لماذا تركتُ وسائل التواصل الاجتماعي

ترجمة بتصرف لمقال:(Why I Quit Social Media by personal growth)

ترجمة: أوصاف الفيصل

تدقيق: شيمة البقمي

المراجعة اللغوية: ياسمين السعدي

يسألني الناس لماذا أكتب؟  والإجابة الصادقة: هي أني لا أعرف شيئا آخر لفعله؛ فهي ما أقوم به منذ عشر سنين بالفعل وهي وسيلة كسبي للمال، كما لا تعجبني فكرة البدء بمهنة جديدة (وأُفضل دومًا تجنب المجهود المصحوب بالمخاطرة والذي تكون عائداته  قليلة)

وهذا لا يعني أن كتاباتي عظيمة، إلا أنها أفضل -وأكثر ربحية- من موسيقاي، ولكن بنفس الطريقة التي يمكن لسيارة (مازدا) أن تسبق سيارة (هيونداي) على مسافة ربع ميل.

أول شخص أخبرني أن كتاباتي لم تكن جيدة -بغض النظرعن التعليقات السلبية على الإنترنت- كان شخصًا قريبًا جدًا مني وكان جرحًا عميقًا جداً؛ لذا توقفت عن الكتابة، وذلك لأن فكرة القيام بأمرٍ يُبعد عني شخصًا قريبًا هو مصيرٌ أسوأ من ألف جلدة، وعندما غادر هذا الشخص حياتي عُدتُ للكتابة مجددًا بل أكثر مما كنتُ سابقًا.

بدأت بصب كل أفكاري على الورق، فكتبتُ عن الوحوش التي تخيفني -و كأفضل الوحوش الموجودة في معظم أفلام الإثارة- فإن أكثر الوحوش التي أخشاها هي الشياطين التي تستحوذ عليّ. وتمكنتُ -بعد الكثير من الكلمات المسكوبة والأفكار الشاردة- من التوصل إلى استنتاجٍ مزعجٍ: وهو أن لديّ مرض وأني في حالة يرثى لها، وبعدها نظرت إلى المرآة، وأدركتُ -وبمفرداتٍ غير دقيقة ومشكوكٍ بها- أنني السبب فيما أشعر به، وأفترض أن هذا المقال عبارةٌ عن تكفيرٍ أو إصلاحٍ أو اعترافٍ على أقلِّ تقدير، وأيًا كان الهدف من المقال فهذا كلُ ما لدي، وكما قلتُ سابقًا: “لا أعرف شيئا آخر لفعله”.

قلت كل هذا؛ لِأتحدث عن وسائل التواصل الاجتماعي.

لقد أحسست بالحاجة لأن أكون مسموعًا ومرئيًا، وشعرت بأنها كانت مشاعرًا أبديةً؛ فأرويت -لمدة طويلة- عطش هذا الشعور بتفاعلي المستمر على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد نشرتُ (٢٠) ألف مشاركة في (فيسبوك)، وغردت (٥٠) ألف تغريدة على (تويتر). فعلت كل هذا؛ لأنني كنتُ وحيداً، بالإضافة إلى أن فكرة التحدث إلى الناس في الحياة الواقعية كانت تخيفني؛ بسبب عدم قدرتي على التحكم أو التعديل على نفسي بالطريقة نفسها على شاشة جهازي، حيث إنه يمكنني من خلف الشاشة أن أكون  ذكيًا، ومثيرًا للاهتمام، ومحبوبًا، وعاشقًا، ومحسودًا، ومُقدرًا دائماً. كنت أشارك الكثير عن نفسي -خاصةً الجوانب الخاطئة منها- ثم فقدتُ بعد ذلك الإحساس الفعلي بذاتي، وشعرتُ بالوحدة؛ لأنني أدركت أن شخصيتي الحقيقية قد تلاشت، وهربت إلى أعماقٍ غير معروفةٍ، ولا يمكن الوصول إليها، حتى أنني لم أستطيع تذكر حياتي قبل أن أبدأ بتصفيتها عبر عدسات تحديثات الحالة.

ولهذا، بنيتُ رغبةً مُلحةً بإعادة الاتصال مع الذات، وبأن أكون أكثر قربًا وحميميةً مع المقربين مني، فاتخذت قرارًا في أواخر العام الماضي بالتوقف عن النشر في (فيسبوك)، و(تويتر)، ولقد فعلت ذلك بالفعل منذ الأول من يناير. بدلًا من ذلك، قضيت عام  (٢٠١٨) في العمل على أن أصبح أكثر اطمئنانًا في الطريقة التي أتواصل فيها مع الآخرين، والكتابة عن ذلك هنا في ميديم (Medium) [منصة تدوين مجانية يمكنك استخدامها بتسجيل دخولك فيها بواسطة حسابك في (تويتر)] وهذا يسيرعلى ما يرام.

وفي الوقت نفسه، نحن نكتشف الآن أن التلعيب في وسائل التواصل الاجتماعي: كالإعجابات، والتعليقات، والقلوب، والتصفيق، والأصدقاء، والمتابعين؛ يجعله أمرًا إدمانيًا خطيرًا، كما يدمر التكوين المجتمعي؛ وهذا هو السبب وراء تشابه حسابات الجميع على (Instagram)، والسبب أيضًا وراء زيارة الناس لجدران المطاعم بدلاً من المطاعم نفسها. أصبحنا مُزَوَّرين، ومُتَجَانسين، ومُبَدَلين، ومُعَدَلين (فوتوشوب)، وأصبحنا ننشر صورًا على (Instagram) مُقربة لذواتنا المثالية، واستخدمنا أسماءنا و صورنا الحقيقية كصورٍ رمزية لقيمة جمالية معينة، كما أصبحنا أفلامًا لتسليط الضوء على الإنسان وكلما (ازداد تسليط الضوء)، أصبحنا أُناسًا أفضل.

وهذا لا يُعد إيجادًا للجمال وسط الملل؛ إنما (عرضًا) لهذا الجمال، كما لا يُعد إيجادًا للفرح في الحياة اليومية؛ إنما (بثًا) لهذا الفرح.  فلا أحدَ سعيدٌ كما يُظهر، ولا أحدَ ناجحٌ كما في الخمس دقائق من ساعاتِ اليوم كلها التي يكون فيها في أحسن أحواله. وإن الصورة الملتقطة ذاتيًا (Selfie) الحاصلة على (٤٨٣) إعجابًا، والتي اُختيرت من بين (٦١) Selfie صُوِّرت خلال عشر دقائق، وتم تصفيتها بالمؤثرات والإضاءة المطلوبة ماهي إلا تثبيتٌ لآلة تفريغ الهواء. هذا ليس انعكاسًا لحياتهم، بل تزويرًا لها.

قوائم أصدقائنا وألبومات الصور والروابط التي نتشاركها مع الآخرين كلها مُنتقاةٌ بعناية؛ لتمثلنا وتُظهرنا بأننا أشخاصٌ مرغوبٌ بهم، و جديرون بالمحبة، والأكثر صدقًا. تجاه أنفسنا(TM)، إلا في حالة نشرنا لتلك الصورة النادرة والصادقة لأنفسنا! بالأبيضِ والأسود من خلف الستار مع إضافة تعليق نوضح فيه مزايا تقبل النقد – حتى وإن كانت هذه الصور والمشاركات معدلةً ومُصفّاةً بطريقةٍ مبالغٍ بها- لإعطائها بريقا بسيطا يعكس الصرامة والجدية التي نود أن تُؤخذ عنا.

ولقد تركَنا -جميعًا- هذا الهوسُ في المشاركةِ، والتحكم (بإمبراطورياتنا) الصغيرة في “سوق مشاركة المحتوى الضخم” (TM) مُفقترين لأرواحنا، مُنصاعين للأنا التي بداخلنا، ومتوقفين عن تنمية أنفسنا، و مهووسين بصورتنا. إن هذا مرضٌ وافتقارٌ للأخلاق الحسنة، حيث جعلنا مخلوقاتٍ فقدت الاهتمامَ بما حولها من أشخاصٍ، وأشياء، أو أنها تتظاهر بالاهتمامِ بهم..

نحن نعرض الوقائعَ بينما تختفي الحقيقة. إننا شرهون لجذب الاهتمام، ولكن كل مانحتاج إليه حقا هو الحب. راقبت مشاعري تجاه هذا الأمر، وتساءلتُ عن القصص التي يحاول الناس قولها للعالم عن أنفسهم، وما هي الصور التي نحاول تلوينها؟ ولكن الأهم هو أنني أتساءل لماذا نشعر بأننا نحتاج إلى تلوين تلك الصورة من الأساس؟ إنها مِثلُ أداءٍ فني، ولكن بدون الفن. كما راقبت أمراضي أنا، وأعتقد أنه من الممكن أننا نفعل ذلك لنشعر بأننا أقلّ وحدةً وأكثر أهمية.

حياتنا معزولة؛ لذا لا يمكن لأحدٍ أن يعرف النسخة الحقيقية من شخصيتنا -وهي النسخة الظاهرة على مدى (٢٤) ساعةً وعلى مدار أيام الأسبوع- ومع هذا فإن المحتوى الثابت الذي من المفترض أن يقربنا من الآخرين؛ هو في الحقيقةِ يبعدنا أكثر عنهم. حياتنا زائلة وكل شيء يبدو أكثرَ أهميةً مما هو عليه حقا، كما أنها صغيرةً وعشوائية، مثل: النحل، أو أسماك القرش. وما زلنا نُقنع أنفسنا -من خلال إحساسنا المتوهم- بقيمتنا وذاتنا وطموحاتنا؛ بأن حياتَنا لها قيمةٌ ضخمة، وتستحق الاستعراض بها، والكتابةَ عنها في مقالاتِ الصحف.

ومع هذا الاعتقاد الكاذب في استثنائياتنا، فإننا نُغرق أنفسنا في بحر من التشابه والرتابة؛ ليصبح فجأةً من المستحيل قياسُ ما هو كبير حقًا عما هو صغير حقًا، وأصبحت الحياة العادية والبسيطة مُتنكرة  بلباسٍ شبه فنيّ مزخرف كمُخطط فين (Venn) (مخطط فين: هو صورة تستعمل في نظرية المجموعات؛ لتبيين العلاقات الرياضية أو المنطقية لمجموعة من الأشياء أو المفاهيم)، وذلك بين الماركات والناس الذين استمروا في فقدان الوضوح والتداخل. إننا نحاولُ أن نكون أقل وحدةٍ وذوي قيمةٍ؛ بخلْقنا لعاداتٍ متذبذبة، ولكنّ مايجب علينا حقا فعله هو أن نصبحَ أكثر أمانًا مع أنفسنا ومع علاقاتنا الحالية.

 

وعلينا، لنصبحَ آمنين في أنفسنا وعِلاقاتنا، أن نبدأ ببساطةٍ بإدراك محيطنا. أين أنت؟ ومن معك؟ وما هو شعورك؟ وكيف تشعر حيالهم؟ وماذا تريد أن تفعل؟ لاحظ هذه الأمور واستوعبها؛ فهذا عكس فتح أجهزتنا على تطبيقاتٍ نقوم من خلالها بتصفية حياتنا التي اعتدنا أن نراها بأعيننا، ومعالجتها – في قلوبنا- تصفيةً كاملة، وحذفها، وتعديلها، والانصرافُ عنها.

يمكنك ملاحظة انحرافنا انحرافًا كبيرًا عن الوعي بالطريقة التي كنا نتحدث بها عنه. ففي مرحلةٍ ما، توقفنا عن إخبار الناس بأن يقولوا “شكرا لك” وبدأنا إخبارهم بأن  “يمارسوا الامتنان”، كما توقفنا عن إخبار الناس بأن “يصمتوا” وبدأنا إخبارهم بأن “يمارسوا اليقظة الذهنية”. لقد أصبحنا في عجلةٍ لجعل الوعي أمرًا يُتطلب العمل عليه أكثر مما كان سابقًا، ولكننا لسنا بحاجة للقيام بذلك -يمكننا فقط أن نكون كما نحن. كن ملاحِظًا للناس وحاضرًا معهم، اطرح عليهم أسئلةً متتابعةً وتبادل معهم الأفكار أيضًا، وقم بذلك لنفسك أيضًا! ولاحظ كيف  ستشعر، كن مدركًا لنفسك، وراقب حالك، وجِد حلولاً لمشاكلك- هذا هو الوعي بل هو الطريق لإيجاد الحقيقة والسلام. كما أنه أسرع طريقٍ للهروب من عجلة الحياة المكررة في وسم #living_my_best_life .

فعندما نستعيد الوعي، فهل يمكننا الوثوق بما نراه؟ وعندما نثق في ما نراه، فهل يمكن أن نصبح آمنين في أنفسنا وعلاقاتنا؟ وعندما نشعر بالأمان، فهل يمكن لحبٍ صحيٍ ذي معنى أن يزدهر حقًا ويتلاشى شعورنا بالوحدة!

قد أكون أتحسرُ على الوعي وكأنه تقنية مندثرة، أو ربما اعتقدُ فقط بأن الواقع الآن أصبح أكثر زوالاً، ووِحدةً ولا يتطلب الاهتمام به بعد الآن، كما أني لا أعرفُ الكثير عن خفايا ما يُشاهده العقل، ولا ما يُحرق القلب – الأمور التي أعيها هي الأمور التي أكتب عنها.

.  . .  

منذ أن تركتُ وسائل التواصل الاجتماعي، لاحظت أنني أقوم حقا بتنمية علاقاتٍ أعمقَ مع الأشخاص الذين أهتم بهم، وبدأت الاستماع إلى صوتٍ أكثرَ ليونةٍ و حلاوة في رأسي. لا تزال معظم كتاباتي سيئةً، إلا أنني أستمتع بكتابتها، ولا يهمني ما يحصل في منصات مشاركة المحتوى. كما أن الإبداعَ هو الجمال نفسه، والعملية هي الهدف، كما أنه لا يجب عل كل ماأقوم بهِ أن يكون منافسةً، ولامسابقةً للفوزِ، ولا حمولةَ شاحنةٍ من الإعجابات يجب تكسيدِها؛ ما هذه إلا قيمٌ غربية مُضَلِّلةٌ ومتخفيةٌ في الرأسماليةِ والهمجيةِ والتفاهة.

 

إن الطريقة الوحيدة للتغلبِ على مجموعةِ طلقاتِ البنادق المزدوجة من الوِحدةِ وعدم الاستقرار؛ هي بالبقاءِ بصحةٍ جيدة ، وبالقيام بالأمور التي تهمنا مع أشخاصٍ نحبهم، فهكذا نعيش حياةً كاملةً، (وإن كانت صغيرةً جدًا)، ويبدأُ كلُ شيءٍ بالوعي -ومن هناك- ينفتحُ العالَم لنا.

 

أهدافي الوحيدة في الحياة هي رؤيةُ الشمس كثيرًا وشرب قهوتي السوداء أثناء ظهورها، كما أن سعادتي ليست سعادةً  مادية، فلا أستطيعُ الحصولَ عليها أو تحقيقها؛ لأنها ليست حصرية لي فقط، وأن أقضِيَ وقتي في الكتابة فهي جزء من طريقتي في التواصلِ مع الآخرين تواصلاً عميقًا، وستعيشُ كلماتي لفترةٍ طويلةٍ بعد وفاتي؛ وذلك لأن الإنترنت أبدي، وأفترض أن هذه هي الطريقة التي سأُحقق بها نسخةً مبتذلةً من الخلود.

 

سأعود -على الأرجح- إلى وسائل التواصل الاجتماعي في عام (٢٠١٩)، وبطبيعة ما أقومُ به فلن أُعطِّلَ حساباتي الإلكترونية كليا، ولكنني أتعهد بأن تَتَبُع معلوماتي لن يُصبح إرثيًا –في حين علاقتي ستصبح كذلك. لا حاجةَ لأن أكون ذكيًا، أو مثيرًا للاهتمام، أو محبوبًا، أو مُعجبًا به، أو محسودًا، أو مُحترمًا، أومُشاهَدًا، أو مسموعًا دومًا. إنما عليّ -ببساطةٍ- أن أكون أنا، خارج الشبكة وآمِنًا، وأن أُشارك أكثر بنشرٍ أقل، وأن أكون جسدًا بدلاً من ماركة، وأن أكتبَ أكثر. كما أنني لست فيلمًا يسلِّطُ الضوءَ على الإنسان – بل أنا مجردُ إنسان، و يا إلهي .. إنني أعتزم أن أبقى إنسانًا؛ فأنا “لا أعرف شيئا آخر لفعله”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *