الموت قدرٌ لا مناص منه، فهل سيشعرنا بمعنى الحياة؟

ترجمة بتصرّف لمقال: (It’s complicated – why some grief takes much longer to heal By Warren Ward)
مصدر الصورة Unsplash

كتابة: Warren Ward.
ترجمة: هاجر البدوي. @hagerelbadawy5
تدقيق: هناء الفارس. @hanaksa
مراجعة نهائية: ياسمين القحطاني. @selva1999

 

اعتاد صديقي جيسون أن يقول ساخرًا: «رغم كل التطورات الطبية التي توصلنا إليها، إلا أن معدل الوفيات ظلّ ثابتًا -واحدًا لكل شخص».

درسنا أنا وجيسون الطب معًا في الثمانينيات، وأمضينا ست سنوات طِوال كأي أحد في مجال دراستنا نحفظ كل علة قد تصيب جسم الإنسان، واجتهدنا في دراستنا لكتاب دراسي يسمى  بالأساس المرضي للأمراض، والذي يتضمن وصفًا تفصيليًا عن كل مرض يمكن أن يصيب الإنسان، ولا عجب أن طلاب الطب يصابون بالمُراق، فينسبون تشخيصات مشؤومة إلى أي ورم أو نتوء أو طفحٍ جلدي يظهرُ عليهم.

 

ذكرتني ملاحظة جيسون المتكررة بأن الموت (والمرض) لوازمٌ لا يمكن تجنبها في الحياة، ويبدو لي أحيانًا أننا نطور إنكارًا وهميًا لهذه الحقيقة في الغرب؛ فننفق المليارات على التدخلات الطبية والجراحية باهظة الثمن وذلك في تزايدٍ، كل هذا في سبيل إطالة عمرنا، وتتم معظم هذه التدخلات في السنوات الأخيرة البالية من عمرنا، وإذا نظرنا إليه نظرة شمولية، فإنه سيبدو مضيعةٌ لأموالنا الثمينة.

 

لا تسيؤوا فهمي، ولكن إن أُصبت بالسرطان أو أمراض القلب أو أيًا من تلك التي تهدد حياتي ودرستها في الطب، فسأرغب حتمًا في كل ذاك الطب غير المجدي والمكلف ليطببني، فأنا أقدّر حياتي وتتملكني غريزة البقاء فوق كل شيءٍ آخر كبقية البشر، إلا أني أيضًا مثل الأغلبية لا أقدّر حياتي إذا لم أواجه خطرًا وشيكًا يهدد بانتزاعها مني فيدفعني إلى تقديرها.

 

لقد كان لدي صديقٌ قديمٌ آخر يدعى روس، وقد درس الفلسفة بينما كنت أدرسُ الطب، وقد كتب مقالًا بعنوان «الموت المعلم» والذي كان له عظيم الأثر علي. إن أفضل ما نقدر به حياتنا هو ديمومة فكرة نبقيها في طليعة أفكارنا بأن الموت حتميٌ.

 

أجرت ممرضة الرعاية الأسترالية بروني وير مقابلات مع عشرات المرضى في آخر اثني عشر أسبوعًا من حياتهم، وسألتهم عن أشد ما يندمون عليه، ونشرته في  كتابها أشهر خمس حسرات عند الموت (The Top Five Regrets Of The Dying)، وكان أكثر ماتكرر:

١- أتمنى لو كنت شجاعةً كفاية لأعيش الحياة التي تمثلني لا التي يتوقعها الآخرون مني.

٢- أتمنى لو لم أفرط في عملي.

٣- أتمنى لو امتلكت الجرأة لأعبر عن مشاعري.

٤- أتمنى لو حافظت على علاقتي مع أصدقائي.

٥- أتمنى لو سمحت لنفسي أن أكون أكثر سعادةً.

كانت العلاقة بين الوعي بالموت وعيش حياة مُرضية هي الشغل الشاغل للفيلسوف الألماني مارتن هايدجر، الذي ألهمت أعماله جان بول سارتر وغيره من المفكرين الوجوديين، وأعرب هايدجر عن أسفه لأن الكثير من الناس أضاعوا حياتهم في الجري مع «القطيع» بدلًا من أن يكونوا صادقين مع أنفسهم، وقد كافح هايدجر في الواقع ليرقى إلى مستوى مُثلِه العليا؛ لانضمامه إلى الحزب النازي في عام ١٩٣٣، على أمل أن يطور من حياته المهنية.

ستظل أفكار هايدجر تؤثر على مجموعة واسعة من الفلاسفة والفنانين وعلماء اللاهوت وغيرهم من المفكرين، وستطغى على عيوبه البشرية، وقد اعتقد هايدجر أن فكرة أرسطو عن الوجود -التي كانت تسيطر على الفكر الغربي لأكثر من ألفي عامٍ، والتي كانت مفيدة في تطوير الفكر العلمي- كانت خاطئةً جذريًا؛ بينما رأى أرسطو أن الوجود ومن ضمنه البشر، أشياءًا يمكننا تصنيفها وتحليلها لزيادة فهمنا للعالم، ويقول هايدجر في كتابه الوجود والزمان (١٩٢٧) أنه قبل أن نبدأ في تصنيف الوجود، يجب علينا أولًا طرح السؤال: «ماذا أو من الذي يطرح كل هذه التساؤلات؟».

أشار هايدجر إلى أننا -من نطرح أسئلة عن الوجود- نختلف نوعيًا عن بقية الوجود (الصخور والمحيطات والأشجار والطيور والحشرات) التي نسأل عنها، وقد اخترع كلمة خاصة بهذا الكائن الذي يسأل ويتطلع ويهتم وأطلق عليه  دايسين (Dasein) والتي تعني «الكينونة»، وقد صاغ مصطلح  الكينونة لاعتقاده بأننا أصبحنا معتادين على كلماتٍ مثل «فرد» و«إنسان» و«بشري» وفقدنا الرغبة في التساؤل عن ذواتنا.

 

إن فلسفة هايدجر تظل محطّ اهتمامٍ الكثير ممن يرون  كيف يكافح العلم لتفسير تجربة كونه شخصًا أخلاقيًا راعياً ومدركًا بأن حياته الثمينة والجميلة ستنتهي يومًا، فيرى أن هذا الوعي بزوالنا الحتمي يجعلنا متشوقين لمنح حياتنا هدفًا وقيمة على عكس الصخور والأشجار. ترى العلوم الطبية الغربية القائمة على الفكر الأرسطي الجسم البشري كشيءٍ مادّي يمكن فهمه من خلال فحصه وتقسيمه إلى الأجزاء المكونة له كأي جزءٍ آخر من المادة، إلا أن أنطولوجيا (علم الوجود) هايدجر تضع الخبرة الإنسانية في مركز فهمنا للعالم.

 

شُخصت بمرض سرطان الجلد منذ عشر سنوات، وكنت أعرف كيف يمكن أن يكون هذا السرطان عدوانيًا وقاتلًا قتلًا سريعًا بصفتي طبيب، ولحسن حظي أن الجراحة بدت وكأنها أدت إلى شفائي والشكر لله، ولكنني أيضًا كنت محظوظًا إن صح التعبير، وأصبحت مدركًا أكثر من ذي قبل بأنني سأموت في نهاية المطاف، فإن لم يكن من سرطان الجلد فمن أي شيءٍ آخر. لقد كنت أكثر سعادةً منذ ذلك الحين، فإن هذا الإدراك وهذا القبول وهذا الوعي بأنني سأموت مهمٌ لرفاهيتي بقدر كل التطورات الطبية؛ لأنه يذكرني أن أعيش حياتي كاملة كل يوم، ولا أريد أن أشعر بالندم الذي تحدثت عنه الممرضة وير أكثر من أي شيء آخر، بل أن أعيش «حياةً تعبر عن ذاتي».

 

تقدر معظم التقاليد الفلسفية الشرقية أهمية الوعي بالموت من أجل حياةٍ أفضل، على سبيل المثال: كتاب الموتى التبتي (باردو ثودول) هو نصٌ جوهري للثقافة التبتية، فيقضي التبتيون وقتًا طويلًا في العيش مع الموت، إذا لم يكن ذلك مجرد مجازًا لغويًا.

 

لقد أدرك أبرز فيلسوف في الشرق، سيدهارتا غوتاما، والمعروف أيضًا باسم بوذا، أهمية إبقاء نهايتنا نُصب أعيُننا، فلقد رأى أن أصل المعاناة هو الرغبة، ونصحنا ألا نتعلق بملذات الدنيا ونركز بدلًا من ذلك على أشياء أكثر أهمية كمحبة الآخرين، وتنمية رصانة العقل، والعيش في الحاضر، بل إن آخر ما قاله بوذا لأتباعه: «سنموت جميعًا! فاسعوا بكل جهدكم من أجل الخلاص!». ولأني طبيبٌ أتذكر كل يوم هشاشة جسم الإنسان ودنو الموت منه كقاب قوسين أو أدنى، وبصفتي طبيبٌ ومعالجٌ نفسي فأعرف أيضًا كيف يمكن أن تكون الحياة فارغةً إذا لم تكن ذات جدوى أو هدف. إن الوعي بفنائنا ومحدوديتنا الثمينة مفارقةٌ كفيلةٌ أن تدفعنا إلى البحث عن المعنى بل وتخلق فينا إياه، ذلك المعنى الذي لطالما كنا تواقين لإيجاده.

 

المصدر

موضح في المقال أن الموقع يُسمح بإعادة استخدام المحتوى ونشره 

 

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *