لا تزال بحاجة إلى عقلك

ترجمة بتصرف لمقال: (You Still Need Your Brain By DANIEL T. WILLINGHAM)

تدقيق: علي الضويلع

مراجعة: محمد المهندس

إن معظم البالغين يتذكرون قيامهم بحفظ أسماء الأنهار أو نظرية فيثاغورس في المدرسة، متسائلين حينها “هل سأستخدم حقاً هذه الأشياء؟”، إن فتية اليوم لديهم طلاقة عالية في الحديث. يقول جوناثان روتشيل، مدير مجموعة تطبيقات التعليم في قوقل، في حديث له العام الماضي في أحد المؤتمرات التقنية “بأن ليس لديه إجابة” حول “لم يجب على أطفاله تعلم حل المعادلة التربيعية؟!” ويتساءل لماذا لا يستيعيضون عن ذلك بـ”سؤال قوقل.”، فإذا لم يكن بوسع السيد روشيل أن يجيب أولاده بهذا الشأن، فأنا أستطيع.

إن قوقل جيد في العثور على المعلومات، لكن العقل يتفوق عليه  بأمرين أساسيين. المتحمسون لاستخدام قوقل يقللون من تقدير تغير معنى الكلمات والجمل مع السياق، وبأخذ أمر مفردات اللغة بالاعتبار، فإن كل معلم يعلم أن طالب الصف السادس، حتى مع استخدامه للمعجم، نجده غالباً ما يقدم بحوثه مليئة بكلمات لم تستخدم بالطريقة الصحيحة تماماً، مثل الطالب الذي بحث عن معنى كلمة “شديد التدقيق”، ورأى أنها تعني “شديد الحذر” وكتب “كنت دقيقًا عندما سقطت من المنحدر”.

بوجود معرفة صحيحة في ذاكرتك، فإن عقلك سيضع بالتأكيد الكلمات في سياقها. لاحظ قولنا “سكبت تريشا قهوتها”، ثم تلتها جملة “نهض دان ليجلب ممسحة”، تجد أن العقل يسلط الضوء على الفور إلى جانب واحد من معانى مفردة “انسكاب” – الانسكاب يتسبب بالفوضى. لو  أن الجملة الثانية كانت “نهض دان ليجلب لها المزيد”، لكُنتَ ظننت بأنه بدلاً من حقيقة أن “الانسكاب” يعني أن تريشا حصلت على كماً أقل من شيء ما. ومع ذلك فلا يزال هناك جانب آخر من المعنى يمكن أن يخطر على ذهنك إذا كنت قرأتها “قفز دان، وهو يصرخ من الألم”.

إن معنى “الانسكاب” يعتمد على السياق، ولكن القواميس، بما في ذلك قواميس الإنترنت، توفر بالضرورة معانٍ خالية من السياق. هذا هو سبب سقوط الأطفال من المنحدرات بدقة، ولعل البحث عن الكلمات في معاجم الانترنت يغدو أكثر حساسيةً للسياق، ولكن لن يكون ذلك حتى يحين الوقت الذي ستتمكن فيه أدمغتنا من التواصل مباشرة مع رقائق السيليكون الإلكترونية، وهنالك مشكلة أخرى – ألا وهي السرعة.

من المفترض أن يكون الوصول السريع ميزة كبيرة عند استخدام الإنترنت. وبإمكان الطلاب دائماً البحث عن المعادلة التربيعية بدلاً من حفظها، ولكن فتح علامة تبويب متصفح جديدة يستغرق لحظات، وهذه لا تساوي الدقائق المطلوبة لتحديد موقع الصفحة الصحيحة في الكتاب الصحيح للعثور على نفس المعلومة. ومع ذلك فإن “اللحظات” لا تزال أبطأ بكثير من قدرة العقل على الاستذكار.

السرعة تشكل فارقاً عندما تكون المعادلة التربيعية جزء من مشكلة أكبر. تخيل حل (٩ X ٣٩٧,٣٩٤) لو لم تكن حافظاً لجدول الضرب، فبالتأكيد يمكنك أن تبحث ٩X٤، ولكنك من الممكن أن تفقد بسهولة موضوع المشكلة عندما تفعل ذلك. ولهذا السبب قام الفريق الاستشاري الوطني للرياضيات بإدراج “استرجاع الحقائق بسرعة ودون عناء” كضرورة أساسية لتعليم الرياضيات.

السرعة مهمة  في مجال القراءة أيضًا. يقول الباحثون أن القراء بحاجة إلى معرفة ما لا يقل عن ٩٥ في المئة من الكلمات في نص ما لاستيعاب مريح. فالتوقف المؤقت من أجل العثور على تعريف كلمة من شأنه أن يعطل عملية القراءة. وعلى الانترنت، فإن مجرد وجود الارتباطات التشعبية يضر في فهم القراءة لأن ذلك يعني أن قراراً ما إذا كان سينقر أم لا يعطل تدفق الفهم.

المعرفة الأعمق للكلمات يساعد في هذا أيضاً. بمعنى أن معرفتك ماذا تعني الكلمة، وكيف  كتبت، وكيف تنطق يتشكل في الدماغ في مكانين منفصلين. وهذا هو السبب في أنك قد تذكر أحدها وتنسى البقية، مثلما كنت تعرف ما تريد أن تقول “شخص يدين المال”، ولكن لا تستطيع العثور على كلمة “المدين”. القراء الجيدون لديهم اتصالات موثوقة وسريعة بين تمثيلات الدماغ من الإملاء والصوت والمعنى، والسرعة مهمة لأنها تسمح بأداء عمل مهم آخر – على سبيل المثال، اكتشاف معنى العبارات – للمضي قدماً.

استخدام المعرفة الموجودة في العقل هي أيضاً نوع من الاكتفاء الذاتي، في حين أن استخدام المعرفة من الإنترنت ليست كذلك. في كل مرة تسترجع المعلومات من الذاكرة، يصبح من الأسهل قليلاً العثور عليها في المرة القادمة. وهذا هو السبب في أن الطلاب الذين يدرسون لاختبار هم في الواقع يتذكرون أكثر إذا كانوا يسألون أنفسهم مما لو كانوا يدرسون كما يفعلون عادة من خلال إعادة قراءة الكتب المدرسية أو الملاحظات. وهذا يستعرض الأفكار الصحيحة أمام العقل، ولكن لا يجعلها تنحفظ فيه. وبالطريقة نفسها، فإنك لن تجد طريقك نحو مدينة ما إذا كنت دائماً تستخدام نظام تحديد المواقع الخاص بك، لكنك ستتعلم إذا كنت تعمل على تذكر الطريق الذي أخذته في المرة الأخيرة.

العقل يهزم الإنترنت عندما يتعلق الأمر بالسياق والسرعة، ولكن الإنترنت يهزم العقل عندما يتعلق الأمر بالكمية. فيمكنك العثور على أي حقيقة على شبكة الإنترنت، حتى الحقائق البديلة منها. وعلى نقيض ذلك، فإن عقلك محدود، فكيف ينبغي لنا أن نختار ما نتعلمه؟

يجب على الطلاب تعلم المعلومات التي يكون فيها الإنترنت بديلاً ضعيفاً. فالحصول على المعلومات الصحيحة من الإنترنت يستغرق وقتاً طويلاً، لذلك يجب عليهم أن يحفظوا الحقائق التي يحتاجون إليها بسرعة وبشكل متكرر. حقائق الرياضيات الابتدائية وأصوات الحروف تعتبر خيارات واضحة، كما أن أي معلومات مطلوبة بكثرة هي مرشحة لذلك أيضاً – ففي الجبر، تعتبر المعادلة التربيعية مثالاً على ذلك.

الإنترنت ضعيف في وضع المعلومات في السياق، وقد ينتهي الأمر بالفتيان الباحثين عن المعادلة التربيعية إلى حال الطفل الذي يبحث عن كلمة “دقيق” وسيجدون  التعريف، ولكن ليس لديهم المعرفة المسبقة لاستخدامه بشكل صحيح. يجب أن يتعلم الطلاب أن الصيغة ليست مهمة لوحدها فقط ولكن أيضاً لماذا تعمل وكيف تتصل بمسائل رياضية أخرى. وهذه هي الطريقة التي تطور المعرفة السياقية في العقل، وهذا هو السبب في أن تعليم المفردات نادراً ما يشتمل على حفظ بسيط للتعاريف – ويحتاج الطلاب استخدام الكلمات في مجموعة متنوعة من الجمل، وينطبق نفس الشيء على المفاهيم الأكثر تقدماً ولذات السبب.

من الخطأ الفادح أن تعتقد بأن قوقل يمكنها أن تحل محل عقلك وذاكرتك. ومع ذلك، فإنه من الممكن أن يكملها إذا كنا نضع في اعتبارنا أيهما الأفضل في فعل شيئ محدد ما.

المصدر

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *