مادمت ناجحًا، لماذا یتوجب علیك العمل سبعين ساعة أسبوعیًا؟!

ترجمة بتصرف لمقال:(If You’re So Successful, Why Are You Still Working 70 Hours a Week? by harvard business review)

ترجمة: روابي

تدقيق لغوي: شيماء الأنصاري

مراجعة هيفاء الدباسي

«لقد أصبحتُ إنسانًا آلیًا» هذا ماقالته مدیرة شركة محاسبة، توضّح ذلك بكونها وزملاء عملها یعملون بجٍد لساعاتٍ طویلةٍ متواصلة. تقول: «كنت أظن أن هذا هو الطبیعي، إنه أمر یشبه غسیل الدماغ، قد تعتاد أن ترغب بالقیام بالعدید من المهام، ولایُهم مهما حاولت إقناع نفسك ألا داعي للقیام بها؛ عقلك یصّر على أهمیتها ولا یكفُّ إعلامك بأهمیتها حتى تنفّذها، ثم تتوالى المهام علیك». من خلال بحثي سمعت الكثیر من القصص تشبه هذه المذكورة أعلاه، في شركات المحاماة، والشركات الإستشاریة، وغیرها الكثیر من التخصصات التي تتطلّب قمیصًا أبیضَ وسترةً رسمیة، وجمیعنا نعلم أن إدمان العمل المبالغ فیه مضر لصحتنا العقلیة، والنفسیة، والجسدیة، وقد تزید طبیعة العمل نسبة الخطر. نتمنى لو استطعنا تغییر طریقة عملنا لكنّنا للأسف لا نعرف كیف. العمل لساعاتٍ طویلةٍ شائع جدًا في الوظائف الإداریة والمهنیة.

سابقًا كان المتعارف علیه أنك ما دُمت موظفًا ممن یتوجب علیهم ارتداء القمیص الأبیض، فیتوجّب علیك أن تعمل بأكثر جهد ممكن في بدایة عملك لتكسب المزید من المال؛ لتنالَ عوائد مستقبلیة قیّمة، ولتتمكّن من صعود السلّم الوظیفي بسرعة، ونیل مناصب عالیة في المنظمات المهنیة المختصّة، مثل شركات القانون، المحاسبة، الإستشارات الإداریة، أو البنوك الإستثماریة، یكون العائد أن تصبح شریكًا بأسهم محددة. فقد كانت المنافسة في هذا النوع من الشركات شرسة لا هوادة فیها، وما دمت عاجزًا عن الوصول سریعًا إلى منصبٍ جید فعلیك المغادرة. یقرر الشركاء عادةً كیف و متى یتوجب أن یتم إنهاء العمل وأي نوع من الأعمال سیتم. وقد تجد الكثیر من الشركاء الكبار یقضون الوقت في ملعب الجولف بدلًا من العمل على تطویر أعمالهم، ولا یحاسبهم أحد على ذلك فقد قاموا بدفع مستحقاتهم مسبقًا للشركة. وهذا ماكان علیه الوضع في الماضي، أمّا الآن فقد تغیّر الأمر كثیرًا. قال لي مدیر الموارد البشریة في أحد شركات المحاسبة الرائدة: «المدیر المسؤول عن تدقیق الحسابات یعمل في مكتبه من الخامسة والنصف صباحًا، وحتى العاشرة لیلًا، وأحیانًا تجده هناك حتى في عطلة نهایة الأسبوع، وهو شریكٌ إداري. وعندما یرى بقیة الموظفین ساعات العمل التي یقضیها المدراء یحفزّهم ذلك للإنجاز والعمل ساعاتٍ أطول».

 

وقد ذكر لي بعض مسؤولي التوظيف الذين قابلتهم، أن هذه العينة تجذبهم بشدة، فهم الأكثر انضباطًا والتزامًا وهذا ماتريده المؤسسات المهنية المختصّة؛ فهذه المؤسسات ترغب أن تكون الأفضل في مجالها، لذلك تخبر موظّفيها بحاجتها للأفضل ليعمل لديها وتظل تطالبه بالاجتهاد الدائم والعمل الإحترافي المُتقن حتى لا يُهدد بقاؤه، وهذا ما يُشعر الموظف بعدم الكفاءة وعدم الأمان؛ فالسياسات الداخلية صارمة جدًا مما يجعل عدم تطورهم المستمر سببًا كافيًا للتخلص منهم.

على المدى القصير، يستجيب المكافحون فيقومون بأداء عملٍ مميزٍ واستثنائي. ويقول لي مدير إحدى الشركات الإستشارية: «نظريتي تقول بأن بناء علاقات جيدة مع العملاء تعني أن تخبرهم عن أهمية وروعة قيامهم بعمل إضافي؛ فذلك سيحافظ على علاقاتهم بعملائهم ويُشعر عملائهم بالثقة والرضا. شعور العملاء بالشغف بما يقومون به هو ما نريد الوصول إليه.»

 

ومما يعزز العمل الشاق هو الرقابة الإجتماعية الصارمة التي تقوم بها المؤسسات المهنية المختصة. يذكر بعض الموظفين أنهم ينظرون إلى التزامهم بالعمل مثل التزامهم تجاه العائلة وأحيانًا شيء أكثر التزامًا وصلة، يقول أحد المستشارين المهنيين: «كنت آتي إلى هنا وأنا أشعر أن عليّ فرضًا يجب تأديته، ولكني الآن برضًا ورغبةٍ وحُب.»أحيانا يؤدي الالتزام النابع عن شعور بعدم أمان، إلى التزام آمن ومتطرف.

من المفارقات أني حسب دراستي وجدتُ الكثير من المهنيين الذين يقومون بالأعمال الشاقّة ويعملون لساعاتٍ طويلةٍ ويظنّون رغم ذلك أنهم يمتلكون مساحةَ واسعةَ للاختيار، واستقلالية تامة، لا يلومون المؤسسات التي يعملون بها على ذلك، والتي تبنّت فيما بعد برامجَ للمعادلةِ بين الحياة المهنية والإجتماعية -برامج للرعاية الصحية وغيرها- لكنّهم بدلًا من ذلك يلومون أنفسهم لاعتقادهم بعدم كفايتهم، ويُظهرون بشكلٍ دائم إمكانياتهم وقدراتهم مما يُشعر زملاءَهم في العمل بالتقصير وعدم الكفاية. فلا تجد الحديث عن المشاكل والصعوبات متداولًا بينهم، حتى لو شعروا بالإنهاك والتعب فقط يلومون أنفسهم، ويبذلون جهدًا أقصى، ويُخلون مسؤولية المؤسسة تمامًا مما لا يُسهم في تغيير السياسات و أنظمة الرقابة الإجتماعية المُتسببة في جعلهم كما هم عليه.

 

فإذا كنتَ قائدًا يتساءل: «لماذا أعمل بجدٍ أكثر من أي وقتٍ مضى؟» أعد النظر إلى نفسك، إلى المؤسسة التي جعلت منك ما أنت عليه، وإلى القواعد التي تتّبعها لتقوم بأداء عملك، العمل الجاد بالطبع مُبهج، والشعور بالإنجاز رائع، ولكن عليك النظر لحياتك، وحاول أن تكون لينًا ودودًا حتّى إلى موظفيك؛ فتصعيبك لسبل أداء المهام لن يكون جيدًا على المدى البعيد واتخاذ العديد من الإجراءات الصارمة ليس الخيار الأفضل لتحسين مؤسستك.

شعورك بعدم الكفاءة من الممكن أن يكون سببًا لجعلك كما أنت عليه اليوم، لكن ألا زلت تشعر بعدم الكفاءة رغم كل ما حققته أثناء ذلك الشعور؟! هذا هو الوقت الملائم لتعرف أنك كفءٌ لكل ما قمت به، وأن تبدأ بالاستمتاع بعملك وتحثّ من هم دونك في العمل على الاستمتاع بأداء مهامهم، وفي حال كان مديرك ممن لا يشعر بالكفاءة فحاول أن تُسهم في تغيير سياسات العمل من منصبك وساهم في تغيير نظرته.

لا بأس في أن تعمل لساعاتٍ طويلة بشكل دائم، حقق أهدافك، وضع خططًا واضحة ومحددة، وتذكّر دائمًا أن حياتك تستحق أن تلتفت لها وتعيشها.

 

ولا تقُم بالحكم على زملائك في العمل، من يعمل بشكلٍ جيّد ومن لا يعمل بشكلٍ جيّد، بل ساعدهم في اكتشاف نقاط ضعفهم وساهم في تعليمهم وتوجيههم.

كمدير، فأنت لا تتحمل مسؤولية شركتك فحسب، حتى الموظفين في الشركة أنت مسؤولٌ عنهم. ساعد موظفيك وزملاءك للحصول على أفضل الفرص للتعلّم والتطوّر، ولا تستغلّ شعورهم بعدم الكفاءة! بل ذكّرهم بإمكانياتهم في تحقيق المهام بشكلٍ ممتاز وأنك موجود دائمًا لتقديم الدعم والإرشاد والمساعدة.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *