بين التسويف وإدمان العمل

ترجمة بتصرّف لمقال(Between
Workaholism & Procrastination by Jamal Mashal)

الكاتب: Jamal Mashal
ترجمة: أسماء نشمي الشمري
مراجعة وتدقيق: لمى سلمان الجريّد
المراجعة النهائية: زينب محمد

فبراير ٢٠١٥:

كنت أعمل في القدس لدى شركة ناشئة تدعى كوريو (Curiyo). واتبعت حينها نظامًا رائعًا: كنت أستيقظ قرابة السادسة صباحًا، ثمّ أذهب برفقة صديقي إلى النادي الرياضي، وأعود بعدها لأستحم وأتناول طبقًَا من السلطة، ثم أغادر إلى عملي. وعند التاسعة صباحًا أصل إلى العمل ثم أغادر قرابة الخامسة مساءً لأمضي وقتًا مع أصدقائي أو لأمارس أي نشاطٍ نويت فعله ذلك المساء.

وفي شهر سبتمبر من السنة نفسها، كانت رحلتي الأولى إلى الخارج. ورافقني فيها صديقي المقرّب من المرحلة الثانوية إلى إيطاليا لأسبوعين. وقد أُصبت بما يسّمى «حمّى الترحال»، فبعد هذه الرحلة انصبّ جُلّ تفكيري في التخطيط لرحلتي القادمة، ومتى سوف أتمكن من الطيران مجددًا.  ومنذ ذلك الحين، أصبحت أسافر شهريًا.

وذات يوم، عثرت على منشور في مدوّنة حول الرحّالة الرقميين والعمل عن بُعد، فخاطبت نفسي قائلًا: «هذا هو! هذا ما أريده!» وبدأ السباق لمعرفة كيف أحقق ذلك. وبعد عدة أشهر، حصلت على وظيفتي الأولى عن بعد مع توبتال (Toptal) ووقعت عقد عمل لرحلة حول جنوب شرق آسيا مدة ثلاثة أشهر. وبعد رحلتي الأولى بسنة، وتحديدًا في سبتمبر ٢٠١٦ كنت أعمل عن بُعد في تايلاند أستمتع بالشاطئ وأشرب ماء جوز الهند الطازج وأنعت نفسي بـ«الرحّالة الرقمي».

شِعار الرحّال الرقمي هو «اعمل كثيرًا، وامرح أكثر». ويختلف جدول كل يوم عن اليوم السابق، يسير هذا  الجدول وفقًا لما أرغب بفعله أو ما يخطط له الفريق. إن صحّ التعبير، فمن غير الممكن أن تعيش نظامًا ثابتًا، بل عليك أن تتمتع بالمرونة والحيوية. عدا ذلك ستضطر للاختيار بين أن تكون مصابًا بمتلازمة FOMO: «الخوف من تفويت الأشياء» أو الأداء السيء في العمل، لئلا تفوتك المتعة التي يحظى بها الآخرين.

فبراير ٢٠١٧:

وبعد رحلتي إلى جنوب شرق آسيا التي استغرقت ثلاثة أشهر، عدت إلى القدس لرؤية عائلتي والتخطيط للتالي. وبسبب نشأتي في القدس لم أكن متحمسًا للعودة إليها، فقد أمضيت كل حياتي هناك إلى تلك اللحظة. وكانت مشاعر العودة مملةً وصعبةً بعد تلك التجربة، فقد عُدت بعدما قضيتُ ثلاثة أشهرٍ في النعيم.

وفجأةً، لا شواطئٌ ولا حفلاتٌ ولا غرباءٌ عشوائيون لأتسكع معهم، وقد كان لديّ الكثير من وقت الفراغ الذي لم أعرف فيمَ أقضيه. وما كنت أفعله كل يوم هو مغادرة منزل والديّ ذاهبًا للحرم الجامعي حيث أمضيت خمس سنواتٍ للحصول على الدرجة العلمية في هندسة الحاسب، وأن أعمل حدّ الإجهاد حتى أكاد لا أفتح عينيَّ.

فملأت بالعمل كل ما لديّ من وقت فراغ. فقد أنشأنا أنا وصديقي شركةً لتطوير مواقع المصادر الخارجية حيث عملت بمعدل ١٤ ساعة كل يوم في الأسبوع، حتى أصبحت مدمنًا للعمل. وكنت آمُلُ أنه بإنشائي هذا المشروع الناجح، سوف أمتلك السبل التي تمكنني من مغادرة مدينتي والانتقال لمكانٍ آخر لأعود إلى حياة النعيم التي عشتها لحينٍ من الزمن.

واكتشفت بعد ثلاثة أشهر من الأيام الطويلة والليالي المُرهِقة أن ذلك لم يكن ما أردته. وبالطبع لازلت أريد إنشاء مشروعي الخاص، لكن لا تعجبني الطريقة التي سلكتها. ووجدت نفسي يومًا أكتب هذا:

استيقظت متأخرًا كعادتي محاولًا فتح جفوني المُنهَكة. وغادرت سريري متجاوزًا السؤال المعتاد «ما هي الخطة اليوم؟». و من أول أسبوع لي في القدس أصبحت أيامي تعيد نفسها، أستيقظ وأذهب للجامعة وألتقي نفس الأشخاص وأعمل لمدة ١٢-١٤ ساعة، فتوقفت عن إجابة ذلك السؤال من حوالي ثلاثة أشهر.

كان كلّ شيء في ذلك اليوم عاديًّا عدا فكرةً واحدة، فقد سألت نفسي :«هل أنت سعيد؟» وكانت الإجابة بكل وضوح لا، فوجدتني أصرخ قائلًا«تبًا! إنني لست سعيدًا!». وأدركت حينها أنني أعيش بنظام حياةٍ تلقائي ونسيت أن أسأل نفسي سؤالًا بديهيًا كهذا. وظللت أتساءل طوال اليوم: «ما الفائدة إن لم تكن سعيدًا؟».

كان العمل هو طريقي الوحيد للهروب من الواقع وملءِ وقت الفراغ. وكان يقودني كل ذلك للتساؤل: هل من المفترض أن أُنهِك نفسي في العمل وأحيا تعيسًا لأسعَدَ مستقبلًا؟ 

سيقول العديد منكم غالبًا «نعم» كما سيتردد بعضكم قليلًا قبل قوله «لا». لكن لا يغيّر هذا الردّ حقيقة الأمر، فجميعنا بشكلٍ أو بآخر يفعل ذلك، وجميعنا يعملُ اليوم بجدٍّ، بُغية السعادة والرضا والراحة غدًا أو بعد شهرٍ أو بعد سنة.

كما دفعني ذلك لسؤال آخر غيّر كل شيء: ما المغزى من ملاحقة الأهداف والأحلام الكبيرة ما لم أكن مستمتعًا في طريقي نحوها؟

و لعدم وجود أي إجابة واضحة لهذا السؤال، فقد كانت إجابتي هي التسويف. كنت أودّ إنشاء مشروع وأمور عظيمة من جهة، ومن جهةٍ أخرى لم أرغب في العملَ بجدٍّ على أي شيء ما دمت لا أشعر بالسعادة أثناءه.

يونيو ٢٠١٧:

وانتقلتُ إلى ألمانيا بعد عدة أشهر من العمل المجهد، وعادت حياتي مجددًا بصفتي رحّالةً رقميًا. وأمضيت منذ ذلك الحين أكثر من ثلاث سنوات مرتحلًا حول العالم ومكتشفًا ومستمتعًا بصُنع الذكريات. كنت أحيا حياةً يحلم بها الكثيرون، فقد كانت حياتي خالية من أي روتين، وكنت أستيقظ متى شئت وأعمل متى شئت ودائمًا ما يكون الغدُ مغامرةً غير مخطط لها.

بدا كلّ شيء مثاليًا إلا أن حلمي القديم لا زال يؤرقني، فلطالما رغبت بإنشاء مشروعي الناجح الخاص، فأنا لم أحبذ العمل لحساب شخصٍ آخر ومقايضة وقتي بالمال أبدًا. وبين المتعةِ و التسويف، كنت أسعى جاهدًا في صُنع حيَلٍ وأفكارٍ عابثة ولطالما باءت بالفشل. ومع أسلوب حياةٍ كهذا أصبح من الصعب رفض الذهاب إلى الشاطئ المشمس، بدلًا من العمل على مشروعٍ جانبيّ مدة 10 ساعات. ونتيجةً لذلك، أصبح التسويف أسلوبًا جديدًا لحياتي.

مارس ٢٠٢٠:

كان لدي العديد من الخطط للترحال هذا العام، فقد غادرت المكسيك قاصدًا سان فرانسيسكو في رحلةٍ استغرقت أسبوعين. ولولا كوفيد-١٩ لسارت الأمور على نحوها المعتاد كما كانت بضع سنين.

وتجرّدت من كل شيء: أصحابي، ورحلاتي، وحتى عملي في ظرف أسبوعين منذ بداية هذه الجائحة. وهذه المرة لم يكن لدي وقت فراغ فحسب، بل أصبح جلّ وقتي فارغًا. فقد حظي التاريخ بفرصةٍ ليعيد نفسه ولدي قرارٌ عليّ اتّخاده. فهل أرغب بعيش عام ٢٠١٧ مجددًا؟ وهل أريد إنهاك نفسي بعملٍ لا ينتهي؟

فلا يزال الشعور راسخًا في مخيلتي منذ ثلاث سنوات ولا أريد الوقوع في الفخّ مجددًا. حيث كنت أعيش وحدي بلا ملهياتٍ من أي نوع و كانت تلك فرصةٌ عليّ استغلالها. وكانت هذه فرصةٌ للتعرف على نفسي واكتشاف ما أريد.

كان هدفي هو إنشاء مشروعي من الصفر، وفي الوقت ذاته عليّ أن أحظى بالتوازن في حياتي العملية. و لم أرغب بقضاء ١٤ ساعة على حاسوبي واستنزاف حياتي. حينها آمنت أنه من الممكن العمل بجدّ دون الوقوع في مستنقع الإدمان على العمل.

لقد كنت مطلع هذا العام في حضيض الجهة اليسرى من الصورة، حيث كان عليّ التعامل مع مشاكلي المتعلقة بالتسويف، لأصل للجهة اليمنى. لكن حين باءت جميع محاولاتي بالفشل، قررت تعلّم كل ما بوسعي تعلّمه حول هذا الموضوع، وأخوض تحديًا مع نفسي، لتأليف هذا الكتاب! فقد حاولت أن أثبت لنفسي (وللآخرين) أنه من الممكن العيش بوسطيّة، حيث تكون سعيدًا ومُنتجًا. 

«عصفورٌ في اليد خيرٌ من اثنين عشرة على الشجرة»

وبالرغم من تفاني صديقي المقرّب في إدارة مشروعٍ إلكتروني بعوائدَ سنويةٍ تصل إلى 300 ألف دولار، إلا أنه بدا تعيسًا. وبعد سؤالي إياه أجاب قائلًا:« إنه ليس من الممكن أن يحظى بهذا القدر من التوازن بين الإنتاجية،والنمو بسرعةٍ كافية، والسعادة في آنٍ واحد». وكان امتلاك تجارةٍ ثابتةٍ في سنّ الأربعين من أهدافه، حيث  بإمكانه الاسترخاء والاستمتاع بحياته.

وإن كانت سعادتي هي الثمن، فلا أرغب بإنشاء مشروع. ولا أرغب أن أحيا سعادةً بنسبة 30% على أمل أن تصل هذه النسبة إلى 100% بعد خمس أو عشر سنواتٍ. وبغضّ النظر عن أن هذه النسبة غير واقعية، لكنني أؤمن أن نفسي المستقبلية سوف تعود إلى ماكانت عليه، كفأرٍ يركض في نفس العجلة محاولًا إقناع نفسه بحاجته لخمس سنوات أخرى ليحصل على سعادته المثالية الوهمية.

كما سيتسبب إدمان العمل بحجب رؤيتك عن الأمور المهمة، حيثُ لن تملك الوقت للتفكير وسوف يكون عملك لأجل العمل نفسه. وبلا نظامٍ مناسب ولا توقفاتٍ منتظمة للتحقق من وجهتك، ستدور العجلة سريعًا ملقيةً إياك وضاربةً بك عرض الحائط.

وأعلم أنه في بعض الأحيان قد تتملكك الحماسة تجاه أمرٍ لا يبدو إنه عملًا، لكن تلك الحماسة لا تستمرّ طويلًا. فإنك سوف تعمل في نهاية الأمر على تلك المهام المملة من مشروعك. وبمجرد أن تتلاشى هذه الحماسة، فإما أن تتوقف عن العمل أو تُغمض عينيك وتضغط دواسة الوقود متحولًا لمسخٍ مدمنٍ على العمل.

فالحياة بالرغم من ذلك ليست سهلةً، وليس باستطاعتك تحقيق إنجازاتٍ وأنت مستريحٌ مسترخٍ. وفي بعض الأحيان لا يكون أمامك خيارٌ سوى العملَ بجدٍّ لأيامٍ وأسابيعَ وأشهر. وتبدأ المشكلة حين تجهل متى ترفع قدمك عن دواسة الوقود تلك، لتنظر حولك مستكشفًا وجهتك، ولتتحقق ما إذا كان يجدر بك العودة وتغيير الوجهة.

إذا فلنلخّص الفكرة سويًا، لدى المسوّف قرد الإشباع الفوري (1) الراغب بالمكافآت الفورية ليحظى بالمتعة وليعيش اللحظة دون أن يأبه بالمستقبل. ولدى مدمن العمل وحش الهلع (2) مَن يضحّي بكل شيء ويعمل بجدٍّ اليوم راغبًا بغدٍ سعيد.

وإجابة سؤالِ: «كيف يمكنك تحقيق أحلامك دون أن تُسلَب سعادتَك؟» هي نفس الإجابة لهذا السؤال: «متى يتسنّى لقرد الإشباع الفوري لقاء وحش الهلع؟» إذ أنك بحاجةٍ لكليهما. ولا يقلّ القردُ أهميةً عن الوحش، حيث سنتطرّق لذلك في فصل «المسوّف المنجز»، في حين سنحاول في بقية الفصول إيجاد نقطةِ تلاقٍ حيث أن الهدف من هذا الكتاب ليس لجعلك منجزًا فحسب، بل لجعلك منجزًا وسعيدًا.

1,2: عُرِض المنشور في الأصل على مدونة Tim Urban

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *