ضغوطات العمل عن بعد

ترجمة بتصرف لمقال:( The Stress of Remote Working
by Hackernoon)

الترجمة: ندى حمود.

التدقيق: رهف الفرج.

المراجعة: أسامة خان.

يبدو العمل عن بعد عملًا منطقيًا بالنسبة لهندسة البرمجيات حيث كل ماتحتاج اليه في معظم الوقت لأداء مهامك هو حاسب آلي واتصال بالانترنت فقط، لذا قلّت الأسباب التي تتطلب الحضور في مكتب يوميًا، وبناءً على ذلك أصبحت ميزةً ذات أهمية للكثير من وظائف تقنية المعلومات حتى في بلجيكا، وعلى الرغم من أنه بالتأكيد ليس سوق العمل الأكثر تطلعًا إليه، ومع ذلك عروض العمل عن بعد معظم الأوقات تنطبق فقط على جزء من الأسبوع (كما يبدو أن يوم أو يومين في الأسبوع هو العرض الأكثر شيوعًا هنا) وعلى الرغم من ذلك فإنها بالتأكيد شاعت بمعظم الشركات.

هناك عدد من الجوانب الجيدة عن العمل عن بعد وأرى أن هناك دفاع شديد عن هذه المهنة واتفق مع غالبيته، للآن عملت عن بعد لأكثر من خمس سنوات ويجب أن أعترف بأن العمل عن بعد لا يأتي بدون ضغوط، قد يفاجئ ذلك البعض ولكن في النهاية أعتقد أن العمل عن بعد قد أرهقني في السنتين الماضيتين، خاصةً عندما عملت عن بعد كليًا لمدة سنة من يونيو 2016 إلى يونيو 2017.

إذًا ما الذي يجعل العمل عن بعد مجهدًا؟

التجريد من الانسانية

إذا كنت تعمل عن بعد فإن التواصل يميل إلى الالتزام بمسارات مهيكلة: الدردشات, اجتماع الاستعداد اليومي وربما بعض الاجتماعات العالمية (لإسترجاع أحداث وضع الشركة) بين كل أسبوع وآخر، ويستخدم برنامج جيرا (Jira) لتنظيم المهام والتقارير للإبلاغ عن المشاكل والكثير «الكثير» من رسائل البريد الإلكتروني ويخدم ذلك جيدًا إنجاز المهام المهيكلة ولكن قد تشعر أحيانًا بأنك منقطع عن الشركة وحقيقة أن معظم التواصل يتم عن طريق الكتابة أو يكون أمام مجموعة من الناس يجعل التواصل غير مناسبًا للمحادثات البسيطة أو الشخصية، قد يعيق هذا عملك حيث أن مجرد التحدث عن بيئة العمل يمكن أن يوصل معلومات مهمة جدًا حول التقدم السلس للمشاريع ولكن الأكثر أهمية أنها قد تمنعك من الشعور بأنك جزء من المجتمع. 

كما أن التبادلات الكتابية أكثر عرضة لسوء الفهم حتى مع الناس المقربين منك ناهيك عن إذا قضيت يومك بالكتابة على لوحة المفاتيح لإنجاز مهامك البرمجية قد يكون من المزعج أن يكون تواصلك مع الآخرين على هيئة مكتوبة أيضا وقد ينتهي بك الأمر بالشعور بأنك آلة معالجة للنصوص. 

لذا بعد أن عملت عن بعد لبعض الوقت اشتقت إلى محادثات القهوة والتي كنت أعتقد سابقًا بأنها مضيعة للوقت وشعرت بأني منعزل عن الفريق خاصةً عندما يكون الفريق الذي أعمل معه مكون من أشخاص يعملون معًا في نفس المكتب أو المكان ويبدو أنهم مستمتعين معًا.

المقاطعات وتعدد المهام

عند العمل عن بعد كمطور ستكون المحادثات (غالبًا باستخدام سلاك (Slack) أو هيبتشات (Hipchat)) هي حبل الوصل بينك وبين الشركة حيث سيتواصل كثيرون معك عن طريقها، وبالنسبة لي سرعة الاستجابة في تلك المحادثات هو مثل تواجدك في المكتب على الوقت وهذا يعطي مظهر الثقة، وذلك يعني أنه إذا كنت لاتريد أن تترك انطباعًا أنك تأخذ عددًا من الاستراحات فقد تجد نفسك تتفحص تنبيهاتك أثناء تناولك الغداء على سبيل المثال، بينما لو كان الآخرين رأوك تعمل طيلة النهار أو كنت تتحدث مع زملائك في تلك اللحظة ستشعر بعدم الحاجة إلى الاجابة فورًا. أدركت في الواقع أن الزملاء الآخرين العاملين عن بعد قد تعرضوا للانتقاد لأنهم كانوا لا يجيبون بسرعة على المحادثات

جزء من المشكلة هو أن الناس لا يستطيعون رؤيتك شخصيًا في تلك المحادثات لذا لا يمكنهم أن يحزروا ما إذا كُنت في لحظة مناسبة للمقاطعة ولهذا تتم مقاطعتك كثيرًا وإذا كنت مثلي تشعر بأنك مجبر على الإجابة بسرعة بالتالي ستقطع عملك كثيرًا، وفي حال لم تكن تعرف: يكره المبرمجون المقاطعات حيث أنها تؤثر سلبًا على إنتاجهم كما تُفقدهُم تركيزهم. 

المشكلة الأخرى في المحادثات عن بعد هي أن الآخرين لا يعلمون ما إذا كنت تتحدث بالفعل مع شخصٍ آخر، ولا يمكنني عد المرات التي تجاوبت فيها لثلاث محادثات مختلفة في الوقت نفسه وبالنسبة لي قد يصبح ذلك مرهِقًا خصوصًا عندما يكون لدي مهام لإنهائها بنهاية اليوم.

ويجب أن أذكر أيضًا أن هنالك غالبًا محادثات لـ«التسلية» أنشئت للأشياء غير المتعلقة بالعمل (محتواها عادةً نكت) ويمكن أن تكثر فيها المحادثة، وحفاظًا على سلامة عقلي على الاقل أظن أن علي تصميت تلك المحادثات في معظم الوقت ولكن عندما تعود لقراءة كل تلك المحادثات قد تبدو مهمة شاقة لتتدارك كل ما قيل فيها، وعلى الرغم من ذلك قد تكون هذه هي فرصتك الوحيدة للاحساس بـ«روح العمل» الذي تفتقده أثناء عملك عن بعد.

الإجهاد

هناك نوعين من الالتزامات يجب عليك الالتزام بها عند قيامك بعمل ما:

  • نتائج الالتزامات: هي الالتزام بإعطاء نتيجة معينة في تاريخٍ محدد، وعادةً بالنسبة للمطور يعني ذلك انجاز مهمة تصحيح الأخطاء أو تطوير الميزات.
  • وسائل الالتزامات: هي الالتزام بشكل رئيسي على قضاء بعض من وقتك كل يوم في العمل لإعطاء النتائج التي أنتجت خلال ذلك الوقت. 

أنا لست مبتدئًا وأعرف أن معظم المهام في هندسة البرمجيات تتمحور حول النتائج (وإذا لم تنتج شيئًا ستطرد في نهاية الأمر) وليس الوسائل ولكن في حين أن لا يمكن للآخرين رؤيتك وأنت تعمل فقد تشعر بالالتزام لإظهار النتائج كل يوم حتى ولو أرغمت نفسك على العمل لأكثر من 8 ساعات في اليوم، وعلى سبيل المثال؛ لا أستطيع عد المرات التي أخذت فيها مشكلة تكوين أو مكالمة عميل عدة ساعات من يومي ولكن شعرت بأني مكلف بإنهاء المهمة التي التزمت بها في ذلك اليوم، حتى لا يمكن لأي شخص أن يفترض بأني تكاسلت بدلًا من إكمال مهامي، وأعتقد أنه عندما يراني أشخاص آخرين وأنا أعمل على حاسوبي طوال اليوم سأرتخي وأقرر إنهاء العمل في الأيام القادمة. 

وهذا يؤدي إلى أمرين بالنسبة لي: أقدِّر حقًا مصداقية نتائجي.. وأيضا مرهق جدًا من العمل، ووفقًا لجايسون فريد (Jason Fried) من بيسكامب (Basecamp): هذا هو التحدي الحقيقي لإدارة العاملين عن بعد: العاملين بإرهاقٍ عالٍ

وفي الأخير كل هذا يساوي عندي مسألة الثقة: وثق صاحب العمل بك كثيرًا ليسمح لك بالعمل بشروطك الخاصة ولكن في المقابل شعرت كثيرًا بأني مرغم دائمًا على العمل أكثر مما لو كنت أعمل في مكتب.

العمل عن بعد والأبوة

عندما تقضي جزءًا كبيرًا من وقتك في المنزل تراك عائلتك متفرغًا أكثر مما ينبغي، حتى وإن كان لديك أماكن خاصة للعمل ولابد أن تُحظر على أطفالك ويظل المحظور مرغوب ويأتون لسؤالك عن «أشياء بسيطة جدًا» وخاصةً بالنسبة للأطفال من الصعب فصل جزء لهم من المنزل، وفي الواقع إنه صعب علي أنا كذلك.. 

وهذا من شأنه أن يجعل محادثة الفيديو موترةً قليلًا فعلى سبيل المثال عندما تتحدث مع عميل تفاجأ بظهور أحد أبنائك خلفك بالفيديو، وإليك المثال الأكثر شهرة لما أقصد:

https://twitter.com/i/status/947527798519762944

وأعرف أيضًا أن هناك أشخاصًا يواجهون مشاكل في أداء واجبات المنزل مثل تنظيف المطبخ، وبالنسبة لي لم يسبب ذلك مشكلة أبدًا ولكن من ناحية أخرى خلق هذا الأمر بعض التوتر بيني أنا وزوجتي من حين لآخر حيث كان من الصعب عليها فهم لما قد أترك طبقًا متسخًا في غرفة الطعام بينما أنا في المنزل طوال اليوم، والاجابة هي أني كنت أعمل وأتجنب المقاطعات…

الوِحْدة

قد يشعرك العمل في المنزل طوال الوقت بالوحدة وعلى الرغم من حبي للعزلة إلا أن بعد أسبوعين من كوني محصورًا فقط على رؤية زملائي عبر الشاشة ثم رؤية عائلتي في الليل أشعر بالحزن نوعا ما كما أني أفتقد شعور الاندماج في المجتمع.

قد تساعد شبكات التواصل الاجتماعي قليلًا ولكن من الناحية الأخرى استخدام شبكات التواصل الاجتماعي في وقت فراغك لا يختلف عن عملك على حاسوبك وعلاوة على ذلك: متداول أن قضاء الكثير من وقتك على شبكات التواصل الاجتماعية بالأحرى يميل لأن يجعلك أقل سعادة. وفي نهاية الأمر بدأت أكره شعور الوحدة غالب الوقت وكان لذلك تأثير سلبي على صحتي العقلية والنفسية وتعد تلك الظاهرة موثقة.

وإحدى أفضل الطرق التي يُنصح بها للقضاء على الوحدة هي أماكن العمل المشتركة، بالنسبة لي إنها تشكل اتجاهات مختلفة: لأنها تكلف مبالغًا طائلة (ولا تدري ما إذا صاحب العمل سيدفعها أم لا) وغالبًا ما تتطلب التزامًا (عادةً يجب عليك التسجيل لمدة شهر على الأقل)، بإمكانهم إنشاء رابطة اجتماعية (وبالنسبة لي وفروا لي الكثير من فرص العمل خاصةً في بيتا كوورك Betacowork) ولكن قد تشعر قليلًا بأنها نُزُل عطلات بأنشطتها اليومية (مثل الطبخ والتدليك واللقاءات) لإرغام الناس على مخالطة الآخرين.

وخذ بعين الإعتبار إني سبق وذهبت إلى إحدى أماكن العمل المشتركة ولكن لم يكن هنالك أي مخالطات اجتماعية مما جعلني استسلم سريعًا حيث بدى الأمر بلا جدوى، ذهبت إلى ذلك المكان حتى لا أشعر بالوحدة ولكن لم أتحدث لأي شخص طوال اليوم لذا مفهوم العلاقات الاجتماعية الإجبارية ما زال غامضًا بالنسبة لي.

وهناك مشكلة أخرى بخصوص أماكن العمل المشتركة ألا وهي أنك قد تقضي وقتًا طويلًا في التنقل وثم تعمل بينما ترتدي سماعاتك حتى لا تشتت انتباهك ونادرًا ما تأخذ وقتًا للراحة لأنك أضعت وقتك في التنقل، وبالاضافة إلى ذلك شعورك بالحرج لعدم تحدثك مع أحد أثناء تواجدك في حين أنه السبب الرئيسي لتواجدك في ذلك المكان هو التواصل الاجتماعي. ناهيك عن مكالمات الفيديو التي تصعب بتلك الأجواء حيث أنه لا مكان لتختلي فيه، فقد ينزعج الآخرين من مكالمتك وربما أحيانًا هنالك معلومات لاتريد لأحد غريب سماعها.

الجهد الذي تبذله لتحديد مكان لتعمل فيه كل يوم 

قد أكون أنا الوحيد من يفكر هكذا ولكن التفكير في أين سأعمل اليوم وما الذي يجب علي أخذه من معدات (مثلًا: لوحة المفاتيح أو المحولات أو الشاحن) وأدى ذلك لعددٍ من المشاكل من عدم مقدرتي على توقع وجود تلك المعدات طوال الوقت في المكتب نفسه.

كما أن العمل في المقهى فكرة سيئة أو على الأقل في الأيام التي يكون فيها العمل كثيرًا، المكان مزعج للغاية ولا أحبذ الزامي بأكل أو شرب شيء ما كل ساعة (وقد يختلف رأيك عني) كما أن الكراسي تؤلم ظهري.

لا تغادر «العمل» اطلاقًا

وعندما تعمل عن بعد لاتغادر مكان عملك حتى في الليل وعلاوة على ذلك عند عملك مع أناس من مناطق زمنية مختلفة قد تتواصل معهم حتى عند نهاية يومك بسبب فارق التوقيت (وقد حصل لي ذلك لمدة أشهر أثناء عملي مع أشخاص يسكنون في نيويورك أو سان فرانسسيكو) وغالبًا مايكون ذلك منطقيًا حيث أنه من ناحية أخرى أحيانًا لا يكون لديك المتسع من الوقت للتواصل مع فريقك وقد يعيق ذلك من تقدم المشروع، ولكن هذا يعني أنه لا يمكنك التوقف عن التفكير بمشاغل العمل حتى في وقت فراغك وكما ذكرت سابقًا أنه مضر لصحتك العقلية على المدى الطويل.

العمل في المنزل لا يترك لك وقتًا شاغرًا لترتاح فيه عند عودتك للمنزل بعد العمل، وبالنسبة لي المدة الزمنية المثالية للإنتقال هي ما بين 15 إلى 20 دقيقة مما يسمح لي بالمشي في الأرجاء لبعض الوقت وعلى الأقل يعد هذا نشاطًا جسديًا وأيضًا لتصفية ذهني بعض الشيء، وكان هناك ليالي حيث وصل الأمر أني انتقلت في غضون 30 ثانية من اجتماع عمل إلى طاولة الطعام لتناول العشاء مع عائلتي وعلي القول أنه ليس بالأمر السهل أن أعطي أطفالي اهتمامًا كافيًا في مثل تلك المناسبات.

المخاطر الوظيفية

يجعلك العمل عن بعد أقل بروزًا في الشركة وإذا كنت تنوي الحصول على المزيد من المسؤوليات مع مرور الوقت في عملك فقد يشكل ذلك مشكلة، وعلى سبيل المثال عملت سابقًا لشركة حيث شعرت بأن موظفيها «اللذين يعملون في المكتب» فُضلوا للحصول على الترقيات لذا يجب عليك أيضًا أن تضع هذا بعين الاعتبار عند عملك عن بعد. 

وكملحوظة فكاهية يجب عليك أن تضع بعين الاعتبار أن العمل بارتداء بنطالك المريح لسنين ومن غير أن تحلق وبلا أي قيود بالنسبة للوقت قد يجعلك ذلك غير مؤهل للعمل في المكتب مرة أخرى، كما قد تعاني من تدهور في مهاراتك الاجتماعية:




الخاتمة

استمتعت بعملي عن بعد على مدى السنوات الماضية وكان نعمة لعائلتي وخاصةً زوجتي فحينما كان الأطفال صغارًا أعتقد بأنه سهل السعي إلى تحقيق أحلامنا المهنية بلا متاعب وبالاضافة إلى ذلك كان لدي الوقت للعناية بالأطفال عند مرضهم والذي كان يحدث كثيرًا في طفولتهم، وكان لهذه المرونة في العمل ثمن فاضطررت إلى العمل في المساء وفي نهاية الأسبوع ولكن مازلت أقدر هذا العمل كثيرًا.

كما أتاح لي العمل عن بعد الانضمام إلى فرق ذات جودة عالية والتي لا أجدها في سوق العمل المحلي وأتاح لي العمل في مشاريع طموحة ولذلك مازلت من المعجبين وبشدة بهذا العمل. ومن ناحية أخرى بعد العمل عن بعد لأكثر من 5 سنوات يجب علي القول أنه بعض الأحيان كان له تأثير سلبي على راحتي النفسية وكما أثر على علاقتي مع عائلتي وجعلني شخصًا انفعاليًا في أكثر الأحيان، قبل أن تخوض هذه التجربة قد تبدو لك أنها الحل الأمثل لحياتك ولكن كما وضحت سابقًا هناك الكثير من الطرق الغير متوقعة التي قد تسبب لك الإجهاد.

مجمل القول أن مشكلتي الأساسية هي الشعور بأني آلة لمعالجة النصوص واستقبال البريد وتذاكر جيرا (Jira) والتعامل مع رسائل المحادثات كمدخلات وكتابة البرمجيات كمخرجات دون أي تفاعل بشري لجعلها ذات معنى، ولا أريد أن أصبح نوعًا من الصندوق الأسود للمطوريين.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *