نحتاج طرق جديدة لعلاج الاكتئاب.

ترجمة بتصرف لمقال:(We need new ways of treating depression by vox)

ترجمة: إيمان علي، سعاد با سلم، سلمى إدريس، مي الفوزان

تدقيق: هيا العبدالله، ليما عبد

مراجعة: رزان العبيد

يبحث الخبراء في الأسباب الاجتماعية والبيئية لهذا الاضطراب الذي يؤثر على الملايين.

مع القرن الحادي والعشرين كانت البداية، فقد كان الطبيب النفسي الجنوب أفريقي ديريك سمرفيلد (Derek Summerfield) في كمبوديا يقوم ببعض البحوث حول الآثار النفسية للألغام الأرضية غير المنفجرة، في نفس الوقت الذي بدأ فيه أول تسويق لمضادات الاكتئاب الكيميائية في البلاد.


لم يكن لدى الأطباء المحليين المعرفة الكافية حول هذه الأدوية، ولذلك سألوا الدكتور سمرفيلد ليوضحها لهم. عندما فهموا توضيح الدكتور حول استخدامات هذه الأدوية، كان جوابهم أنهم لا يحتاجون لها لأنهم لديهم مضادات اكتئاب مسبقًا.


جوابهم أوقع سمرفيلد في حيرة، فطلب منهم التوضيح، حيث توقّع أن يُخبروه عن علاجات عشبية محلية، عوضًا عن ذلك، أخبروه بشيء مختلف تمامًا.


أخبر الأطباء سمرفيلد قصةً عن مزارعٍ عالجوه، كان يعمل في حقول الأرز المغمورة بالمياه. وفي أحد الأيام داس على لغم أرضي مما تسبب في انفجار ساقه، تم تركيب طرف صناعي له وعاد إلى العمل. المشكلة أن العمل تحت الماء بطرف صناعي مؤلمٌ جدًا، وإضافةً لذلك، العودة إلى مكان الحادث كانت تجعل المزارع قلقًا جدًا حتى صار مكتئبًا بعمق.


جلس معه الأطباء والجيران، وتكلموا معه حول حياته ومشاكله. أدركوا أنه حتى مع طرفه الاصطناعي الجديد، مازال من الصعب جدًا عليه ممارسة عمله القديم في الحقول، لأنه كان يعاني باستمرار من الضغط النفسي، والألم الجسدي، وهذه الأشياء مجتمعةً جعلته يريد إنهاء حياته. الأشخاص الذين حاوروه كانت لديهم فكرة.


اقترحوا أن يعمل كمزارع للألبان، وهي وظيفة من شأنها أن تضع ضغوطًا أقل ألمًا على ساقه الصناعية وأقل استحضارًا للذكريات المزعجة. اعتقدوا أنه قادرٌ تمامًا على التغيير؛ ولذلك اشتروا له بقرة. في الأشهر والسنوات التالية تغيرت حياته، فكآبته العميقة أُزيحت.


«أترى يا دكتور؟ البقرة كانت مُسْكنًا ومضادًا للاكتئاب.» هذا ما قاله الأطباء الكمبوديون للدكتور سمرفيلد.


مع الوقت أصبحتُ أعتقد أن هذا المشهد الصغير في جنوب شرق آسيا والذي بدا في أول الأمر متميزًا، و غريبًا جدً، في الواقع كان يُمثل تحولًا في وجهة نظرنا التي نتخذها إذا أردنا أن نحرز تقدمًا في علاج مرض وبائي كالاكتئاب، والقلق، واليأس المنتشرة في ثقافتنا كالنار في الهشيم.


المسألة ليست فقط كيمياء دماغية.


لأكثر من ثلاثين سنة، كنّا جميعًا نُخبَر قصة أساسية وحيدة عن الاكتئاب والقلق. حينما كنت في سن المراهقة ذهبت إلى طبيبي، وأخبرته أنني شعرت بالضيق ينبع مني بشكل لا يمكن السيطرة عليه كأنه رائحة كريهة، فأخبرني بقصة.

قال لي أن اكتئابي ناجم عن نقص تلقائي في مادة كيميائية في الدماغ اسمها: السيروتونين (serotonin)، وأنه ببساطة عليَّ أن أستخدم بعض الأدوية للحصول على مستويات سيروتونين أعلى لتصل للمستوى الطبيعي. قبل بضعة أيام من كتابة هذا المقال، ذهب صديق في مقتبل العمر إلى أحد أبناء أخي، والذي لم يكن أكبر سنًا مما كنت عندما تم تشخيصي لأول مرة. ذهب لطبيبه وطلب منه المساعدة في اكتئابه. أخبره طبيبه بوجود مشكلة في الدوبامين (dopamine) في دماغه. خلال الـ عشرين عامًا كان اسم المادة الكيميائية هو التغيير الوحيد.


كنت أؤمن بهذه القصة وأعلّمها لأكثر من عقد من الزمان. لكن عندما بدأت في البحث عن أسباب الاكتئاب والقلق في كتابي الجديد (Lost Connections)، فوجئت بوجود منظمات عالمية رائدة تقول أن هذا المنهج كان مبنيًّا على قراءة علمية خاطئة. هناك عوامل حيوية حقيقية تساهم في الإصابة بالاكتئاب، لكنها كانت بعيدة كل البعد عن توضيح الصورة الكاملة.


لقد أوضحت منظمة الصحة العالمية -وهي هيئة طبية رائدة في العالم- في عام 2011: «الصحة النفسية يتم إنتاجها اجتماعيًا. إن وجود أو انعدام الصحة النفسية هو في المقام الأول مؤشر اجتماعي، ولذلك يتطلب حلولًا اجتماعية، وفي نفس الوقت فردية.»

 

أوضح المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحقوق الصحية الدكتور داينيوس بوراس (Dainius Pūras) -وهو أحد الخبراء البارزين في مجال الصحة العقلية- في أبريل الماضي بأن السرد الأحيائي المسيطر على الاكتئاب مبني على نتائج بحوث متحيزة.


«مع الأسف، اتسمت العقود الأخيرة بالإفراط في المعالجة الطبية للصحة النفسية والإفراط في تدخلات الطب الحيوي؛ بما في ذلك علاج الاكتئاب والوقاية من الانتحار.» على حد قوله. في حين أن هناك دورًا للأدوية، فإننا نحتاج إلى التوقف عن استخدامها لمعالجة قضايا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمشاكل الاجتماعية.


بداية، كنت مرتبكًا بسبب تصريحات كهذه، كانت تتعارض مع كل شيء قيل لي، لذا قضيت ثلاث سنوات أقابل كبار العلماء في العالم حول هذه الأسئلة. في محاولة لفهم ما يحدث فعلًا في أسوأ أماكن اليأس في ثقافتنا من كليفلاند (Cleveland) إلى ساو باولو (Sao Paulo) حيث حالات اليأس في أقل مستوياتها -بما في ذلك مجتمعات الآميش-. سافرت أربعين ألف ميلًا وحققت في أعمق أسباب اكتئابنا الجماعي.


لقد تعلمت أن هناك اتفاقًا واسعًا بين العلماء على أن هناك ثلاثة أنواع من أسباب الاكتئاب والقلق، وجميع الثلاثة يلعبون دورًا -بدرجات متفاوتة- عند جميع المصابين بالاكتئاب والقلق. الأسباب هي: حيوية، مثل: جيناتك، ونفسية (كيف تفكر في نفسك)، واجتماعية (الطرق الأوسع التي نعيش بها معًا). قلة قليلة من الناس يشككون في هذا، ولكن عندما تعلّق الأمر بالتواصل مع الجمهور، وتقديم المساعدة، أُهملتْ الحلول النفسية بشكل متزايد، وتم تجاهل الحلول البيئية بشكل كامل تقريبًا.

الدراسات المثيرة للجدل حول مضادات الاكتئاب الكيميائية.


بدلًا من ذلك، نحن نركز على علم الأحياء. نحن قدمنا ونقدم المزيد من العقاقير كملاذ أول، بل وغالبًا ما يكون الأخير. هذا المنهج نحصل منه على نتائج متواضعة. عندما أخذت مضادات الاكتئاب الكيميائية-بعد فترة من الراحة- بقيت مكتئبا، وظننت أنني لست بخير. تعلمت في بحثي أن العديد من الباحثين قاموا بفحص البيانات الخاصة بمضادات الاكتئاب وتوصلوا إلى استنتاجات مختلفة تمامًا حول فعاليتها. وكان من الصعب أن لا تصل لنتيجة -بالنظر إلى الأدلة ككل- بأنها في أفضل الأحوال حل جزئي.


غالبًا ما يقاس الاكتئاب بواسطة مقياس هاملتون لتقييم الاكتئاب -وهو اختبار مكون من سبعة عشر بندًا يديره الأطباء- حيث تعني النتيجة صفر أنك لا تظهر أي عرض للاضطراب، والنتيجة اثنان وخمسون قد تشير إلى مرحلة عجز تامّ.


وجدت الدراسات -التي تدعم بشدة مضادات الإكتئاب الكيميائية- أن نحو سبع وثلاثين بالمئة من الأشخاص الذين يتناولونها يشعرون بتغير كبير في درجات هاملتون، حيث تصل إلى سكون كامل في أعراضهم. عندما أضيف العلاج مع إجراءات علاجية أو اُستُعمِل بدلًا من أدوية أخرى -في الحالات المقاومة للعلاج- ارتفعت معدلات السكون.


غير أن علماء آخرين بالنظر إلى نفس مجموعة البيانات لاحظوا أنه على المدى الطويل أقل من عشرة بالمئة من المرضى الذين خضعوا للدراسة فقط -والذين بالمصادفة كانوا يحصلون على مزيدٍ من الدعم من طبيبهم مقارنة بمتوسط الفرد الأمريكي المصاب بالإكتئاب- قد حصلوا على سكون تام استمر لسنة كاملة. عندما قرأت ذلك، لاحظت -مندهشًا- أنها تتوافق كثيرا مع تجربتي الخاصة: حصلت على تعزيز أولي كبير، ولكن الاكتئاب عاد لي في نهاية المطاف. ظننت أنني كنت غريبًا كوني غارق في الكآبة على الرغم من استخدامي لهذه الأدوية، ولكن اتضح لي بأنني كنت طبيعيًا.


البروفيسور ستيف إيلاردي (Steve Ilardi) -أستاذ علم النفس في جامعة كنساس(Kansas)- يلخّص البحث في مجال مضادات الاكتئاب بهذه الطريقة عبر البريد الإلكتروني: «ما يقارب خمسين بالمئة فقط من المصابين بالاكتئاب اظهروا استجابة أولية إيجابية لمضادات الاكتئاب، وثلاثين بالمئة فقط وصلوا لسكون تام. من بين كل هؤلاء الأفراد المصابين بالاكتئاب الذين يستخدمون مضادات الاكتئاب، فقط فئة صغيرة -تقدر بما بين خمسة إلى عشرين بالمئة- سيشفون تماما. بمعنى آخر: الأدوية تعطي نوعًا من الراحة، ولذلك لها قيمة حقيقية، ولكن للأغلبية العظمى هي ليست كافية.»


كان أستاذ علم النفس إيرفنج كيرش (Irving Kirsch) -الذي يحاضر الآن في كلية هارفارد الطبية- داعمًا مبدئيًا لمضادات الاكتئاب، ولكنه بدأ بتحليل تلك البيانات التي حاولت شركات الأدوية إخفائها عن العامة. بحوثه توصلت إلى أن مضادات الاكتئاب تعطي دعمًا أكثر من الأدوية الوهمية بمعدل 1.8 نقطة على مقياس هاملتون. حسب بعض التقديرات، هذا التحسن يشابه ثلث الدعم الذي تحصل عليه عند تحسن نمط نومك.


يشير كيرش أيضًا على دراسة صدرت مؤخرًا في مجلة (The Lancet) لتغطية إعلامية أكدت ما كنا نعلمه مسبقًا واتفق عليه الجميع هو: أن مضادات الاكتئاب الكيميائية لها تأثير أكبر من العلاجات الوهمية. كانت الأسئلة الأهم هي: كم مقدار هذا الأثر؟ وإلى متى يستمر؟


حتى الأشخاص الأقل تشكيكًا من كيرش أشاروا لهذه النقطة المزعجة، على الرغم من ازدياد وصفات مضادات الاكتئاب لدرجة خمس مئة بالمئة منذ ثمانينات القرن الماضي، لم يكن هناك انخفاض ملحوظ  في معدلات الاكتئاب على مستوى المجتمع. من الواضح أن هناك شيئًا مهمًا جدًا مفقود في النتائج التي قُدمت إلينا.


بعد كل تلك الدراسات، دُهشت وأخذت الكثير من الوقت لأستوعب. كان كيرش يعتبر ارتفاع  1.8 نقطة لا معنى له طبيًا ولا يعد مبررًا معتبرًا لفوائد هذه الأدوية، وجدت أن دراسته مقنعة ولكنني اختلفت معه قليلًا في فكرته. هناك أشخاص ممن أعرفهم تشكل لهم هذه الفائدة البسيطة فائدة تزيد عن ضرر الأعراض الجانبية، وبالنسبة لهم كانت نصيحتي هي الاستمرار في أخذ هذه الأدوية.


لكنه من الواضح -بمجرد البحث في هذا العلم- أن هذه الأدوية ليست كافية. كان علينا أن نناقش الأمر بصدق، فأمامنا حقيقة لا تقبل الجدال وهي: أنه لعدد ضخم من الناس كانت مضادات الاكتئاب إما لا تقدم الراحة، أو تقدم مقدارًا قليلًا ومؤقتًا منها، ونحن بحاجة لتوسيع قائمة العلاجات لمساعدة هؤلاء الأشخاص.


تركيزنا على علم الأحياء قادنا للتفكير في الاكتئاب والقلق على أنهما خلل في الدماغ أو الجينات، هي حالة مرضية يجب إزالتها، ولكن العلماء الذين يدرسون الأسباب الاجتماعية والنفسية لهذه المشاكل يميلون لرؤية الأمور بشكل مختلف. بعيدًا عن كونها عطل جسدي كانوا يرون الاكتئاب أنه جزئيًا أو كليًا يشكل عاملًا مهمًا، ومؤشرًا على احتياجات ضرورية لم تُلبى.


نحن نعلم أننا كبشر لدينا احتياجات جسدية: كالطعام، والماء، والمأوى، والهواء النقي. وبنفس المستوى لدينا احتياجات نفسية فطرية: كالحاجة للانتماء، وأن يكون لوجودنا قيمة ومعنى بحياتنا، وأن نشعر بقيمتنا، وأن نشعر بأن لدينا مستقبلًا آمنًا. ثقافتنا لم تعد تلبي هذه الاحتياجات النفسية الأساسية لعدد كبير من الناس، وهذا سبب رئيسي لهذا اليأس العام بيننا.


لقد أجريت العديد من المقابلات العميقة مع علماء أكدوا وجود عوامل في حياتنا قد تؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب (ليس بمعنى الشعور بالتعاسة إنما الاكتئاب المرضي). الشعور بالوحدة، والإجبار على العمل في وظيفة لا يراها ذات قيمة، ومواجهة مستقبل غير آمن ماديًا، هذه كلها ظروف فيها حاجة نفسية كامنة غير ملباة.

 

الحالة الغريبة لـ «استثناء/استبعاد الحزن» والآثار البالغة المترتبة عليها.

بالإمكان رؤية الصعوبة التي واجهتها بعض أقسام الطب النفسي في الاستجابة لهذه الرؤى في الجدل الذي مازال جاريًا منذ السبعينات. قررت الجمعية الأمريكية للطب النفسي في ذلك العقد ولأول مرة توحيد كيفية تشخيص الاكتئاب، (اضطراب الاكتئاب الرئيسي) على وجه التحديد والذي تم تشخيصه على مستوى الولايات المتحدة. استقرت اللجنة على قائمة تضم تسعة أعراض  -كاستمرار تدهور الحالة المزاجية على سبيل المثال، وفقدان الاهتمام، والمتعة كذلك- وقال الأطباء في جميع أنحاء البلاد أنه إذا ظهر على المرضى أكثر من خمسة من هذه الأعراض واستمرت لأكثر من أسبوعين؛ فيجب تشخيصهم على أنهم مصابين بأمراض عقلية. ومع اتباع هذه التعليمات في سائر أنحاء البلاد، فقد أعلن بعض الأطباء عن مسألة شائكة قليلًا. يجب تصنيف كل شخص فقد عزيزًا أو أحد أفراد أسرته -كل شخص حزين- باستخدام هذه المبادئ التوجيهية على أنه مريض عقلي، أي أن هناك تطابقًا بين أعراض الحزن والاكتئاب.

 

من المحرج أن تأتي هيئات الطب النفسي بحل غير ذكي، حيث أنشؤوا شيئا يدعى بـ (استثناء الحزن)، وأبلغوا الأطباء أن يستمروا في استخدام قائمة التشخيص ما لم يكن هناك مريضًا توفي شخص عزيز عليه مؤخرًا، ولم يتم اعتمادها في هذه الحالة. لكن هذا قادهم إلى جدال لم يتمكنوا من التصدي له. كان من المفترض على الأطباء أن يخبروا مرضاهم أن الاكتئاب مرض دماغي يتم تحديده في قائمة التشخيص، ولكن الآن هناك -بشكل فريد- حالة حياتية لم يكن فيها هذا التفسير قائمًا.

لمّا بدأ بعض الأطباء يتساءلون، هل يجب أن يكون الحزن هو الموقف الوحيد الذي لا يشكل فيه اليأس الحاد علامة على اضطراب عقلي تجب معالجته بالعقاقير؟ ماذا لو خسرت وظيفتك؟ منزلك؟ مجتمعك؟ بمجرد أن تفكر في أن الاكتئاب قد يكون استجابة معقولة لبعض ظروف الحياة كما وضحت جوان كاكياتوري (Joanne Cacciatore) -أستاذ مشارك في قسم العمل الاجتماعي بجامعة ولاية أريزونا- فإن نظرياتنا حول الاكتئاب تتطلب عملية (إصلاح شامل للنظام). بدلا من القيام بذلك، فقد تخلصت هيئات الطب النفسي من استثناء الحزن ببساطة.

يمكن تشخيص الأشخاص الحزانى أنهم مصابون بأمراض عقلية على الفور للوهلة الأولى، بعبارة أخرى: يمكن تشخيص الحزن على أنه مرض عقلي. كشفت الدراسة التي أجرتها كاكياتوري أن حوالي ثلث الآباء والأمهات الذين يفقدون طفلًا يتم تخديرهم بمضادات الاكتئاب أو المهدئات في أول ثمان وأربعين ساعة بعد الوفاة.

بمجرد فهم السياق النفسي والاجتماعي؛ فإن فهم الكآبة ذو أهمية قصوى، حيث يشير إلى أننا يجب أن نتصدى لهذه الأزمة بشكل مغاير لما نفعله الآن. لم يستلزم مفهوم «مضاد الاكتئاب» تغيير كيمياء الدماغ بالنسبة لأولئك الأطباء في كمبوديا، وهي فكرة غريبة على ثقافتهم، حيث كانت تدور حول تمكين المجتمع للشخص المصاب بالاكتئاب لتغيير حياته.

أجريتُ عدة لقاءات مع مجموعة متزايدة من العلماء والأطباء في جميع أنحاء العالم الذين يحاولون دمج هذه الأفكار في عملهم، حيث يرون أن أي شيء يقلل من حدة الاكتئاب يلزم اعتباره مضادًا للاكتئاب.

نحتاج أن نفكر مليًا في أسباب التوعك العقلي؛ حتى نعرف ما الذي نحن بصدد مقاومته. لقد تمكنتُ من تحديد تسعة أسباب للإصابة بالقلق والاكتئاب استنادًا على وجود دليل علمي لها. أولا: أشكال الانفصال السبعة تتمثل في: الانفصال عن أشخاص آخرين، وعن عمل فعال وقيم هادفة، وعن العالم الطبيعي، وعن طفولة سليمة وآمنة، وعن مركز أو مكانة، وعن مستقبل واضح المعالم. ثانيًا: الأسباب البيولوجية، وهما اثنان: الجينات الخاصة بالشخص، والتغيرات الفعلية للدماغ.

لم يحن أوان وصف هذه الأمور بأنها (اختلال في التوازن الكيميائي) الاختزال النمطي حاليًا، حيث بين مارك لويس (Marc Lewis) عالم الأعصاب في جامعة تورنتو أنه من المنطقي أن نفكر في الأمر على أنه (تشذيب متشابك)  حيث يتخلص العقل من نقاط الاشتباك العصبية التي لا تستخدمها. إذا تعرضت لردة فعل مؤلمة لمدة طويلة، فإن العقل يتخلص من نقاط الاشتباك العصبي وهذا يجعل الابتعاد عن الأفكار السلبية صعبًا للغاية.

تساءل العلماء: ما الذي قد تبدو عليه مضادات الاكتئاب التي تتعامل مع هذه الأسباب، وليس الأعراض فحسب؟

 

«وصفة اجتماعية»: نوع جديد من العلاج.

في جانب فقير من شرق لندن من تسعينات القرن الماضي، واجه الدكتور سام إفيرنتون (Sam Everington) شيئًا مزعجًا، وهو أن المرضى كانوا يأتون إليه وهم يعانون من القلق والاكتئاب. قال لي: «عندما ارتدنا كلية الطب كان كل شيء عن الطب الحيوي، لذا فإن ما وصفته بالاكتئاب كان بسبب الناقلات العصبية.» والحل هنا إذًا هو الأدوية، لكن هذا لا يتطابق مع حقيقة ما كان يراه.

 

لو جلس إفيرنتون وتحدث مع مرضاه، واستمع إليهم جيدً؛ا لشعر أن آلامهم كانت منطقية. لقد كانوا في الغالب في عزلة شديدة أو غير مستقرين ماديًا. لم يكن الدكتور سام ضد مضادات الاكتئاب الكيميائية، لكنه شعر أنها لا تتجاوب مع الأسباب الكامنة الرئيسية وراء الاكتئاب لدى مرضاه. لذلك حاول اتباع نهج مختلف، وانتهى به الأمر إلى اكتشاف نهج جديد لمكافحة الاكتئاب.

 

في يوم من الأيام أتت مريضة تدعى ليزا كانينغهام (Lisa Cunningham) إلى عيادة الدكتور إفيرنتون الجراحية. كانت قد حبست في منزلها، وأصيبت بالاكتئاب والقلق لمدة سبع سنوات. وأخبرها العاملون في العيادة أنهم سوف يستمرون في وصف الأدوية لها إن أرادت ذلك، لكنهم أيضا سيصفون جلسة علاج جماعية لها من نوع ما. كان هناك قطعة أرض خلف العيادة بالقرب من حديقة عامة، وكانت ريفية. انضمت ليزا إلى المجموعة التي تضم حوالي عشرين شخصًا يعانون من الاكتئاب، وكانت هذه الجلسة مرتين في الأسبوع بعد الظهر لمساعدتها لكي تصبح جيدة.

 

في يومها الأول شعرت ليزا بالغثيان مع القلق. كان من الصعب التحدث مع الآخرين. ومع ذلك، ولأول مرة منذ فترة طويلة، كان لديها شيء لتتحدث عنه غير كم كانت مكتئبة وقلقة.

 

مع مرور الأسابيع والأشهروالسنوات، قام المرضى في عيادة إفيرنتون بتعليم أنفسهم أعمال البستنة، يضعون أصابعهم في التربة ويكتشفون كيف تنمو الأشياء. بدؤوا يتحدثون عن مشاكلهم، شعرت ليزا بالغضب عندما علمت أن أحد الأشخاص في المجموعة ينام في حافلة عامة؛ لذلك بدأت بالضغط على السلطات المحلية لإيوائه، ونجحت بذلك. وكان أول شيء تفعله لشخص آخر منذ فترة طويلة.

 

وكما أخبرتني ليزا: عندما بدأت الحديقة تزهر بدأ الناس فيها بالازدهار أيضًا. لقد كان مشروع إفيرنتون مؤثرًا على نطاق واسع في إنجلترا ولكن لم يتم تحليله بدقة من قبل الأصائيين الذين يميلون إلى العلاج المتمركز على الأدوية. لكن دراسة في النرويج لبرنامج مماثل اكتشفت أن مفعوله كان أكثر من ضعف فعالية مضادات الاكتئاب الكيميائية، هي جزء من مجموعة متواضعة ولكنها متزايدة من الأبحاث التي تشير إلى أن مثل هذه الأساليب يمكن أن تسفر عن نتائج مذهلة.

و يتناسب هذا مع مجموعة واسعة من الأدلة حول الاكتئاب، نحن نعلم بأن الاتصال الاجتماعي يقلل من الاكتئاب، و نعلم بأن التشتت في التفكير (الذي تكون حالات الاكتئاب معرضة له بشكل كبير) له تأثير مماثل، و هناك بعض الأدلة على أن التعرض للعالم الطبيعي، و أي شيء يزيد من التعرض لأشعة الشمس، له أيضًا تأثير مضاد للاكتئاب.

ويطلق إفيرنتون على هذا النهج «وصفة اجتماعية»، و يعتقد أنه مفيد لأنه يتعامل مع بعض (لكن ليس كل) الأسباب الاجتماعية، والبيئية العميقة المسببة للاكتئاب.

 

تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى الاكتئاب.

أظهرت دراسة أُجْريت الأسبوع الماضي أن مضادات الاكتئاب أفضل من المهدئات، إلا أن العديد ممن يتناول هذه الأدوية يستمر معهم الاكتئاب، أو قد تعاودهم حالة الاكتئاب مرة أخرى. (جو رادل (Joe Raedle)/ موقع Getty Images).

بحثت في تجارب جذرية أخرى لأنواع مختلفة من مضادات الاكتئاب الاجتماعية و النفسية في مناطق غير متوقعة غالباً ( بعضها لم يتم إجراؤها كمضادات للاكتئاب، ولكن نتائجها خدمت هذا الهدف). في السبعينيات أجرت الحكومة الكندية تجربة في بلدة ريفية تسمى دوفين (Dauphin) في مقاطعة مانيتوبا (Manitoba)، وذلك بإخبار سكان البلدة بأنهم سيقدمون لهم من الآن فصاعدًا أقساطًا شهرية وهي دخل أساسي مضمون. و ليس عليك القيام بأي شيء لأنك ستحصل على هذا المال لمجرد أنك مواطن في دولتنا ولن نقطعه عنك مهما فعلت. تصل الأقساط إلى حوالي سبعة عشر ألف دولار حسب الدولار الأمريكي اليوم -إذا لم يكن للشخص مصدر دخل آخر-.


حدثت العديد من الأمور نتيجة لهذه التجربة التي استمرت لثلاث سنوات كما ذكرت إفلين فورجيت (Evelyn Forget) -الأستاذ الجامعي في قسم الخدمات الصحية المجتمعية في جامعة مانيتوبا والخبيرة القائدة على هذه التجربة- بأن أحد النتائج المدهشة كانت انخفاض شديد في دخول المستشفيات وصلت إلى ثمانية ونصف بالمئة في السنوات الثلاثة.

كما أن الزيارات لأسباب تتعلق بالصحة العقلية شكلت جزءًا كبيرًا من هذا الانخفاض، وذكرت فورجيت أن الزيارات إلى أطباء الصحة العقلية قلت.

و وضحت هذا قائلةً: «هذه الأقساط أزالت أو خففت التوتر الذي يواجهه الناس في حياتهم اليومية، «وتحدثت عن وجود أدلة تظهر بأنه إذا لم يكن لديك أي سلطة في مكان العمل ستزداد احتمالية إصابتك بالاكتئاب أو (تموت بسبب نوبة قلبية جراء الضغط النفسي) فالدخل المضمون «يخفف من كونك رهينةً لعملك، فبعض الأعمال التي يمتهنها أشخاص لكسب قوت يومهم فقط هي أعمال مهينة و مروعة».

فالعلماء الذين تحدثت معهم يريدون أن تكون مضادات الإكتئاب الكيميائية حلاً متاحًا إلى جانب التوسع الجذري للخيارات المتاحة للمصابين بالإكتئاب والقلق، كبعض الأنشطة التي يجربها الأشخاص بأنفسهم، مثل الانضمام لمجموعات مهتمة بإيجاد معنى الحياة الحقيقي -أي مبادرة بدئاً من الكورس إلى مجموعات الحملات- أو ممارسة التمارين الذهنية وهو ما يسمى بـ«تفكر الحب والود» وهي طريقة قديمة للتخلص من الحسد وذلك خلال تدريب نفسك على أن تشعر بالفرح ليس لأصدقائك فقط بل الغرباء، وحتى الأشخاص الذين تكرههم.

ولكن العديد من مضادات الإكتئاب الاجتماعية الأكثر فعالية تتطلب منا التعاون لنكافح من أجل القيام بتغييرات اجتماعية كبرى ستقلل من الإكتئاب مثل: تغيير أماكن العمل للتقليل من السيطرة و الإهانة التي يتعرض لها العمال.

وقال رجل مثليّ في أواخر الثلاثين من عمره، رأيت كيف يمكن للناس أن يجتمعوا للنضال من أجل أهداف تبدو مستحيلة، ويفوزون بها، وكان مبهرًا في التقليل من مقدار التعاسة التي يواجهها الأشخاص المثليين. و رأيت أيضًا من زاوية أخرى كيف للصعوبات أن تكون هي الحل؛ فالتلاحم والاعتراف بالتعرض للمعاملة السيئة، و القتال لتحقيق الأفضل هو ما يعيد الكرامة للأشخاص الذين شعروا بالهزيمة.

 

هل هنالك نوع من الاكتئاب لا يرتبط تمامًا بظروف الحياة؟

خلال اكتشافي هذه الأدلة على مدى ثلاث سنوات، استمر سؤال يجول في خاطري. نعم، هنالك أسباب عميقة للاكتئاب، ولكن ماذا عن الناس الذين لا يملكون شيئًا ليكونوا سُعداء، ومع ذلك ما زالوا يشعرون بأن هذا اليأس العميق يسيطر عليهم؟

هنالك مناظرة بين العلماء عن وجود ما يسمى «الاكتئاب الداخلي» و هو نوع من الاكتئاب يحدث بوضوح نتيجة عوامل بيولوجية. أكثر الأبحاث تفصيلاً أجراها جورج برون (George Brown) وزميله ترل هارس (Tirril Harris) من أكاديمية الطب النفسي بجامعة لندن في السبعينات، ووجدوا أن الأشخاص الذين تم تشخيصهم بهذه المشكلة في الحقيقة كانت لديهم تحديات في حياتهم مثل الأشخاص الذين من المفترض أن يكون اكتئابهم نتيجةً لمواقف الحياة. (قضوا سنوات من الدراسة فيما إذا كانت الضغوط طويلة الأجل تزيد من فرص الاكتئاب بشكل جذري).

وهذا قد يعني أن الإكتئاب الداخلي غير موجود، أو أن العلماء كانوا سيئين في تحديد الاختلاف. فالعلماء الذين تحدثت معهم اتفقوا على شيء واحد وهو: إذا كانت هذه الحالة موجودة فإنها تؤثر على أقلية قليلة من الأشخاص المكتئبين و المتوترين.

ولكنني شعرت أنني حققت تقدم في تفكري في فهم سر إصابة بعض الناس بالاكتئاب بدون سبب وجيه، عندما بدأت أقرأ بالصدفة بعض النصوص النسوية منذ الستينات.

في ذلك الوقت كان من المتعارف عليه أن تذهب النساء إلى أطبائهن، ويقولون عبارة مثل: «أيها الطبيب لابد أن هنالك مشكلة في أعصابي، لدي كل شيء أتمناه لدي زوج يحترمني، وطفلين، ومنزل، وسيارة، وغسالة أطباق، ولكنني لا أزال أشعر بالسوء»، فيتفق الأطباء على أنهن يعانين من مشكلة، ويصفون لهن عقاقير مثل: فاليوم. (فانتقل أساس المشكلة من الأعصاب إلى الدماغ فقط في التسعينات.)

والآن إذا استطعنا العودة بالزمن، والتحدث إلى تلك النساء، لقلنا لهن: نعم لديكن كل ما تتمنين حسب المعايير الثقافية.» ولكن هذه المعايير ببساطة مغلوطة، و أنتن تحتجن لأكثر من ذلك.

وبنفس الطريقة اليوم عندما يخبرني أشخاص أنه لابد أنهم يعانون من مشاكل بيولوجية لأنهم «يملكون كل شيء يتمنونه» و لكنهم لا يزالون يعانون من الاكتئاب، فإنني أقول لهم: « أخبرني ماذا تملك؟». فإنهم يتحدثون عن المال و المرتبة و الممتلكات الاستهلاكية الباهظة، ولكنها ليست ما يحتاجه الأشخاص ليعيشوا حياة ذات مغزى.

وعندما أسألهم عن العوامل الاجتماعية والبيئية المسببة للاكتئاب والتوتر المذكورين، لا أجد شخصًا مصابًا بالاكتئاب ممن يواجه على الأقل بعض المصاعب. ربما البعض وببساطة منهار بيولوجيًا، لكنّ فكرة أن الأسباب البيولوجية لوحدها هي المسببة لاكتئاب الغالبية العظمى من الأشخاص تعتبر بكل إنصاف: غير قابلة للتصديق.

الدرس الذي تراجع عنه طبيب الأمراض النفسية من كمبوديا:

بعدما أنهى الطبيب عمله في كمبوديا، وبعد ما سمع قصة المزارع الذي مُنح بقرة كسبب مضاد للاكتئاب، عاد في الصيف إلى لندن المكان الذي عمل فيه كطبيب للأمراض النفسية، ولاحظ أمرًا لم يره بذلك الوضوح من قبل. فقد فكر في الأوقات التي ساعد فيها الكثير من المرضى الذين يعانون من اكتئاب وتوتر. وفي معظم الأوقات التي واجهها ساعدهم ليحصلوا على مسكن آمن، و يصلحوا أوضاع هجرتهم، ويحصلوا على عمل. ذكر لي: «أصنعُ الفرق، عندما أتناول وضعهم الاجتماعي، وليس ما بين آذانهم.»

ومع ذلك إننا في مجتمعنا قد بنينا استجابتنا للاكتئاب والتوتر بشكل كامل على تغيير الأدمغة بدلًا من تغيير الحياة. وفي كل سنة نفعل نفس الشيء، وتزداد أزمات الاكتئاب والتوتر تدهورًا. عندها بدأت بالتساؤل «هل سنتعلم الدرس الذي فهمه الأطباء الكمبوديين بديهياً؟» وهذا ما تحاول منظمة الصحة العالمية شرحه لنا: آلامنا تبدو منطقية.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *