متى تكون غير منطقيٍ مع ذاتك

ترجمة بتصرف لمقال: (When to be Unreasonable With Yourself. By James Clear)

تدقيق: عبد الرزاق عكرمة

مراجعة: محبرة

إذا كنت تعمل على أن تصبح أفضل، أو أن تعيش حياة أكثر صحة، أو تأمل في إجراء تغيير، فإن مثل هذه العبارات “حقق نصراً” أو “عُد للبيت” أو “شدّ نفسك” غالباً ما تسمعها من الأصدقاء والأسرة وزملاء العمل من ذوي النية الحسنة.

ولكن، متى تكون الفكرة رائعةً بشأن وضع توقعاتٍ عاليةٍ لنفسك؟ ومتى يمكن للأهداف الكبيرة أن تعرضك للمشاكل؟

ربما الأهم من ذلك، كيف يمكنك موازنة الطموح لتصبح أفضل مع هدفك في البقاء سعيداً؟

قبل أن نتحدث عن كيفية البدء، أردت أن أفيدكم علماً بأنني بحثت وجمعت أساليب قائمةً على أساس علمي حتى تساعدكم على التمسك بالعادات الجيدة والتوقف عن التسويف. هل تريد التحقق من أفكاري؟ يمكنك تحميل دليلي المجاني”غيّر عاداتك” بصيغة PDF المتوافر عبر الانترنت.

قوة التوقعات العالية:

قبل عدة أشهر، بثت الإذاعة الوطنية العامة (NPR) قصة تُبين مدى تأثير توقعات المعلمين التي يمكن أن تغير أداء طلابهم بدرجة كبيرة. بدأت القصة من خلال تغطية دراسة بحثية شهيرة أجراها أستاذ يدعى روبرت روزنتال من جامعة هارفارد.

في هذه الدراسة، قامت مجموعة تتألف من 18 معلماً للمرحلة الابتدائية بإعطاء طلابهم اختباراً خاصاً من إعداد روزنتال. وكان الاختبار عبارة عن قياس مدى استعداد الأطفال لرفع معدلات ذكائهم على مر السنوات القليلة المقبلة.

لا شك أن المثير في الأمرهو أن الاختبار لم يكن اختباراً جديداً على الإطلاق. إنما كان مجرد اختبار الذكاء العام، ولكن سُمّي باسمٍ مختلفٍ ليجعله غير معروف لدى المعلمين. وبمجرد ظهور النتائج، اختار روزنتال مجموعةً عشوائيةً من الطلاب من كل فصلٍ دراسي، وقال للمعلمين أن هؤلاء الطلاب هم مثل “النبات المزهر” و من المتوقع أن تتفتح براعمهم ليصبحوا أذكياء. في الحقيقة، لم يختلف هؤلاء الطلاب عن بقية أقرانهم.

بعد مضي عدة أشهر، أجرى الطلاب اختبار الذكاء العام مرة أخرى، وكانت النتائج مذهلة. على الرغم  من أن الطلاب الذين تم تصنيفهم كـ “نبات مزهر” كانوا طلاباً عاديين، إلا أنهم حصلوا على علاماتٍ أعلى بكثير من الطلاب الاخرين.

لماذا حدث هذا؟

وجد الباحثون أن سبب هذا التحسن يرجع إلى تعامل المعلمين المختلف مع الطلاب الذين كانوا من المتوقع نجاحهم. وبالمقارنة مع الطلاب الآخرين في الصف، حصل طلاب “النبات المزهر” على المزيد من التغذية الراجعة، وعلى المزيد من الوقت للإجابة على الأسئلة، وعموماً على المزيد من الدعم، وإيماءات الموافقة من معلميهم بعبارة أخرى، عندما يتعامل المعلم مع الطالب كما لو كان في الأساس ذكياً حتى وإن كان ذا مستوًى عادي، فإن الطالب سيصبح ذكياً.

ماذا يعني لك ذلك؟

إن الدراسة المذكورة مسبقاً تبين مدى تأثير سقف التوقعات العالية على حياتنا. ولكن، ماذا لو كنت غير محظوظ بما فيه الكفاية ليتم اختيارك عشوائياً ضمن مجموعة “النبات المزهر”؟ هل كان مقدر لك أن تكون شخصاً عادياً؟ لحسن الحظ، لا.

حيث اتضح وجود نتيجتين مثيرتين للاهتمام في الدراسة؛ النتيجة الأولى تشير إلى تحسّن كل الطلاب في الصف ولكن ليس بقدر الطلاب المنتمين إلى مجموعة “النبات المزهر”. فبإمكانك تحقيق النجاح بمفردك حتى لو لم يدفعك الاخرين نحو النجاح. والنتيجة الثانية التي نلاحظها هي أن التوقعات العالية للمعلم صنعت فرقاً كبيراً للطلاب الصغار، ولكن ليس بالنسبة للكبار. لم يكن لتوقعات المعلمين العالية أي تأثير عميق على الطلاب في الصفوف الأكبر سناً. وبعبارة أخرى، كلما تقدّمت في العمر، تقل أهمية توقعات الآخرين اتجاهك وتزداد أهمية توقعاتك لنفسك. بما أنه لا يوجد كثير من طلاب المرحلة الابتدائية يقرأون هذه المدونة، فإنني أخمن أنك من ضمنهم. وكل ما سبق يندرج تحت السؤال الآتي، “ماذا تتوقع لنفسك؟”

يشرح فيكتور فرانكل، طبيب الأعصاب الشهير، مدى أهمية التوقعات العالية في مقطع فيديو رائع أدناه.

إذا كنت تقرأ هذا عبر البريد الإلكتروني، فانقر هنا لمشاهدة الفيديو.

عندما نتعامل مع الإنسان كما هو، نجعله أسوأ مما هو عليه، وعندما نعامله كما لو كان أفضل مما هو عليه، نجعله كما ينبغي أن يكون – جونثان فولفغانغ فون غوته

ما يقصده فرانكل هو أنه يمكنك اختيار السعادة لحياتك. والوصول إلى قوتك الكامنة ليس شيئاً يحدث بمحض الصدفة، ولكن لحدٍ ما نتيجة السير نحو القدر الذي لا يتدخل مع ما تحاول عادةً تحقيقه. حيث يرضى معظم الناس بالأهداف العادية لأنها “منطقية”؛ فالمشكلة في هذه الأهداف أنها تخلق جواً تنافسياً لأشياءٍ لا تستحق فعلاً النضال لأجلها. وبعبارة أخرى: يكافح الجميع لتحقيق نتائجَ متواضعة!

إذا كنت مستعداً للانطلاق في أمرٍ خارجٍ عن المألوف؛ فستجد عدداً قليلاً جداً من الناس يحذون الحذو نفسه. ونتيجةً لذلك، يحوم حول اختيار الأهداف الصعبة للغاية سحرٌ معين. وعندما تبدأ بالعمل عليها، فغالباً يسهل تحقيقها. ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون كل هدف تحدده غير منطقي.

ما هي الأهداف التي يجب أن تكون غير منطقية؟

كثيراً ما أتحدث عن قوة المكاسب الصغيرة والعادات اليومية، لذلك قد تكون مشوشاً عند سماعي أتحدث عن مدى روعة تحقيق الأهداف الكبيرة وغير المنطقية. لا داعي أن تقلق، فأنا لم أتخلص من العادات الصغيرة.

يجب أن تركّز معظم الوقت على بناء عاداتٍ متكررةٍ ويومية. وينطبق هذا بصفةٍ خاصةٍ في حال حاولت القيام بشيء جديد. من وجهة نظري، التركيز على إثبات هوية أقوى لنفسك دائماً يضع حجر الأساس لتحقيق نتائج أفضل فيما بعد. وضع أهدافٍ تحتاج إلى بذل أقصى جهد والتركيز على بناء هوية الفائز نادراً ما تنجح لذا، متى تكون الفكرة رائعة لاختيار أهداف غير منطقية؟ ومتى تحتاج الموافقة للقيام بشيء ما؟

ماذا تعني الأهداف غير المنطقية؟

دعوني أشارككم بمثالٍ ممتعٍ من حياتي الخاصة. تحب صديقتي الحيوانات، وأردت أن أقوم بشيءٍ ممتعٍ حول ذلك.  ينطوي الهدف العادي على نوعٍ معينٍ من زيارة حديقة الحيوان أو حديقة الحيوانات الأليفة. ولكن، بدلاً من القيام بذلك، قررت تجربة شيءٍ جريء. بحثت عن أي شخصٍ بإمكانه السماح لنا بإطعام الحيوانات والحصول على جولة خاصة. فانتهى بي الأمر إقناع شابٍ يعمل في ملجأ الحيوان ليأخذنا بجولةٍ حول المكان. قمنا بجولةٍ خاصةٍ لبيت القطط ولبيت الزواحف، وأطعمنا نمراً أبيض اللون ويبلغ من الوزن 272 كيلو غرام، يدعى نيكو.

وهنا صورة لنيكو التقطتها له قبل أن نطعمه:

الآن، قد تظن أنها تجربةٌ رائعةٌ أو لا تظنها ذلك، ولكن، المقصد هو عندما تطلب الإذن للقيام بأمرٍ لا يمت للمنطقية بصلةٍ نهائياً، يكون في أغلب الأحيان قابلًا للتطبيق أكثر مما تظن؛ لأنك لا تتنافس مع أي شخصٍ آخر. إذا كنت تريد بناء هوية جديدة لنفسك؛ فلا بد أن تبدأ من الصفر. ولكن، إذا كان لديك هدفٌ يتطلب الموافقة من شخصٍ آخر، فينبغي أن تحاول القيام بشيءٍ جريءٍ لأن جو التنافس في الأساس معدوم.

بالرغم من أنني أقول لك: “لا تختر أهدافاً كبيرةً في حال كان الأمر يتعلق بالأداء أو المظهر”؛ فاعلم أنه من الممكن أنك لا تزال تشعر برغبتك حيال هذا الأمر. (“أريد كسب 10000 $ أخرى هذا العام!” أو “أريد أن أخسر 50 جنيه هذا العام!”).

سأستمر بإعطاء نصائح حول قوة العادات الجيدة، ولكن إذا عزمت على بلوغ هدف الأداء الكبير، فهناك أمرٌ واحدٌ يجب أن تعرفه ..

الإخفاق لا يعني الهزيمة:

إنني أرى الإنجاز كمزيجٍ من التنفيذ والتقدير -تيم فيريس

عندما تسعى لتحقيق هدفٍ ما، مهما كان حجمه، تذكر أن تقدر مدى التقدم الذي أحرزته. فأول شيء يفعله الكثير منا عندما نخفق في بلوغ الأهداف العالية التي وضعناها لأنفسنا، هو الشعور بالاكتئاب؛ لأننا فشلنا. كما أنني أتصارع مع الأمر ذاته تماماً مثل أي شخص آخر. والحقيقة بالفعل هي أنه حتى لو لم نتمكن من تحقيق أهدافنا العالية، فإننا أفضل حالاً مما كنا عليه من قبل. وهذا بالضبط ما كان يتحدث عنه فيكتور فرانكل في الفيديو أعلاه.

إنه من الصعب للغاية أن تفشل بالكامل إذا كان هدفك عالياً بما فيه الكفاية. ولكن، من السهل جداً أن تشعر كفاشلٍ حتى لو أنت أفضل حالاً مما كنت عليه في بداية الطريق. فأنت بحاجةٍ إلى الموازنة والتي تكون عبارةَ مزيجٍ من التقدير والتنفيذ معاً عندما تبلغ الأهداف العالية، ولا يمكن أن تكتئب لكونك قطعت نصف الطريق؛ لأنه في أغلب الأحيان، المسافة التي قطعتها تكون أبعد مما تستطيع قطعه في حال عزمت أن تبدأ من البداية. إذا أردت أن تمضي نحو تحقيق أهدافٍ جريئةٍ، وأردت أن تبقى سعيداً، إذن؛ لا يمكن أن يكون لديك فكرة النجاح أو الفشل. افعل ما بوسعك حتى تكون راضياً وكن ممتناً لما حققته طول الطريق.

مجتمعنا يتوقع أشياءً رائعةً منك:

إذا كنت لا تعتقد أن أي شخصٍ يتوقع أشياءً رائعةً منك، فأنا هنا لأقول لك أنني أتوقع منك. لا أتمنى أكثر من أن يكون مجتمعنا مليئاً بالأشخاص الذين يضعون نصب أعينهم أهدافاً ذات قيمة، ويحاربون من أجل الارتقاء بمعايير الجودة، ويستمتعون بالحياة التي رسموها لأنفسهم. لا يهمنا من أين تبدأ، لا يهمنا مدى المسافة التي تعتقد أنها تفصلك عن الأهداف غير المنطقية التي رسمتها لنفسك. إذا كنت فرداً من هذا المجتمع، فلا يهمُّ من أين أنت قادم لأنك لن تبقى هناك وقد أصبحت في أفضل حال.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *