أسوأ.

وعلى سبيل المثال:

  • عندما تشعر بالاكتئاب والإحباط، من السهل أن تعزل نفسك عن العالم.
  • عندما تشعر بالذنب أو الخجل، تقوم باسترجاع أخطاء الماضي مرارًا وتكرارًا في دائرة من التفكر وانتقاد الذات.
  • عندما تشعر بالقلق والخوف، من السهل أن تضع نفسك في حالة من التشتت عوضًا عن مواجهة مخاوفك.

بمعنى آخر، نميل جميعنا إلى الوقوع في الطرق المعتادة عند الاستجابة للتوتر والمشاعر المؤلمة. نشعر بالسوء وتبدأ سلوكياتنا في الظهور بتلقائيةٍ، وغالبا بلا وعيٍ كافٍ.

يمكنك الآن تذكر وقت شعرت فيه بالضيق وما كان منك إلا أن قمت بعمل ردة فعل أشعرتك وقتها بالرضا المؤقت و لكن في حقيقة الأمر زادت المشكلة سوءًا. 

 لكن هناك شيء…

 لا يمكنك الاستمرار في ممارسة نفس السلوكيات القديمة وتوقع نتائج جديدة.

 إذا شعرت كل مرة بالقلق، ستبدأ بالقلق فعلًا – وتجد أنه يجعلك أكثر قلقًا. ربما حان الوقت لتُفكر بطريقة جديدة لاستجابتك للقلق؟

  • إذا شعرت بالحزن في كل مرة، ستبدأ في التفكير بتمعن – ثم تجد أن التفكير يجعلك تشعر بالسوء حيال نفسك – ربما حان الوقت لتجد طريقة جديدة لاستجابتك للحزن؟
  • إذا شعرت كل مرة بالغضب، تنتقد الآخرين وتجد أن كونك ناقدًا يجعلك تشعر بالسوء حيال نفسك على المدى البعيد – ربما حان الوقت لتجد طريقة جديدة لاستجابتك للغضب؟

بدلًا من اتباع نفس إستراتيجيتك القديمة، حاول أن تكون مرنًا في طريقة استجابتك للصعوبات:

  • تبنّى وجهة نظر جديدة. اسأل نفسك: كيف سيفكر شخص آخر في هذا؟
  • جرب سلوكيات جديدة. اختبر ما سيحدث إذا قمت بِعضّ لسانك بدلًا من أن تنتقد أو اتصل بصديق بدلًا من أن تعزل نفسك.
  • اكتشف الآخرين. انتبه إلى كيف يستجيب الأشخاص الذين تحبهم للمواقف الصعبة والتوتر: ما الذي يفعلونه بطريقة مختلفة وما الذي قد يبدو عليه ذلك بالنسبة لي؟

كن عالمًا في شؤون حياتك: ارصد ما لا يجدي نفعًا، صغ نظرية جديدة، جربها، وراقب كيف تعمل.

يمكنك أن تفكر كما يحلو لك حيال أي شكلٍ من أشكال المعاناة، ولكن اتخاذك لإجراء ما هو فقط ما سيجعلك تمضي قدمًا.
“لا يمكنك أن تُغير ما أنت عليه فقط يمكنك تغيير ما تفعله.”
– فيليب بولمان(Philip Pullman, The Golden Compass)

4.  كن ثابت القيم.

إن المأساة الحقيقية في المعاناة العاطفية المُزمنة، هو أنك أصبحت منغمسًا في ألمك مما يجعلك تفقد تركيزك عن الأشياء المهمة – قيمك وطموحاتك. عندما نشعر بأي نوع من أنواع الألم -بما في ذلك الألم العاطفي- فإن انتباهنا يتركز حول إيجاد أسرع طريقة ممكنة تخفف عنّا هذا الألم.

وعلى سبيل المثال: عندما تشعر بألم في اصبعك وتدرك أنه على مقلاة ساخنة، فإن كُلًا من تركيزك وطاقتك، يتجهان نحو إبعاد يدك عن المقلاة الساخنة. ولسبب منطقي – سيكون خطيرًا وضارًا أن تُبقي يدك على موقد ساخن!

لكن، في حين أن الألم غالبًا ما يكون مؤشرًا على الخطر، إلا أنه ليس دائمًا كذلك. فإن الألم العاطفي، مهما بلغت شدته، فهو ليس خطيرًا بحد ذاته – لا يمكن لأي قدر من الحزن أو القلق -على سبيل المثال- أن يضرك.

لكن من السهل الخلط هنا، ومن السهل معاملة جميع أنواع الألم كمؤشر لوجود خطرٍ ما. وعندما نفعل ذلك فإنه يعني أن نُوجه انتباهنا وطاقتنا للهروب من ذلك الألم.

ولكن هنالك ثمن لإستراتيجية تجنب الألم هذه:

عندما تقضي كل وقتك في الهروب مما لا تريده، لا يتبقى لك سوى القليل من الوقت لتسعَ نحو ما تريد.

إذا كنت تعاني من مشاكل نفسية مزمنة أو صراعات عاطفية، فمن المحتمل أن تدرك أن أسلوب حياتك يتقلص ويضيق وكأن كل شيء يتمحور حول تقليل الشعور بالألم.  

وبينما أن هذه الإستراتيجية في محاولة التغلب على الألم، منطقية على مستوى حدسي، إلا أنها لا تنجح على المدى الطويل. وغالبًا ما تجعل الأمور أسوأ:

  • تجاهل حزنك بصرف انتباهك عنه باستمرار، يؤدي إلى دوامه.
  • تجاهل رهابك الاجتماعي بالانعزال، يؤدي إلى تفاقمه.
  • تجاهل أهدافك بسبب خوفك من الفشل، يجعل تقديرك لذاتك أسوأ.

لذا فإن دواء التجاهل المستمر هو الإصرار.

اكتساب عادة الإصرار تعني أن تتعلم السعي إلى ما تريد بثقة وأن تضع حدود ثابتة لما لا تريده:

  • أن تطلب الجلوس على طاولة أجمل في المطعم حتى وإن كنت قلقًا من أن يسيء النادل فهمك.  
  • أن ترفض الخوض في نقاش مع زملائك في العمل، على الرغم من الشعور الجيد في أن تحاول وتضع لكل شخص حد.
  • أن تتخذ القرار بترك وظيفتك وتجرب مهنة جديدة بالرغم من خوفك.

في النهاية، الطريقة الوحيدة لأن تشعر بشعور أفضل باستمرار، أن تبدأ بالمُضي قُدمًا نحو ما يهمك حتى لو لم تمتلك الرغبة في ذلك.

 دع المنطق والقيم يقودان قراراتك وثق أن مشاعرك سوف تتبعهما مع مرور الوقت.

“إذا لم تعرف أين وجهتك، فلن تصل إلى أي مكان.”
–   يوغي بيرا (Yogi Berra)
 . . .

كل ما عليك معرفته

الصحة النفسية ليست مرتبطة بجيناتك أو التفكير بإيجابية؛ إن الصحة النفسية تبنى وتُصان من خلال اكتساب عادات صحية باستمرار:

كن فضولي بشأن عقلك.

ارفق بمعاناتك.

كن مرن السلوك.

كن ثابت القيم.

المصدر
تمت الترجمة بإذن من الكاتب
أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *