لماذا عليك تدوين ما يقلقك

ترجمة بتصرّف لمقال: Why You Should Write Your Worries Down on Paper
مصدر الصورة: Unsplash

الكاتب: نيك ويغنال Nick Wignall

ترجمة: أَمجاد السعيد amjrg@
تدقيق ومراجعة: جواهر القحطاني

بصفتي أخصائي نفسي، تصلني أسئلة عديدة عن القلق وكيفية التوقف عن الإسراف فيه. وفي كل مرة تكون إجابتي واحدة: 

لا تقلق في رأسك أبدًا.

يتضايق بعض السائلين في البداية ويظنون أنني أمازِحهم، قائلين حسنًا، كيف بوسعي أن أقلق في غير رأسي؟

 ولكنني في الحقيقة أتكلم بجدية. يعتقد الأغلبية أن عليهم القلق في رؤوسهم ولكن في الحقيقة هناك طريقة أفضل للتعبير عن القلق، طريقة تخفف قلقك وتحد منه مستقبلًا. 

بوسعك القلق على الورق.

رفض القلق في رأسك وتدوينه على الورق بدلًا من ذلك، له تأثير مدهش للتخلص من عادة القلق المزمن وتخفف كثيرًا من مستويات القلق والتوتر عمومًا. 

وفيما يلي أربعة أسباب نفسية لذلك:

١. القلق على الورق يخلق مساحة بين مخاوفك وهويتك

أحد أكبر مسببات القلق هو إفراطُنا في ربط هويتنا مع أفكارنا ومخاوفنا. 

فمثلًا: 

  • عندما يتبادر إلى ذهنك هذا المقلق المحدد: ماذا لو بدوت أحمقًا أثناء الاجتماع؟.
  • وتبدأ في الإسهاب فيه: سيكون مديري في الاجتماع… ماذا لو ظن أنني لست كفءًا؟ .
  • وتوسعة أكثر: لماذا أنا مِقلاق؟ أتمنى لو كنت واثقًا بنفسي مثل سام. 
  • وأكثر: هذا على الأرجح هو سبب عدم حصولي على تلك الترقية السنة الماضية…
  • حتى تصل إلى: كم أنا زائف! وما هي إلا مسألة وقت حتى يدرك الجميع ذلك.

بدأت بقلق محدد وبسيط (ماذا لو بدوت أحمقًا…)، وبسلسلة من الإسهاب المتواتر انتهيت بعبارة تسودها الإدانة الذاتية والخيبة (كم أنا زائف!).

يؤدي القلق البسيط وغير المنطقي نوعًا ما -النوع الذي يعيشه الكثير من الناس يوميًا- إلى اعتقاد غير عقلاني وسلبي للغاية عن ذاتك. يطلق الأخصائيون النفسيون عليه اسم الاندماج المعرفي ويحدث عندما تدمج أفكارك مع هويتك. وهو يؤثر سلبًا على ثقتك واحترامك لذاتك، ومع الوقت سيؤثر على أدائِك وفعاليّتك. 

الجميع لديه ما يقلقه ولكن التعود على الإسهاب في القلق ومضاعفته، يؤدي إلى القلق الحاد و الشك الذاتي.

لحسن الحظ يمكنك كسر هذه السلسلة بتدّوينك ما يقلقك بدلًا من الاستعجال والإسهاب به داخل رأسك.

فمثلًا:

  • عندما يتبادر إلى ذهنك هذا المقلق المحدد: ماذا لو بدوت أحمقًا أثناء الاجتماع؟
  • وتبدأ في القلق بشأن وجود مديرك في الاجتماع، ولكن…
  • تتمالك نفسك وتتوقف.
  • ثم تتذكر الحيلة التي قرأتها سابقًا عن تدوين قلقك.
  • فتمد يدك إلى درج طاولتك، وتخرج ملصق تدوين ملاحظات زهري، وتكتب عليها ” ماذا لو بدوت أحمقًا أثناء الاجتماع؟”.
  • وبِتأملك لها مكتوبةً ستبدو لسبب ما سخيفة وليست تهديدًا أو حقيقة كما تعتقد.
  • ثم كرمش الورقة وألقِها في سلة المهملات، وعد لوضع اللمسات الأخيرة على عرضك الذي ستقدمه في الاجتماع.
  • وأخيرًا، تدخل الاجتماع ببعض من القلق ولكنه ليس بجسامة الدمار العاطفي الذي كدت تقع فيه لو احتجزت في سلسلة القلق وانتهيت عند “يالي من زائف! وما هي إلا مسألة وقت حتى يدرك الجميع ذلك”. 

 

عندما تُدون ما يقلقك فأنت تسهل رؤيته على أنه ظرف منفصل لا علاقة له بذاتك، ورؤية ما يقلقك مكتوب على الورق حرفيًا، يعزز فكرة مهمة: 

ما يقلقك جزء منك ولكنه لا يمثلك.

بالإضافة إلى التعود على تدوين ما يقلقك، يمكنك ترديد الشعار التالي لنفسك، لتُعزز هذه الفكرة: 

  • أنا لست أفكاري. 

٢. القلق على الورق يبطئ تسارع أفكارك

قد لا تمتَن لمدى سرعة قلقك، ولكن يمكنك في غضون بضع ثوانٍ إلى دقائق، خلق عشرات المُقلِقات المحددة وكلٌ منها يرفع مستويات قلقك وتوترك.

فيما يلي تجربة بسيطة لتوضيح سرعة القلق، شغل ساعة الإيقاف على هاتفك واقرأ قائمة المُقلقات التالية سرًا في نفسك:

  • ماهذا الألم البسيط؟ هل يمكن أن يكون جلطة دموية؟
  • هل ظنت أنني متبلد الإحساس بسبب تعليقي عن أختها؟ 
  • ماذا لو لم آخذ قسطًا كافيًا من النوم؟ غدًا يوم حافل…
  • لماذا أعطاني نظرة الاستنكار تلك؟ هل ارتكبت حماقةً؟
  • أتساءل عما إذا سار الاجتماع على ما يرام؟ دائمًا ما أسهب في الحديث عندما أقود الاجتماعات…

أخذت مني قراءة هذه الخمس مُقلقات حوالي عشر ثواني. وهذا يعني أنه يمكنني ببساطة القلق بمعدل ثلاثين مُقلقًا في الدقيقة. 

وأهمية سرعة القلق تكمن في كونه محرك لاضطراب القلق -أي أن كل مقلق بسيط يخلق وحدة قلق. 

ومهما كان المقلق وحده بسيطًا وحتى لو قضيت ثلاثين ثانية فقط في القلق سينتج عنها خمسة عشر وحدة قلق تخلقها في رأسك.  

لنتخيل أنك تقلق في حدود ثلاث دقائق لكل ساعة يوميًا، أي تسعين مقلق كل ساعة، وألفًا وأربعة مائة وأربعين مقلق يوميًا، وكل مقلق منها يخلق قدرًا من وحدات القلق في رأسك.

ما أكثر المقلقات والقلق!

وهذا يعيدنا إلى أهمية كتابة ما يقلقك على الورق:

لا يمكنك الكتابة بسرعة بقدر سرعة أفكارك.

لنطبق تجربة أخرى، شغل ساعة الإيقاف ولترى كم تأخذ كتابة هذه المُقلقات الخمس على الورق من الوقت: 

  • ما هذا الألم البسيط؟ هل يمكن أن يكون جلطة دموية؟
  • هل ظنت أنني متبلد الإحساس بسبب تعليقي عن أختها؟ 
  • ماذا لو لم آخذ قسطًا كافيًا من النوم؟ غدًا يوم حافل…
  • لماذا أعطاني نظرة الاستنكار تلك؟ هل ارتكبت حماقةً؟
  • أتساءل عما إذا سار الاجتماع على ما يرام؟ دائمًا ما أسهب في الحديث عندما أقود الاجتماعات…

استغرقت دقيقة وإثنين وخمسين ثانية في كتابتها، أي أنني أقلق على الورق بقدر ٢,٧ مقلق في الدقيقة.

خذ ثانية للمقارنة…

  • القلق في رأسك: ثلاثون مقلق في الدقيقة.
  • القلق على الورق: ٢,٧ مقلق في الدقيقة.

وإذا كان لكل مقلق وحدة قلق، فكر بكمية القلق الذي تخلِّص نفسك منه حينما تقلق على الورق بدلا من التفكير به في رأسك:

يمكنك تقليل قلقك جذريًا، عندما تحِد سرعة تفكيرك بسرعة كتابتك. 

٣. القلق على الورق يعيق عادة التفكير الزائد 

التفكير الزائد يعني التفكير بغير الجدوى، وهو أساس أغلب المعاناة العاطفية والتعاسة. 

وفيما يلي بعض الأمثلة الشائعة للتفكير الزائد:

  • القلق: عندما تعتاد على التفكير الزائد عن المُهددات المحتملة ستحصد القلق المزمن.
  • الاجترار النفسي: عندما تعتاد على التفكير الزائد عن إهانات الآخرين وأخطائهم بحقك ستحصد الغضب المزمن.
  • نقد الذات: عندما تعتاد على التفكير الزائد عن أخطائك ستحصد تدني تقدير الذات وحتى الاكتئاب. 

لسوء الحظ  معظمنا قد تدرب تطبيقيًا منذ الولادة على أن نَبرع في التفكير فمن الصعب التخلص منه – حتى  لو فطنا أنه لا منطق ولا نفع فيه.

 والسبب بسيط: 

تُعَزز العادات بتكرارها، وعَادة التفكير الزائد كذلك.

في كل مرة تبدأ بمُقلق وتلحقه بمُقلق آخر، فأنت في الحقيقة تكافئ قرار عقلك بخلق المقلق، والنتيجة هي تعزيز هذه العادة وزيادة احتمالية تِكرارها مستقبلًا. 

ولكن عندما تبدأ بمُقلق ولا تلحقه بغيره فورًا، فأنت تمنع المكافأة وتكسر السلسلة بالإضافة إلى تخلصك من العادة ذاتها. 

تدوين ما يقلقك مفيد لأنه يعيق عادة خلق المُقلقات التي تحافظ على استمرارية القلق. 

عندما تعتاد على التوقف وإخراج ورقة وتدوين ما يقلقك ببطء بعد أول مُقلق، فأنت تضعف عادة القلق باستجابتك لها. 

تذكر: 

كلما لم يكن القلق عادة أصبحت هادئًا وقل القلق الذي ستعيشه. 

٤. القلق على الورق يجعلك مؤلفًا لا ضحية

أغلب من يعانون من القلق المزمن يعتقدون أن القلق يصيبهم.

مثل شخصية في قصة، يرون المُقلقات مثل سلسة من الأحداث المؤسفة التي تصيبهم و تتسبب في قلقهم وتوترهم. 

حسنًا هناك ذرة من الحقيقة في ما سبق، أحيانًا المُقلقات تظهر فجأة في عقولنا ولكن هذه المقلقات المفاجئة تشكل جزء بسيط من عبء القلق الذي نعيشه. 

في الحقيقة، الغالبية العظمى من ما يقلقنا هي أشياء نفعلها، أحيانًا بقصد، ولكن غالبًا بفعل العادة. وفي كلتا الحالتين، من المهم تذكر ما يلي : 

أحيانًا المُقلق يحدث فجأة، ولكن غالبًا نحن من نحدثه. 

وهذا يعني أنك لست مجرد شخصية في قصة حياتك فأنت المؤلف أيضًا -قادر على التحكم في السرد وتغير نهايتها-.

وحتى لو لم تقوى على التحكم بظهور المُقلق المفاجئ في عقلك، فأنت تقوى على التحكم باستجابتك له -تحديدًا، إن كنت ستُسهب وتتوسع فيه أم لا-. وهذا ما يحدث عندما تفطن للمُقلقات وتقرر تدوينها بدلًا من ذلك. 

تدوين ما يقلقك يساعدك على تحويل وجهة نظرك من شخصية سلبية إلى مؤلف نشط.

وبصفتك مؤلف لحياتك يمكنك اختيار الإسهاب في مُقلق أم لا – مثل ما يختار المؤلف لشخصياته أفكارهم. 

والثقة التي تصدر من اعتقاد المؤلف لِتبطل المُقلق والقلق فعالة للغاية. 

إن كنت تود التحكم بمُقلقاتك، ابدأ بتدوينها. 

 

  • • •

كل ما عليك معرفته

أحيانًا تحدث المُقلقات لنا ولكن غالبًا نحن من يحدثها. وعندما يتكرر حدوثها نقع في عادة القلق التي تؤدي إلى التوتر المزمن واضطراب القلق. 

إذا كنت تود التخلص من هذه العادة، توقف عن القلق داخل رأسك واِبدأ بالقلق على الورق. 

وهي طريقة فعالة للأسباب التالية: 

١. القلق على الورق يخلق مساحة بين مخاوفك وهويتك.

٢. القلق على الورق يبطئ تسارع أفكارك.

٣. القلق على الورق يعيق عادة التفكير الزائد.

٤. القلق على الورق يجعلك منك مؤلفًا لا ضحية.

 

المصدر 

تمت الترجمة والنشر بإذن الكاتب 

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *