أين ذهب طموحي؟

ترجمة بتصّف لمقال: (Where Did My Ambition Go?)

أصبح الدافع إلى النجاح دافعًا فقط للمرور به. لماذا صار الطموح المهني يتأرجح في هذه المعمعة اللانهائية؟

الكاتبة: Maris Kreizman
ترجمة: أفنان الزومان-@Afnanoo
تدقيق ومراجعة: أروى الغانم
مراجعة نهائية: زينب محمد

لطالما كانت لدي أحلام متوسطة الحجم لحياتي المهنية. كنت أرغب أن أكون جيدة في شيء ما واكتسب خبرة به؛ أردت أن أنجز وأن أكون منتجة وأكسب أجرًا معيشيًا. أردت أن أكون جزءًا من شيء ما، وخلال ٢٠ عامًا من حياتي العملية، كنت جزءًا من أشكال متعددة في الثقافة الوظيفية،ونحلة عاملة في الشركات، ورائدة أعمال مؤثرة، ومستقلة، والآن العائمة. أعرف جميع أوجه القصور في الكتابة عن الطريقة التي يشعر بها العالم الآن، فالتاريخ يعيد نفسه. أيضًا هذه ستمر؛ ليس كل شيء كئيب وكارثي، لكن هذا التحول الحالي يبدو عميقًا، إنه تحول بالفعل عميق. والآن، في الوقت الحاضر وفي الوقت الذي تسبب الوباء في الكثير من الشك بشأن مستقبل العديد من الصناعات، أصبح الطموح المهني طاقة في غير محلها، (مثل: فائدة القلق المزمن في تحقيق النجاح).

منذ أن بدأت جائحة الفيروس التاجي «كورونا» في مارس، والذي أدّى إلى توقف الحياة التي نعهدها، أكثر من ٤٠مليون أمريكي أصبحوا عاطلين عن العمل، ودُمرت العديد من الصناعات. أنا كاتبة ومحررة ولا يمكنني أن أتخيل عالمًا يمكّنني من الحصول على وظيفة بدوام كامل في أي وقت قريب. مجرد الشعور بالحصول عليها يبدو وكأنه إنجاز. لقد تسبب الوباء في عرقلة طموحاتي حتى المتوسط منها، وهناك مشاكل أسوأ ولها تبعاتها، منها حسابات ضخمة ومتأخرة منذ قرون يجري تعويضها بشأن الهياكل المؤسسية المعيبة التي أبقت الكثير من الناس بمعنويات منخفضة لوقت طويل. وبمشاهدة العديد من كتاب وزملاء سابقين أُعجب بهم يقدّمون قصص صعبة جديدة للتمييز العنصري، أصبح من الصعب الشعور بالتفاؤل تجاه صناعة كانت على مدى طويل متوافقة مع الأوضاع الراهنة، ومن بين التغييرات الهائلة التي يجب إجراؤها، بدت أحلامي حقًا تافهة، ومع ذلك فهي لاتزال أحلامي.

أين يذهب الطموح عندما تختفي الوظائف وتصبح الأشياء التي كنت تسعى إليها بالكاد موجودة؟ وماذا لو لم تعد الأشياء التي كنت تسعى من أجلها ذات أهمية؛ لأنها غنائم لنظام فاسد يحتاج إلى إصلاح شامل؟

ما زلت أرغب في الإنتاج والحصول على مال مقابل ذلك، إنه شرّ لا بد منه طالما أننا نعيش في الرأسمالية، ولكن يبدو أن فرصنا تتقلص، والعالم يصبح أصغر قليلًا في كل مرة، وطموحاتنا يجب أن تصغر مرة بعد مرة.

. . .

منذ ما يقرب ٢٠ عامًا وعندما بدأت عملي في نشر الكتب، بدأ مسار طموحي واضحًا. أردت أن أكون محررة،كان الطريق في مطلع الألفية واضحًا؛ إن عملت بجد بما فيه الكفاية، يمكنني التقدم في المستويات من موظفي الدعم، إلى الإدارة كما لو كنت ألعب لعبة فيديو، و أتخطى طريقي إلى الوسط إن لم يكن إلى القمة. الفتيات الجيدات اللاتي عرفتهن، لم يحصلن على مكتب الزاوية، ولكن إذا تقدمنا بجهد كاف، فيمكننا الحصول على مكتب بطريق أو بآخر وهذا كان كل ما أريده.

لقد حظيت بامتياز كبير لاعتقادي بوجود مسار مباشر وأنه يمكنني اتباعه إذا اخترت ذلك. ذهبت إلى كلية جيدة وحصلت على درجات ممتازة وعُلّمت أن أعتقد أنه بعد بضع سنوات الإهانات التي أتعرض لها بصفتي مساعدة، سيكون نجاحي مستحقًا. أما مهنة نشر الكتب التي تعلمتها في مقرر ما بعد التخرج والذي كان من المفترض أن يوجهني إلى هذا العالم الغامض والساحر في النهاية، حفزتني على بدء التدريب.

لم تكن هناك طريقة للتعرف على الصناعة دون الجلوس في وسطها والملاحظة: القيام بأعمال السكرتارية، ومشاهدة المحررين الأكثر خبرة يتخذون القرارات، بهدف أن تصبح أحد هؤلاء المحررين في يوم من الأيام. لكنني لم أقم أبدًا بالقدر الكافي لجني فوائد تلك الأعمال الاعتيادية.

لم يستغرق الأمر سوى بضع سنوات من العمل في المكتب؛ لإدراك أن فكرة الجدارة كذبة والشيء الوحيد الذي يضمنه العمل الجاد هو العمل الإضافي بدون أجر وليس النجاح. كانت هناك ببساطة العديد من المشاكل الهيكلية العنصرية المتأصلة، والرجعية، ونماذج الأعمال الخاطئة،كان هناك الكثير من عدم المساواة بين المرؤوسين والرؤساء، كما هو الحال عندما توقفت الصناعة في أغسطس حيث كان الرؤساء في أبيات الإجازات والمرؤوسين يفكّرون في إيجار غرفة في شقة مع ثلاثة مؤجرين. كان هناك الكثير من كراهية النساء الجامحة، حيث كان التحرش الجنسي عادة مرّ بها أجيال من المساعدين، لتعزيز خيبة الأمل. وكل الأشياء التي كانت صحيحة في ذلك الوقت، لا تزال صحيحة حتى اليوم.

ومن بين التغييرات الهائلة التي يجب إجراؤها، بدت أحلامي حقًا تافهة، ومع ذلك فهي ما تزال أحلامي.

 أصبح المسار في غضون ذلك طويلًا و متعرجًا في عصر اندماج الشركات. ذهب مكتب الزاوية، حتى مكتبي الأكثر تواضعًا لم يكن موجودًا. في بادئ الأمر، كان حجيرة ثم أصبح في النهاية منضدة عمل جماعية. كنت على يقين أنه يجب أن تكون هناك طريقة أخرى.

وقيل لنا بعد انهيار الاقتصاد في عام ٢٠٠٨، أن نبتعد عن المسار تمامًا، وأن نفكر خارج الصندوق ولكن ما زلنا داخل النظام، ولم يعد الطموح مقيدًا بهياكل السلطة التقليدية. لا تدع نفسك تتعرف على الدور الذي تلعبه في شركة شخص آخر؛ قم بإنشاء دور جديد في شركتك أنت. سمحت لنا وسائل التواصل الاجتماعي بإظهار هوياتنا الخاصة عبر الإنترنت، وسرعان ما أصبحنا جميعًا مدراء علاماتنا التجارية الخاصة؛كان علينا أن نستثمر علاماتنا التجارية. بدأنا في سماع صفة «ريادة الأعمال» طوال الوقت لوصف ما يجب أن تكون عليه أهدافنا. حتى أولئك الذين أرادوا فقط أن ينتجوا، والذين لم يهتموا كثيرًا بإدارة جانب ريادة الأعمال.

لقد كان عصر ما بعد الركود للشركات الناشئة عندما كان بإمكان أي شخص لديه فكرة مثيرة للاهتمام أو شغف بالتصميم الأنيق. وأخيرًا وليس آخرًا، الوصول غير المقيد إلى رأس المال الاستثماري، أن يبدأ نشاطًا تجاريًا. لم يكن المؤسسين قلقين بشأن استدامة هذه الأعمال و افترضوا أن النمو سيستمر عامًا بعد عام إلى الأبد، وهو مفهوم أود أن أشير إليه الآن باسم خطة عمل المؤسسين. إنها تعمل دائمًا حتى تتوقف عن ذلك.كان الطموح في هذه الشركات الناشئة ذو شقين: المؤمنون الحقيقيون الذين يعتقدون أنه لا يمكنهم فقط كسب المال؛ بل يمكنهم تغيير العالم. كان هناك عنصر أخلاقي في الريادة الرأسمالية، كما لو أن بيع الأشياء عبر علامة وطريقة جديدة سيكون له بالغ الأثر على البشرية. فكرة أن فعل الخير وكسب المال يمكن أن تسير جنبًا إلى جنب.

بين عامي ٢٠٠٨ و ٢٠١٧، عملت في عدد من شركات النشر المجاورة. والأسوأ من ذلك، شركات ذات أقسام متعددة يتصرفون مثل الشركات الناشئة والتي كانت مجرد طريقة لفرض ساعات دوام أطول ومواعيد تسليم أسرع. تركت المجال تمامًا في عام ٢٠١٧ عندما تزوجت وتمكنت من الاستفادة من التأمين الصحي لزوجي ولم أعد بحاجة وقتها إلى وظيفة بدوام كامل للحصول على التأمين الطبي. لقد كنت حرة في الاستمتاع بالنعيم والرهان عليّ، وأعمل بنحو حر بدوام كامل مع بقاء فكرة أنه يمكنني دائمًا العودة والحصول على وظيفة أكثر استقرارًا في وقت لاحق.كانت لدي فكرة عبقرية لترك المهن في تخصص النشر والكتب الورقية للكتابة في المنشورات الرقمية، حتى عندما قُطعت تغطية الكتب في معظم المنافذ وبدأت معدلات الأجور في التناقص.

بعد بضع سنوات من العمل الحر و والشعور بالكثير من الإحباطات، ولكن أيضًا بعض الرضا الشخصي منها، عثرت على وظيفة أحلامي: كنت محررة الكتب والثقافة لمجلة ذكية ذات ميول يسارية. لقد وظّفت كُتابًا عظماء، وخططت إلى تغطية الكتب بطرق شعرت أنها مفيدة ومثيرة بالنسبة لي. لقد كنت راضية على الصعيدين الإبداعي والمهني، ولكن بعد ثلاثة أشهر من العمل انهارت المجلة عندما انسحب داعمها المالي وترك عشرات الصحفيين الموهوبين عاطلين عن العمل. تعلمت من ذلك أنه لا يمكن الوثوق ب «المليارديرات الخيرين» الذين يمتلكون مشاريع للحيوانات الأليفة في تعزيز مسيرة الشخص المهنية.

 ما يزال طموحي الشخصي ينمو بداخلي، لكن الطريق إلى الأمام أصبح أقل وضوحًا من أي وقت مضى.

أنا محظوظة لأني لست موظفة أساسية وليس لدي أطفال أقلق بشأن تغذيتهم، ولدي زوج لديه وظيفة نقابية جيدة ويستمتع بالطهي لي. أين يذهب طموحي الآن؟ لقد توقفت المطاعم الاحتياطية ووظائف التدريس التي كنت أخطط لها في حال لم أعد أستطع الحصول على وظيفة حرة في وسائل الإعلام. لقد تأملت عدة مرات لدرجة أنني شعرت بأني أسير في دائرة مفرغة، وكنت أشاهد عقودي في الصناعات لسنوات، ولكن هذا الوباء قتل احتمالية الأشياء الممكنة، ولحظات النور في الظلام للعثور على منصب أستطيع القيام فيه بعمل جيد. وما يزال طموحي الشخصي ينمو بداخلي، لكن الطريق إلى الأمام أصبح أقل وضوحًا من أي وقت مضى.

أصبح طموحي في الوقت نفسه تجاه مجتمعي والعالم كليًا أكبر وأوسع. لا أعرف بالضبط مكاني المناسب فيه، لكنني أعرف أنني أريد أن يُعامل جميع الموظفين بكرامة واحترام؛ إنه طلب صغير ومتواضع يتطلب قدرًا لا ينتهي من العمل. كما أريد أن يُعامل جميع الأشخاص غير القادرين على العمل أو غير القادرين على إيجاد عمل بكرامة واحترام أيضًا. أريد أن أصبح أكثر نشاطًا في التنظيم، وأريد أن أكون مرجعًا لأولئك الذين يبحثون عن إرشادات في حياتهم المهنية (على الأقل أثناء عيشنا في ظل الرأسمالية) وأريد جني ما يكفي من المال، لأتمكن من التبرع بجزء منه لمشاكل العالم. قد تتقلص أحلامي متوسطة الحجم، لكن طموحاتي للعالم الواسع يجب أن تكون عظيمة. إنها الطريقة الوحيدة للتغلب على هذا الوضع.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *