التفكير السلبي والتفكير الإيجابي - عُلّمنا

التدقيق اللغوي: رحاب أحمد

المراجعة: دلال السميران

لدي صديقٌ لديه عادةٌ سيئةٌ في رواية تجاربه كما تحدَّث فأستفزه ممازحًا له كونه غير مخططٍ لحياته، لِنكن منصفين كلنا نفشل في مواجهة الحياة على أكمل وجه، عادةً تتعب عقولنا من الأفكار ولا تسمح لنا بالتركيز التامّ حتى فيما هو مناسبٌ لمستقبلنا.

أحيانًا هذا جيدٌ فيسعدني ألّا أتذكر اجتياز فترةٍ طويلةٍ من تنقلاتي اليومية لأن ذهني مرهقٌ ونشاطاتي الصباحية قد تتم بطريقةٍ تلقائيةٍ، لكن لا أريد الاختفاء أكثر من اللازم عن الحياة ففي كثيرٍ من الأحيان نأكل الوجبات بدون تذوقها وننظر إلى الأشياء الجميلة دون رؤية جمالها، التبادل الكامل مع ابنتي من الممكن أن يحدث دون وجودي هناك على الأطلاق، أرجو أن تسامحني.

في الآونة الأخيرة اكتشفت كم نغفل ليس عن العالم فقط بل أيضًا عن مكامننا الداخلية عندما تكون عقولنا مشوشةٌ، في دراسةٍ نُشرت في مجلة العلوم النفسية لهذا الشهر أثبتُّ أنا وطالب الدراسات العليا “Shira Baror” بأن القدرة على التفكير الإبداعي والابتكاري تقل بشكلٍ ملحوظٍ بسبب التفكير المشتت والإصابة بالاجترار الوسواسيّ وأشكالٍ أخرى من العبء الذهني، يفترض العديد من علماء النفس بأن العقل الذي يُترك لرغباته يميل لاتباع مسار تفكيرٍ خاطئٍ للأحداث المألوفة، لكن النتائج التي توصلنا إليها تشير إلى أن التفكير الابتكاري ليس تفكيرًا روتينيًا فهو أسلوب تفكيرٍ تلقائيٍّ عندما تكون عقولنا صافيةٌ.

في سلسةٍ من التجارب أعطينا المشاركين مهمة التواصل الحر في الوقت نفسه يُفرض على قدراتهم العقلية بعض العبء بدرجاتٍ مختلفةٍ في آنٍ واحدٍ، على سبيل المثال في إحدى التجارب طلبنا من نصف المشاركين أن يتذكروا سلسلةً من سبعة أرقامٍ في حين أن يتذكر النصف الآخر رقمين فقط، أثناء حفظ المشاركين تلك السلاسل من الأرقام في ذاكرتهم أعطيناهم كلمةً مثل “حذاء” (بصيغة المفرد أي حذاء لقدمٍ واحدة) وطلب منهم الرد بأسرع ما يمكن بأول كلمةٍ بادرت إلى ذهنهم على سبيل المثال “جورب” (مفرد جوارب).

حينها اكتشفنا أن العبء الذهني المرتفع يقلل من أصالة وإبداع الاستجابة باستمرارٍ، إحصائيًا يلجأ المشاركون الذين يتذكرون سبعة أرقامٍ إلى الإجابات الأكثر شيوعًا مثل (أبيض/ أسود)، في حين أعطى المشاركون الذين يحتفظون في ذاكرتهم برقمين إجاباتٍ أقل نمطيةً وأكثر تنوعًا مثل (أبيض/ سحابة).

وفي تجربةٍ أخرى اكتشفنا أن فترة الاستجابة الأطول مرتبطةٌ بإجابةٍ أقل تنوعًا واستبعدنا إمكانية أن يكون المشاركين الذين يعانون من عبءٍ ذهنيٍّ أقل استغرقوا وقتًا أطول لإيجاد إجابةٍ مميزةٍ، بدلًا من ذلك يبدو أنه مع العبء الذهني العالي يحتاج المشاركون مزيدًا من الوقت حتى من أجل الحصول على الأفكار التقليدية، تشير هذه التجارب إلى أن الأسلوب الطبيعي للعقل هو الاستكشاف والعمل الإبداعي ولكن عندما يُجهَد العقل فإنه يبحث عن الإجابة المألوفة وحتمًا الأقل تميزًا.

بشكلٍ عامٍ هناك توترٌ ذهنيٌّ بين الاستكشاف والاستغلال، عندما نستكشف فإننا نهتم بالأمور ذات النطاق الواسع والغريبة والرغبة في التعلم، في أوقاتٍ أخرى نعتمد على أو نستغل ما نعرفه من قبل ونميل إلى توقعاتنا، كما أننا نثق بشكلٍ مريحٍ بما هو متوقعٌ ونميل أكثر للاستكشاف عند السفر إلى بلدٍ جديدٍ بينما نميل نحو الاستغلال حالما نعود إلى المنزل بعد يوم عملٍ شاقٍّ.

لقد أمضينا الكثير من حياتنا في مكانٍ ما بين هذين النقيضين فهناك فوائد وظيفيةٍ لكلٍ من تلك الأنماط، إن لم نكن استكشافيون لن نغامر بالخروج من الكهوف وإن لم نستغل وثوقنا بما هو مألوفٌ سنتعرض للكثير من المخاطر ونهلك، لكن هناك احتياجٌ لتوازنٍ صحيٍّ لذا تشير دراستنا إلى أن استكشافك الداخلي غالبًا ما ينقص بسبب عقلك المشغول بشكلٍ مفرطٍ كما هو الحال مع خبراتك في البيئة الخارجية.

في الحياة اليومية قد تجد نفسك تضغط على عقلك بطرقٍ مختلفةٍ كحفظ قائمة أغراض البقالة لشرائها في وقتٍ لاحقٍ من السوق المركزي (السوبر ماركت) أو تكرار اسم شخصٍ التقيت به للتو لكيلا تنساه أو تتدرب على حوارك قبل الدخول للاجتماع، هنالك أيضًا بالتأكيد الشرود المتواصل للعقل الطبيعي كما أن هناك الكثير من الأمراض على الأقل المزمنة مصدرها العبء الذهني مثل الاجترار الفكري الوسواسيّ بسبب الإجهاد والقلق والاكتئاب، يمكن لجميع تلك الضغوطات أن تستهلك القدرات العقلية مما يؤدي إلى تفكيرٍ بطيءٍ وعدم القدرة على الشعور بالمتعة.

خلال العامين الماضيين أهديت نفسي في عيد ميلادي أسبوعًا من الهدوء في جلسة “فيباشنا” للتأمل، البقاء هادئًا لمدة أسبوعٍ ومحاولة إبعاد العقل عن التفكير ليست لضعاف القلب ولكن أود أن يحاول الجميع فعل ذلك ولو لمرةٍ واحدةٍ على الأقل، خلال جلستي الأولى تساءلت كيف يمكن للطماطم
البسيطة أن تكون ذات مذاقٍ جيدٍ، لماذا لم أنتبه للآلام الجسدية أكثر، كيف كان ممكنٌ النظر إلى زهرةٍ واحدةٍ لمدة 45 دقيقةً فما بالك بالاستمتاع بذلك، كانت أفكاري جديدةً ومثيرةً للدهشة عندما عدت للتفكير الإيجابي في شيءٍ بدلًا من لا شيءٍ كان منعشًا ومثيرًا للدهشة أكثر.

وقد اتضح أن جلسة التأمل القديمة تساعد على تحرير العقل لأن يكون لديه تجارب غنية في الحاضر، باستثناء عندما تحلق بطائرة “F-16” أو تعاني من خوفٍ شديدٍ أو الحصول على نشوة الجماع، حياتك ستترك مجالًا كبيرًا لعقلك بالتساؤل، نتيجةً لذلك فإن جزءًا صغيرًا من قدراتك العقلية مازال متفاعلًا مع ما كان سابقًا ويصبح الشرود الذهني والاجترار الوسواسيّ مرهقٌ بالنسبة لطبيعة حياتك، كما تشير دراستنا إن صقل قدراتك للتحرر من العبء الذهني
سواءً كان من خلال التأمل أو بعض الممارسات الأخرى يمكن أن يجلب تجربةً بالغة الروعة لعقلك.

المصدر:

https://www.nytimes.com/2016/06/19/opinion/sunday/think-less-think-better.html?_r=1

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (1 تصويت , المعدل: 4.00 من 5)
Loading...

About The Author


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *


You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

انضم الى قائمتنا البريدية

البريد الالكتروني