القلق الفعّال: كيف تُحقّق الحكمة عبر مخاوفك؟

القلق الفعّال: كيف تُحقّق الحكمة عبر مخاوفك؟

ترجمة بتصرّف لمقال: Worrying well: (how to bring wisdom to your worries
مصدر الصورة: unsplash

ترجمة: جمانة السوادي

تدقيق ومراجعة: لمى الجريّد

المراجعة النهائية: أسامة خان



النظر للقلق باعتباره شعورًا سلبيًّا أمرٌ شائع بين الناس. لكن هل يمكن للقلق أن يؤدي دورًا إيجابيًّا إلا أننا غير واعين به؟ يزعم الطبيب والباحث روزمان أن القلق في حقيقته هو «وظيفة تكيُّفية» تهدف إلى حل مشاكلنا بطريقةٍ أفضل، وأنه محاولة لخَلق الحلول الإبداعية. كما أن القلق الفعال مهارة يمكن لأي أحد اكتسابها.

 

يُعدّ القلق نتيجةً للتصور والتخيل، وهو إحدى الملَكات العقليّة الأساسية التي تميز الإنسان عن باقي الكائنات الحية. يقوم كل من القلق والتّخيل على  تذكر الماضي وتسليط الضوء على أنفسنا في المستقبل، وإن لم يتمتع الإنسان بمخيلة، فإنه بالضرورة لن يضطّر لأن يقلق. فالقلق والخيال وجهان لعملةٍ واحدة.

 

يقول د. مارتن بأن هذا -أي السيطرة على الخيال- هو الهدف من العمليات الجراحية للدماغ، ومعظم الأدوية التي تعالج اضطرابات القلق. ويقول مازحًا: لو أمكننا إجراء استئصال آمن للمخيلة، فإننا سنتعافى تمامًا من القلق، ولكن على حساب مخيّلتنا. لذا عوضًا عن الاستغناء عن المخيلة -ومعه الاستغناء أيضًا عن قُدراتنا الإبداعية- علينا أن نحاول استخدامها بشكلٍ أفضل.

 

ماهو الفرق بين القلق، واضطراب القلق، والضغط العصبي؟

صحيح أن القلق، واضطراب القلق، والضغط العصبي قد تبدو مفاهيمًا متشابهة، إلا أن هناك اختلافات ينبغي الوعي بها إن أردنا جعل قَلقِنا أكثر إيجابية وفعاليّة.

القلق: نمطٌ من أنماط التفكير يقوم على تكرار التفكير بالشيء واجتراره، وهذا الشيء إما أن يكون حدثًا في الماضي أو حدثًا سيقعُ في المستقبل. وبطبيعة الحال، فإن كثيرًا مما يُثير قلقنا قد لا يحدث. لكن عقلنا يوهمُنا أن شعورنا المستمر بالقلق هو السبب في عدم حدوث ما نخشاه. يحدُث القلق في القشرة الجبهيّة – الجزء المسؤول عن التفكير في الدماغ -.

اضطراب القلق: حالة من الإحساس بالخوف، أو الهلَع، أو ترقّب الأسوأ. وغالبًا ما يأتي هذا الاضطراب على شكل شعور مزعج في الصدر أو الأمعاء، وقد يُصاحبه بعض الأعراض الأخرى كتسارع دقات القلب والتعرّق. مصدر هذا الاضطراب هو الجهاز الحوفي وهو المسؤول عن الانفعالات في أجسامنا.

الضغط العصبي: هو استجابة طبيعية -تكون إما بالمواجهة أو بالهروب- للتهديدات التي تحيط بنا، والتي قد تكون حقيقيةً أو مُتوّهمة. وفي الحقيقة فإن حياتنا الحديثة تتضمّن الكثير من التهديدات «المُتوهَمة» والتي تسبب لنا الشعور بالضغط، وقد وُهب الإنسان هذا الشعور لينبهه إلى الخطر حوله. ويمكن أن نُميّز الشعور بالضغط العصبي من خلال ارتفاع الأدرينالين والكورتيزول، بالإضافة إلى زيادة مستويات الدم في العضلات.

من حيث المبدأ، ليست هذه الانفعالات سلبيّة تمامًا بالنسبة للإنسان. على سبيل المثال، نوبة قصيرة من اضطراب القلق قد تكون مؤشرًا على شيءٍ خاطئٍ يحدث لك. وينبغي عليك التنبّه لها عند حدوثها حتى تدرك ما يُثير هلعَك، فقد تكون منزعجًا تجاه موقفٍ غير مريح في العمل، أو لعلّك تتجنّب الاطلاع على مصاريفك. وبالمثل، فإن الضغط بوصفه استجابةً للتهديد هو آلية للبقاء، وعندما يكون التهديد حقيقيًّا من الجيد أن يدخل جسمك في حالة التوتر لتنتبه.

اضطراب القلق والضغط العصبي كلاهما سيء إذا كانا مُزمنين أو حادّين. نوبة الهلع هي شكل من أشكال اضطراب القلق الحاد ومؤلمة لمن يعانون منها. والضغط العصبي المزمن له تأثيرٌ رهيب على جسمك وعقلك. والشيء ذاته ينطبق على القلق: يمكن أن يكون سلبيًّا أو إيجابيًّا.

 

القلق الفعّال والقلق العقيم   

«القلق الفعال» قد تبدو لك هذه العبارة متناقضة، إن هذا الشكل من القلق يُعد مفيدًا وحميدًا لأنه يتوقّع المشكلات ويُسارع إلى حلها. فأن تقلق حِيال مستقبلك وتواجه مخاوفك، لهو أكثر جدوى من التهرّب ودفن رأسك في الرمال كما تفعل النعامة. خذ مثلًا: «أنا قلقٌ ما إذا كان يمكنني دفع أقساط مدارس أطفالي» أو «أنا قلقٌ حيال عثوري على مدرسة جيدة»، هذه المخاوف تُعتبر نوعًا من «القلق الفعّال». والسؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه على نفسك لتحدد ما إذا كان قلقك «فعّالًا» أم لا هو: هل هناك ما يُمكنني فعله حيال هذا الأمر؟

 

أما «القلق العقيم» وهو القلق السلبي، يكون القلق هنا مستمرًّا وحالةً من الدوران الدائم في حلقة مفرغة، ولا يؤدي بالإنسان للوصول إلى حلول لمشكلاته لأنه يُبقيه خائفًا وهلِعًا، إذ أنه من المعلوم أن الخوف يعطّل عملية التفكير. ويُعطي د. روزمان مثاًلا على هذا القلق باستحضار ماحدث في ٢٠١٢ وذلك عندما كان الناس هلِعين من الخرافة التي ادّعت أن العالم سينتهي في شهر ديسمبر. هذا مثالٌ عليك أن تضيفه لقائمة القلق المعطّل – لأنه وعلى فرض صحته – ما من شيء يمكنك فعله تجاهه.

لعلك تتسائل؛ كيف يمكننا عمليًّا أن نفرق بين القلق الفعال والعقيم؟

مبدئيًّا، تذكر أنك تحتاج إلى قدرٍ من القبول والتّسليم تجاه المخاوف التي تفوق مقدرتك على تغييرها، وبالمقابل فأنت تحتاج إلى الشجاعة والإقدام لإنهاء المخاوف التي هي ضمن نطاق مقدرتك. وتكمُن الحكمة هنا: في أن تعرف متى تقلق، ومتى تهدأ وتستسلم. 

 

إذا كنت أمام إحدى مخاوِفك في الحياة ولا تدري ما هي الطريقة الأكثر حكمة لمعالجتها، جرب الآتي:

  • تحدّث لمن تتوسّم فيه الحكمة والنضج. قد يكون هذا الشخص صديقًا، معلمًا، أو أشخاصًا سبق لهم أن مرّوا بتجارب مشابهة وتمكنوا من تجاوزها.
  • أيقظ الحكمة الكامنة لديك. إننا لا نواجه صعوبةً في طمأنة أصدقائنا عندما يصارحوننا بمخاوفهم، لكن لماذا نعجز عن مساعدة أنفسنا؟
    جرِّب مرة أن تنخرط في حالةٍ من الاسترخاء والتأمل، وتخيل نفسك تخوض محادثةً مع شخص حكيم وصارحه بمخاوفك. قد يساعدك هذا التمرين الذهني على استمداد الحكمة في التعامل مع مخاوفك.

عمومًا، تحقيق القلق الفعال يتعلق بشكلٍ كبير باقتباس حكمة الآخرين. وتذكر أنك تستطيع تحويل قلقك السلبي إلى إيجابي باتخاذ خطواتٍ فعّالة لمواجهة مخاوفك التي تستطيع معالجتها، وتقبُّل تلك المخاوف التي لا تستطيع فعل شيء حيالها.

يمكُنك الاستماع لكامل محاضرة د. روزمان من هنا

 

المصدر 

تمت الترجمة بإذن من الكاتب
أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *