ما الذي يميز المدير التنفيذي الناجح؟

ترجمة بتصرف لمقال ( What Sets Successful CEOs Apar by:Elena Botelho, kim Powell, Stephen Kincaid and Dina Wang)

 

ترجمة: نورهان فتحي
تدقيق: داليا شافعي

مراجعة: أسماء الأنديجاني

 

يعد منصب المدير التنفيذي من أصعب المناصب. فوفقًا لمؤسسة كونفرانس بورد (Conference Board) فقد أُجبر على الاستقالة حوالي ربع المديرين التنفيذيين الذين ذكروا في القائمة السنوية لمجلة (Fortune 500) من عام 2000 إلى عام 2013، مما ترتب عليه آثار وخيمة. حيث أظهرت دراسة أجرتها برايس ووترهاس كوبر (4 PwC) في 2014 في أكبر 2500 شركة حول العالم أن الإقالة الإجبارية للموظفين على المستويات الإدارية العليا يكلف المساهمين خسارة تقدر بنحو 112 مليار دولار من قيمة الشركة بالسوق سنويًا. وهذه الأرقام لا تشجع الرؤساء الذين لديهم مهمة صعبة لتعيين المديرين التنفيذيين وترهق أي قائد يطمح في الوصول لمنصبٍ عالٍ. ومن الواضح أن العديد من القادة والمجالس التنفيذية فهموا الأمر على نحو خاطئ. والسؤال هنا: ما هو هذا الأمر؟

خلال أكثر من عشرين عامًا قمنا فيها بتوعية المجالس والمستثمرين والمديرين التنفيذيين أنفسهم حول عمليات تغيير المدير التنفيذي؛ وجدنا فصلًا تامًا بين ما تفكر فيه المجالس حول المدير التنفيذي المثالي وبين ما يؤدي فعليًا إلى الأداء العالي.

يأتي هذا الانفصال من صورة غير واقعية ونمطية منتشرة تم تشكيلها بشكل كبير عبر السير الذاتية لقائمة القادة بمجلة (fortune 500). فهي تصور المدير التنفيذي الناجح بأنه رجلًا ذو بشرة بيضاء يبلغ طوله مائة واثنين وثمانين سنتيمتر (182 سم) وذو شخصية كاريزمية «قيادية» حاصل على شهادة من جامعة مرموقة ولديه رؤية استراتيجية حالمة ومسار وظيفي متقدم إلى حد كبير، كما أن لديه القدرة على اتخاذ القرارات السليمة تحت الضغط.

ولكننا تفاجأنا بضآلة عدد القادة الناجحين الذين يناسبون هذه المواصفات. وقد قادنا هذا الإدراك إلى عمل دراسة استمرت لعشر سنوات سميت بـ«مشروع جينوم المدير التنفيذي» (CEO Genome Project). يهدف المشروع إلى تحديد السمات التي تميز المديرين التنفيذيين ذوي الأداء العالي (ونعرفهم – وفقًا للمقابلات التيي أجريت مع أعضاء مجلس الإدارة ومع مستثمرين لديهم معرفة عميقة بأداء المديرين التنفيذيين- بالمديرين الذين يحققون أو يتجاوزون التوقعات لهذا المنصب.) وقد شارك اقتصاديون من جامعة شيكاغو (University of Chicago) وكلية الأعمال في كوبنهاغن (Copenhagen Business School) ومحللون من مؤسسة ساس (SAS Inc). وهي شركة استشارات قيادية تحتوى على أكثر من سبعة عشر ألف تقييم للرؤساء ذوي المناصب العالية بينهم ألفَي مدير تنفيذي. تحتوي قاعدة البيانات هذه معلومات دقيقة عن كل قائد، من تاريخه الوظيفي ونتائج أعماله ومسار سلوكه. وقد بحثنا في هذه المعلومات عن ما يفرّق بين المرشحين الذين تم توظيفهم كمديرين تنفيذيين والذين لم يتم تعيينهم، وبين الذين تفوقوا في هذا المنصب والذين كانوا أقل من المستوى المطلوب.

وقد عارضت نتائج البحث العديد من الافتراضات الراسخة،فأظهر تحليلنا على سبيل المثال إنه على الرغم من انجذاب مجالس الإدارة عادة إلى الشخصيات المنفتحة التي تمتلك الكاريزما، إلا أن الشخصيات الانطوائية كانت أقرب لتجاوز توقعات مجالس الإدارة والمستثمرين. أدهشنا أيضًا ارتكاب كل المرشحين لمنصب مدير تنفيذي تقريبًا لأخطاء جوهرية في الماضي، وأن 45% منهم كان لديه على الأقل خطأً فادحًا أدى إلى إنهاء وظيفته أو كلف عمله تكاليف مادية عالية. بالرغم مما سبق، فإن أكثر من 78% من هؤلاء المرشحين فازوا بمنصبٍ عالٍ ،بالإضافة إلى ذلك، وجدنا أن امتلاك خلفية تعليمية (أو الافتقار إليها) لا علاقة له بأداء المرشح في المنصب. فهناك 7% فقط من المديرين التنفيذيين ذوي الأداء العالي الذين شملتهم الدراسة قد أتموا دراستهم في إحدى جامعات رابطة آيفي (Ivy League) و8% منهم لم يحصلوا على شهادة جامعية على الإطلاق.

كما لا توجد مقارنة بين المواصفات التي تتطلع إليها مجالس الإدارة في المرشحين أثناء المقابلات مع تلك التي تساعد القادة في تحسين الأداء. فعلى سبيل المثال، تُضاعِف الثقة العالية من فرص المرشح لاختياره كمدير تنفيذي ولكن هذا لا يضمن جودة أدائه في العمل. بمعنى آخر لا توجد علاقة بين ما يجعل المرشح جيدًا فى نظر مجلس الإدارة والذي يجعله ناجحًا في هذا المنصب.

وعلى صعيد آخر، يعد اكتشافنا الأكثر أهمية هو ميل المديرين التنفيذيين الناجحين إلى إظهار أربع سلوكيات محددة تثبت جودة أدائهم. وعندما تعتمد المجالس على هذه السلوكيات في عمليات الاختيار والتطوير، يزيد ذلك من فرصة اختيارهم للمدير التنفيذي الصحيح بشكل كبير. وتشير أبحاثنا وخبراتنا إلى أن تطوير القادة الطامحين في منصب المدير التنفيذي -والذين شكلوا 87% من المديرين التنفيذيين وفقًا إلى استطلاع رأي لعام 2014 من كورن فيرى (Korn Ferry)- لهذه السلوكيات بشكل متعمد، يرفع من فرصتهم لكي يصبحوا من كبار المديرين التنفيذيين.

 

السلوكيات الأربعة

من النادر أن يتفوق القادة الناجحين في السلوكيات الأربعة كلها. وقد وجدنا رابطًا مثيرًا للاهتمام عند البحث في البيانات التي لدينا عن التصنيفات التي أعطاها الاستشاريون للمرشحين عند تقيمهم لمطابقة الأداء لوظيفة المدير التنفيذي من خلال ثلاثين مهارة من مهارات الكفاءة، مثل قدرة الأشخاص على تحمل المسئولية والقدرة على تحفيز الفريق، وجدنا رابطًا مثيرًا للاهتمام. فقد تميز ما يقرب من نصف المرشحين الأقوياء (الذين حصلوا على ‘A’ بشكل عام في مقياس كل من ‘B’,’A’, أو ‘C’) في أكثر من واحدة من السلوكيات الأربعة. بينما تميز 5% فقط من المرشحين الضعفاء (الذين حصلوا على B أو C) في هذه السلوكيات.

تبدو هذه السلوكيات بسيطة. ولكن التحلي بها باتساق يعتبر تحديًا كبيرًا أمام العديد من القادة، وهذا ما يسعى عملنا إلى توضيحه. 

1-اتخاذ القرار بسرعة وعن قناعة

 

 

تكثر الأقاويل حول المديرين التنفيذيين الذين يبدون دائمًا على معرفة تامة بكيفية قيادة شركاتهم إلى نجاح ساحق في مجال الأعمال .ولكننا اكتشفنا أن كبار المديرين التنفيذيين ذوي الأداء العالي لا يتخذون دائمًا قرارات جيدة، وبدلًا من ذلك فإنهم يكونون أكثر حسمًا حيث يتخذون القرارات مبكرًا وسريعًا وعن قناعة كبيرة. ويفعلون ذلك باستمرار حتى مع عدم توافر معلومات مكتملة وفي مجالات غير مألوفة. وفي قاعدة البيانات التي لدينا، تزيد احتمالية أن يصبح الأشخاص الذين تم وصفهم بـ«الحاسمين» مديرين تنفيذيين جيدين اثنى عشرة مرة أكثر من غيرهم.

«يدرك المديرون التنفيذيون الجيدون أن القرار الخاطئ أحيانًا أفضل من عدم وجود قرار على الإطلاق»

ومن المثير للاهتمام أن الذين ندربهم من المديرين التنفيذيين، ممن لديهم مستويات ذكاء مرتفعة وقد يتصفون بالذكاء الفائق، لديهم مشكلة في حسم القرارات. ربما تكون قراراتهم جيدة؛ بسبب سعيهم وراء الحل المثالي، إلا أنهم قد يستغرقون وقتًا طويلًا لتحديد أنسب خيار أو وضع أولويات واضحة، ممايجعل فرقهم تدفع ثمن هذا التأخير غاليًا. هؤلاء المديرون الأذكياء المتأخرون في اتخاذ القرار يضعون أنفسهم وفرقهم في مآزق. فيُحبِطون فِرَقهم (مما قد يؤدي إلى استنزاف المواهب القيمة) أو يصبحوا حذرين جدًا مما يعرقل المؤسسة بأكملها. لذلك لم يكن مفاجئًا عندما نظرنا عن كثب إلى المديرين التنفيذيين الذين لم يكونوا على المستوى المطلوب في حسم القرار، أن نجد 6% فقط حصلوا على علامات منخفضة لأنهم اتخذوا القرارات بشكل سريع جدًا. بينما سجلت الغالبية العظمى التي تشكل 94% علامات منخفضة لأنهم اتخذوا قرارت قليلة بشكل متأخر جدًا.

ويدرك المديرون التنفيذيون ذوو الأداء العالي أن القرار الخاطئ أحيانًا أفضل من عدم اتخاذ قرار على الإطلاق. ويقول ستيفن جورم (Stephen Gorman)، الرئيس التنفيذي السابق لشركة غريهوند (Greyhound) والذي قاد شركة الحافلات إلي تغيير بارز، «اتخاذ قرار سيئ أفضل من عدم وجود اتجاه يمشي الفريق نحوه. فيمكن التراجع عن معظم القرارات، ولكن عليك أن تتعلم اتخاذ القرار فى الوقت المناسب».

ويتفهم المديرون التنفيذيون الحاسمون أنهم لا يستطيعون الانتظار للحصول على المعلومات الكاملة من أجل اتخاذ القرار. ويقول جيرى بو (Jerry Bowe) الرئيس التنفيذي لمصنع في-جون (Vi-Jon) «بمجرد أن أعرف حل المشكلة بنسبة 65%، يجب عليّ اتخاذ قرار». ولكن يعمل هؤلاء المديرون بجد للحصول على وجهات نظر متعددة، حيثُ يستطلعون رأي مجموعة منتقاة من المستشارين الموثوق بهم والذين يمكن الاعتماد عليهم للحصول على آراء مدروسة وأحكامٍ سليمة.

على صعيد آخر، يُحفّز (بو) نفسه على اتخاذ القرارات بوضع الأمر في إطار محدد قائلًا: أسال نفسي سؤالين: الأول: ما التأثير إذا كان القرار خاطئًا؟ والثاني: ما هي الصعوبات التي ستواجهني إن لم أتخذ هذه الخطوة؟». ويقول (بو) أن هذا النهج يمنح أعضاء فريقه الثقة في حُكمهم على القرارات العملية -وهو أمر يعطي المدير التنفيذي الحرية للوصول إلى قرارات أقل ولكنها أكثر أهمية-.

وفي النهاية يعرف المدير التنفيذي الناجح متى عليه ألا يتخذ قرارًا أيضًا. حيثُ يشير المدير التنفيذي السابق لشركة سهم للإكترونيات (Arrow Electronics) ستيفن كوفمان (Stephen Kaufman) إلى سهولة اتخاذ الكثير من القرارات السريعة. لكنه ينصح بالتوقف قليلًا للنظر إن كان ينبغي اتخاذ قرار فعلًا لتسهيل المهمة أم أن تأخير القرار أسبوعًا أو شهرًا سيسمح بظهور معلومات مهمة دون إحداث ضرر لا يمكن إصلاحه.

وبمجرد اختيار المسار ينطلق المديرون التنفيذيون فيه دون تردد. حيث يوضح لنا آرت كولينز (Art Collins) الرئيس السابق والمدير التنفيذي لشركة مدترونيك (Medtronic) قائلًا: «سيفقد الموظفون والدوائر الرئيسية الأخرى ثقتهم سريعًا بالقادة الذين يترددون أو يتراجعون بعد اتخاذ قرارهم». والسؤال هنا: ماذا إن لم تأتِ القرارات بالنفع؟. تشير دراستنا إلى أن معظم أخطاء المديرين التنفيذين لا تشكل خطرًا؛ فقد وجدنا أن المدارء التنفيذيين الذين يفقدون أعمالهم لأنهم اتخذوا قرارات خاطئة يشكلون الثلث فقط. بينما يتم الإطاحة بالنسبة المتبقية لكونهم غير حاسمين

2-مشاركة الآخرين لفاعليّة أكبر

عندما يضع المديرون التنفيذيون مسارًا واضحًا للعمل، يجب أن يحصلوا على دعم موظفيهم والمساهمين الآخرين. ووجدنا أن المديرين الأقوياء يوازنون بين أولويات المساهمين والتركيز الشديد على تقديم نتائج عملية. يبدأ هؤلاء المديرون بتطوير الاستيعاب لاحتياجات المساهمين ودوافعهم ومن ثَمّ توجيه أداء أعضاء الفريق وتعاونه حول هدف لبناء شيء قيِّم. ووجدنا أيضًا في بياناتنا أن المديرين التنفيذيين الذين شاركوا المساهمين نتائجهم بشكل مفصّل كانوا أكثر نجاحًا بنسبة 75% في هذا المنصب.

هناك مديرون تنفيذيون يوفَقُون في مشاركة الآخرين في وضع الخطة وتنفيذ اتصالات منضبطة واستراتيجيات فعالة. لذلك توضح مادلين بيل (Madeline Bell) المدير التنفيذي لمستشفى الأطفال في فيلادلفيا ذلك قائلة: «مع أي قرار كبير أضع خطة عمل مع الأشخاص الرئيسيين الذين يريدون أن يكونوا على علم بهذه الخطة، وأحدّد أيضًا المعارضين واهتماماتهم ثم أفكر في كيفية استغلال طاقتهم المعارِضة لتصير شيئًا إيجابًيا. أوضح للناس أنهم مهمّون جدًا لهذه العملية وأنهم جزءٌ من النجاح. ولكن في نهاية الأمر يجب أن تكون على دراية بإنك مَن تطلب منهم ذلك وتتطلع إلى قبولهم بالأمر».

عند التواصل مع المساهمين، يدرك المديرين التنفيذيين من أمثال بيل كيفية تأثير مزاجهم ولغة الجسد على نتائج التواصل معهم. وعلى الرغم من كثرة ما كُتِبَ عن «العدوى العاطفية»، يُفاجأ المديرون التنفيذيون الجدد بالأخطاء غير المقصودة الناجمة عن كلمة أو لفتة طائشة. ويقول كوفمان: «تقرأ المنظمة كل تعليق وتعبير وجهيّ وتضخمه عشر مرات. فإذا كنت عابسًا خلال عرض يقدمه شخصٌ مّا لأن ظهرك يؤلمك، قد يعتقد الشخص أنه مطرود». لذلك فالاتزان شرطٌ وظيفي، حيث أبدى أكثر من ثلاثة أرباع المرشحين لمنصب المدير التنفيذي الأقوياء في العينة هدوءًا تحت الضغط.

ولا يستنزف المديرون التنفيذيون الذين يشاركون المساهمين طاقاتهم في كسب إعجابهم أو حماية فرقهم من القرارات الخاطئة. وفي الحقيقة، يظهر هذان السلوكان بشكل شائع في المديرين التنفيذيين ذوي الأداء المنخفض. فضلًا عن ذلك، يحصل المديرون التنفيذيون المهرة على دعم زملائهم بغرس الثقة لديهم بأنهم سيقودون الفريق إلى النجاح حتى لو يعنى ذلك اتخاذ خطوات غير مريحة أو غير شعبية. كما لا يتجنب المديرون التنفيذيون الدخول في صراع لأجل تحقيق أهداف العمل، في الواقع -من خلال الدراسة التي نقوم بها- تم تصنيف ثلثيّ المديرين التنفيذيين الذين تفوقوا في مشاركة المساهمين بصفتهم أقوياء في إدارة الصراعات، والقدرة على التعامل مع الآراء المعارضة تساعد المرشحين على التقدم في منصب المدير التنفيذي. وعند دراسة القادة الذين شاركوا المساهمين بشكل أسرع من المعتاد، كانت إحدى الصفات الظاهرة لديهم هو استعدادهم للمشاركة في الصراعات.

يتميز القادة الجيدون بالاستماع إلى رأي كل شخص عند مناقشة القضايا المطروحة، ولكنهم لا يقومون بعمل تصويت بينهم،فهم يجمعون وجهات النظر ويستمعون إليها ولكن لا يتخذون القرار بناءً على الموافقة عليه بالإجماع. ويقول كريستوف ويبر (Christophe Weber)، المدير التنفيذي لشركة تاكيدا (Takeda) للأدوية، «أن الموافقة على القرارات بالإجماع جيدة ولكنها بطيئة للغاية ومن الممكن أن ينتهي بك الأمر أحيانًا بعدم وجود رأي موحد». ولدى ويبر عادة؛ حيث يقوم بعمل اجتماعات غير منظمة مع حوالي 20 أو 30 شخصٍ من ذوي الإمكانيات العالية بالشركة قبل اتخاذ القرارات المهمة. ويهدف ويبر من هذه الاجتماعات إلى تحدي نفسه مقدِمًا منظورات جديدة ولكن دون أن يخلق وهم اتباعه للديمقراطية.

لكن هذا لا يعنى أن المديرين التنفيذيين ينبغي أن يتصرفوا كمستبدين. حيث نرى إجمالًا أن استمرار المديرين التنفيذيين المستبدين في هذا المنصب يرجع إلى أن الشركة ليس لديها خيار آخر سوى اللجوء إليهم للخروج من الأزمات التى تواجه العمل. ولذلك يتم أحيانًا عزل هؤلاء المديرين بعد حل الأزمات ووضع الأعمال في المسار الصحيح، فيفقدون دعم فرقهم أو أعضاء مجلس الإدارة الذين أرهقتهم الأضرار الجانبية لتصرفاتهم. وليس من قبيل المصادفة أن يكون المسار المهني للمديرين الناجحين سلسلة من مهمات محددة مربحة لمدة سنتين لثلاث سنوات، يتحدون خلالها الصعاب ثم ينتقلون إلى مهمة جديدة.

3- التأقلم المسبق

نحن لا نحتاج إلى التطلع بعيدًا بحثًا عن دليل لأهمية التأقلم مع بيئة سريعة التغير بالنسبة للعمل وللقادة. فنتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة خير دليل على ذلك. وتشير دراستنا إلى أن المديرين التنفيذيين الذين يتفوقون في التأقلم أكثر قربًا للنجاح بـ 6.7 مرة عن غيرهم. وتحدث إلينا المديرون التنفيذيون كثيرًا عن أهمية هذه المهارة. وعندما سُئل دومينيك بارتون (Dominic Barton)، المدير التنفيذي العالمي لشركة ماكينزى آند كومبانى (McKinsey & Company)، عما يفرق بين المديرين التنفيذيين الفعالين فذكر على الفور «الفرق هو التعامل مع المواقف الغير متوقعة. أنت كمدير تنفيذي تتواجه باستمرار مع مواقف غير موجودة في قواعد الأعمال. ومن الأفضل أن تكون على استعداد للتأقلم».

كما يدرك معظم المديرين التنفيذيين أنه ينبغي عليهم تقسيم تركيزهم بين منظورات قصيرة المدى ومتوسطة المدى وطويلة المدى. ولكن يقضي المديرون التنفيذيون القادرون على التأقلم معظم أوقاتهم -أي حوالي 50% من أوقاتهم- يفكرون في منظورات طويلة المدى. على عكس مديرين تنفيذيين آخرين يخصصون حوالي 30% من أوقاتهم للتفكير طويل المدى. ونعتقد أن التركيز طويل المدى يساعدهم، فهو يجعل المديرين التنفيذيين أكثر عرضة لاكتشاف الإشارات التي تَنمُّ عن وجود خلل في وقت مبكر. فالمديرون التنفيذيون ذوي القدرة العالية على التأقلم يلمون بسيل واسع من المعلومات بانتظام حيث يفحصون شبكات واسعة ومصادر متنوعة للبيانات، ويكتشفون أهمية المعلومات التي قد تبدو في البداية ليس لديها صلة بأعمالهم. ونتيجة لذلك، فإنهم يشعرون بالتغيير في وقت مبكر ويتخذون تحركات استراتيجية للاستفادة منها.

ويعرف المديرون التنفيذيون القادرون على التأقلم بأن النكسات جزءٌ لا يتجزأ من تغيير المسار وتصحيح الأخطاء، كما أنها فرص للتعلم والتطوير. في العينة التي لدينا، كان لدى المديرين التنفيذيين الذين اعتبروا النكسات فشلًا، فرصة أقل للنجاح بنسبة 50%. على صعيد آخر، يقدم المديرون التنفيذيون الناجحون مبررات واقعية غير مخزية عن أسباب تقصيرهم في العمل، وأين تم ذلك بإعطاء نماذج محددة عن كيفية تعديل نهجهم من أجل تحقيق أداء أفضل. وعلى نحو مماثل، يُرجح أن يصل المديرون التنفيذيون الطامحون الذين أظهروا هذا النوع من الأساليب إلى قمة الهرم الوظيفي -كما يطلق عليها ستانفورد كارول دويك (Stanford’s Carol Dweck) «عقلية النمو»-. حيث سجل حوالي 90% من أقوياء المديرين التنفيذيين المرشحين درجة عالية في التعامل مع النكسات.

4-الثقة في التسليم 

إن القدرة على إنتاجٍ موثوق فيه يعتبر من أقوى السلوكيات الأساسية الأربعة للمدير التنفيذي. في عينتنا، كان لدى المديرين التنفيذيين المرشحين الذين سجلوا درجة عالية من الثقة فرصة أكبر مرتين لتولي المنصب و15 مرة للنجاح فيه،لذلك تفضّل مجالس الإدارة والمستثمرون اليد الثابتة، ويثق الموظفون في القيادة التي يمكن التنبؤ بأفعالها.

وعلى صعيد آخر، يجهل القادة أهمية الثقة في عملهم. فـ سيمون (Simon) -وهو مسؤول تنفيذي ذو إمكانياتٍ عالية طُلب منا تدريبه- قد عُرِفَ كعاملِ معجزة في شركته. حيثُ استطاع زيادة الإيرادات بنسبة 150% في وقت كانت تعد الزيادة بنسبة 2% نصرًا. وعلى الرغم من بعض أخطاءه في الماضي إلّا أنّه أصبح الآن يدير أكبر وحدة تجارية لدى الشركة بنجاح، والتي تُعتبر الِوحدة الأساسية هناك .وعندما أبدى سيمون رغبته في الترقية من منصبه إلى منصب المدير التنفيذي، أعجب أعضاء مجلس الإدارة بأدائه الاستثنائي الأخير ولكنهم لم يفهموا تمامًا كيف حقق ذلك، ونتيجة لذلك شكوا في إمكانيته على تكراره ،لذلك اختار المجلس مرشحًا بديلًا «أكثر أمنًا» معروفًا بتقديم نتائج ثابتة ويمكن التنبؤ بها عامًا بعد عام.

تدعم بياناتنا أهميّة الموثوقيّة، حيث حصل على مستويات عالية من الثقة في تنفيذ التزاماتهم 94% من المرشحين لمنصب المدير التنفيذي الأقوياء الذين تمت دراستهم.

النقطة الأساسية هنا هو وضع توقعات حقيقية أمامك. ففي الأسابيع الأولى للعمل لا يتسرع المديرون التنفيذيون ذوي وجهات النظر الدقيقة بالتنفيذ. فهم يبحثون في الميزانيات والخطط وينخرطون مع أعضاء مجلس الإدارة والموظفين والمستهلكين لفهم توقعاتهم. وفي الوقت نفسه، يقيِّمون العمل بسرعة لتطوير وجهة نظرهم حول ما هو واقعي يعملون على مواءمة التوقعات مع ذلك.

في عام 2012، عندما تولى سكوت كلاوسون (Scott Clawson) رئاسة شركة كوليغان (Culligan)، -وهي شركة لمعالجة المياه-، أخذ على عاتقه أعمالًا صعبة،حيث تقدر الأرباح لديها قبل احتساب الفوائد والضريبة والاستهلاك والإطفاء (EBITDA) بقيمة 60 مليون دولار. وبعد إتمام واجبه، كان عليه أن يخبر المستثمرين أن معدل التشغيل الحقيقي أقترب من 45 مليون دولار. وعلى الرغم من تحقيقه لتراجع في التكاليف، إلا أنه استمر في تجديد نظام الأعمال والمواهب لدى الشركة وقدم ما يفوق التوقعات مما أسعد مجلس الإدارة والمستثمرين.

والمديرين التنفيذيين الذين حازوا على درجة عالية من الثقة استخدموا تكتيكات أخرى أيضًا،حيث صُنّف ثلاثة أرباعهم كأقوياء في مهارات التنظيم والتخطيط. وأنشأوا نظمًا لإدارة أعمالٍ تضمنت حساب معدل الاجتماعات واستخدام لوحات مقاييس الأداء وحسابات واضحة وقنوات متعددة لرصد الأداء وإجراء تصحيحات سريعة للمسار. والأهم من ذلك، لديهم فرق قوية.

ولسوء الحظ، لم تكن هذه حقيقةَ كافّة المديرين التنفيذيين، فالخطأ الأكثر شيوعًا بين المديرين التنفيذيين الذين يشغلون المنصب لأول مرة -ارتكبه 60% منهم- هو أنهم لم يجمعوا الأعضاء المناسبين للفريق بسرعة كافية. حيث ينطوي اختيار المواهب على مخاطر كثيرة وأخطاء واضحة بالنسبة للمديرين التنفيذيين. ولكن القادة الناجحين يعملون بجد لرفع مستوى المواهب واضعين سقفًا عاليًا للتوقعات، كما يركزون على الأداء المرتبط بالمنصب بدلًا من الراحة الشخصية أو الولاء اللذين يعدان صفتين غالبًا ما يؤديان إلى قرارات خاطئة.

الختام

للتوضيح، لا يوجد خليط جيد من السلوكيات الأربعة يتناسب مع كل المديرين التنفيذيين. حيث تحدد الصناعة وسياق الشركة أي السلوكيات والمهارات الأكثر أهمية في كل حالة. ومن المؤكد أن المدير التنفيذي في الصناعات سريعة التطور مثل التكنولوجيا يحتاج إلى التفوق في التأقلم المسبق ولكن هذا السلوك قد يقل أهميته في القطاعات المستقرة.

ربما تتساءل حول الأمانة والصفات الأخرى، فهذه الأمور مهمة عند فرز المرشحين غير الملائمين لهذا المنصب. فتخيل أن 100% من المديرين التنفيذيين ذوي الأداء المنخفض حققوا درجة عالية في الأمانة وحقق 97% درجة عالية في أخلاقيات العمل لذلك لا تساعدك هذه الصفات على فصل أفضل مرشح عن البقية.

في النهاية، تشير أبحاثنا إلى أن النجاح في القيادة ليس من الصفات المستحيلة أو من الأصول التعجيزية. كما أن السلوكيات الأساسية التى تتركز في الحسم والقدرة على مشاركة المساهمين والقدرة على التأقلم والدقة ليست أمرًا غريبًا. فعدم وجود شعار «مقاس واحد يناسب الجميع»، سوف يُحسن التركيز على هذه السلوكيات الأساسية من اختيار أعضاء مجلس الإدارة للمدير التنفيذي المناسب ويعزز من فرص النجاح للقائد في هذا المنصب.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *