حل مُشكلة تغير المناخ يكمن في الجامعات

ترجمة بتصرف لمقال:( The solution to climate change will be forged in our universities
by world economic forum)

ترجمة: أفنان تركي 

تدقيق: درة سعد

مراجعة: محمد الرميح

من أجل مواجهة مُشكلة تغير المناخ هدفت اتفاقية باريس عام ٢٠١٥ إلى الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية بتقليلها درجتين. بخلاف ذلك، أثبتت الدراسات الأخيرة أن درجة حرارة كوكبنا ستتعدى الحد نهاية هذا القرن. كما يوجد دليل آخر على أنه حتى لو لم يكن هناك انبعاث وقود إضافي ستزيد حرارة كوكبنا درجة إضافية. جميع هذه التنبؤات خطيرة؛ لكن الكفاح من أجل مستقبل كوكبنا لم ينتهِ بعد! 

يجب أن نعمل الآن للحد من تغير المناخ الذي يهدد الصحة العامة والاقتصاد العالمي والمحاصيل الزراعية والمساواة الاجتماعية والكثير من جوانب الحياة الأخرى.

ستتطلب معالجة هذه الأزمة جهود واسعة النطاق وخبرات عالية. على كُلٍ من الحكومة وقطاعات الأعمال الغير ربحية والأكاديميين أن يتعاونوا في «بناء مستقبل مشترك في عالم مُمزق». موضوع الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام ٢٠١٨

يمكن أن تكون الجامعات من الشركاء القيمين؛ فهي موطن للبحوث الرائدة، وتقام فيها مختلف البرامج والندوات التعليمية التي يرأسها مُختلف الخبراء. الجامعات هي المكان الأنسب لفهم التغير المناخي والحد منه وبناء مستقبل مستدام.

إطلاق اكتشافات جديدة وسياسات إعلامية

تُعتبر الخبرات الجديدة أساسية لفهم ومقاومة آثار تغير المناخ. هذه الخبرات تتضمن بناء طاقة أنظف، ومزارع أكثر اخضرارًا وطرق للحد من ثاني أكسدي الكربون. وبالطبع، العلماء هم المسؤولون عن تحليل مدى انتشار الاحتباس الحراري، وسُبل مساهمة البشر في ذلك. يشارك المفكرون في المجالات الأخرى في إبراز حجم المشكلة واكتشاف الحلول، مثل تشكيل سياسة عامة، ودراسة المعتقدات والسلوكيات، وتغيير الهياكل الاجتماعية والاقتصادية، وإيجاد أفضل الطرق للتواصل مع المجتمعات وتثقيفها.

إن المنهج الناجح في مقاومة الاحتباس الحراري والعواقب الأخرى لتغير المناخ الأخرى يتطلب نظرة ثاقبة وخبرة في مختلف التخصصات؛ فعلى سبيل المثال مؤشر الأداء البيئي (EPI) الذي تقوده جامعة بيل جمع عددًا من العلماء في مختلف التخصصات؛ مثل علماء البيئة والبيانات والاقتصاديين السياسيين والأخصائيين القانونيين، وبالتعاون مع الجامعات والمؤسسات الأخرى والمنتدى الاقتصادي العالمي. يمنح مؤشر الأداء البيئي (EPI) صورة عالمية للكفاءة البيئية، بحيث يُقيم الدول بحسب نظم حماية صحة الإنسان والنظم الاقتصادية. تُعطي البيانات المأخوذة من EPI ملحوظات قيمة مثل تأثير المناخ في أفضل الدول المختارة التي ينبعث منها الكربون.

مساعدة المجتمعات من خلال بحوث متعددة التخصصات

تقوم الجامعات بأبحاث خارج الإطار الجامعي للفت انتباه المجتمعات لقضية التغير المناخي. فعلى سبيل المثال يساعد معهد كورنيل للحلول المناخية الذكية المزارعين على مواجهة التأثير السلبي للتغير المناخي عن طريق توفير أدوات اتخاذ القرارات ومراجع أخرى على شبكة الإنترنت، ويستكشف برنامج بيل لتغير المناخ ردود أفعال الناس تجاه معلومات تغير المناخ. وهذه النتائج تساعد الهيئات التشريعية وصانعي السياسات والمعلمين ووسائل الإعلام في صياغة رسائل أكثر فعالية حول هذا الموضوع المهم.



بالنسبة لمشروع تغير المناخ الدراسي في جامعة ستانفورد، قام العلماء والمعلمين بوضع مناهج دراسية حول التغير المناخي للأطفال في المرحلتين المتوسطة والثانوية. جامعة (تسيغوها) في بكين ومعهد (ماساتشوستس) للتكنولوجيا اجتمعا معا للعمل في مشروع طاقة ومناخ الصين لدراسة القوانين في الصين وتطوير إدارة التغير المناخي فيها.

من شأن البحوث الجديدة الواعدة في أروقة الجامعات حول العالم أن تُقدم فهمًا عميقًا للتغير المناخي في عدة مواضيع مثل: – استهلاك الطاقة، أمان الأطعمة، الأحوال الجوية القاسية، تكيف النظام الاقتصادي، صحة الإنسان… وغيرها الكثير. في هذه اللحظة الحاسمة، من المهم زيادة الدعم المالي من قبل الحكومات للبحوث والتطوير في الجامعات. تعتبر الجامعات، خلال أغلب سنين القرن العشرين، محرك الإكتشاف الأساسي، ولا يمكننا التخلف عن الركب الآن!

 تجهيز القادة المستقبليين

سيواجه جميع طلابنا حول العالم نتيجة تغير المناخ، والمعلمون هم المسؤولون عن إعدادهم للتغلب على هذا التحدي الكبير.

تُعد الجامعات البيئة المثالية لاحتضان الأفكار التي ستغير العالم. مثال على ذلك:- جائزة ويندي سميث في عام ٢٠١١ لتنظيف النفط، وهي جائزة قدرها مليون دولار، أُعطيت للشركة التي طورت معدات لاستعادة الانسكاب النفطي، والتي صُنعت وفقًا لتصميم أنشأه طلاب جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا كمشروع تخرج. 

بغض النظر عما إذا كان مشروع أحد الطلاب سيتحول إلى تقنية تُستخدم في هذا المجال، فإن التعليم العملي (في شراكات تتجاوز حدود الجامعات) أمر أساسي لإشراك الطلاب وتعريفهم بالعمل الهام الذي قد يقومون به بعد التخرج. من الضروري أن نعلم الطلاب أن ينقلوا الأفكار، وأن يحصلوا على الدعم من المستثمرين، والأهم من ذلك، أن يتعلموا قيمة مواجهة الصعوبات الاجتماعية والتكنولوجية والعلمية (مثل تغير المناخ) من خلال التفكير الإبداعي والتعاون المشترك بين التخصصات.

الطلاب هم أملنا الكبير في بناء مستقبل مستدام. ويُعد إعطاء الطلاب فرصًا للتفكير النقدي ومنحهم خبراتنا المتعلقة بالمناخ استثمارًا مهمًا في تطوير الجيل القادم الذين هم صناع سياساتنا وقادة كوكبنا.

المختبرات الفعَّالة

من أجل تحقيق مهام الجامعات البحثية والتعليمية، تُعد باحات الجامعات مختبرات فعَّالة للأفكار الجديدة، حيث توضح للناس كيفية بناء مستقبل أكثر استدامة.

في عام ٢٠١٥، قامت جامعة ييل بتجربة برنامج تسعير الكربون. وقد يكون فرض رسوم على الكربون حافزًا قويًا لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. الآن في حرم جامعة ييل، تعمل تكلفة الكربون (وهي الأولى من نوعها في التعليم العالي) عن طريق إعداد الفواتير لكل وحدة إدارية داخل الجامعة بسبب انبعاثات الكربون المرتبطة بالمباني. يُطبق البرنامج على ٢٥٠ مبنى في ٣٤٥ فدانًا بالحرم الجامعي. نفذت مؤسسات أخرى، مثل جامعة برينستون وكلية سوارثمور، أشكالًا مختلفة من تسعير الكربون الداخلي.

كانت جامعة ييل أيضًا أول جامعة تنضم إلى ائتلاف قيادة تسعير الكربون، وهو اتحاد عالمي من الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات الأكاديمية وغير الربحية المكرسة لاستخدام تسعير الكربون من أجل تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة. وباعتبارها أول من تبنى تسعير الكربون، وتأمل الجامعة أن تساعد أبحاثها المؤسسات الأخرى المهتمة بتسعير الكربون الداخلي وخفض الانبعاثات. بدأت جامعة ييل بالفعل في تبادل الدروس المستفادة من الدراسة التجريبية.

الجامعات لديها فرصة ومسؤولية لجعل الاستدامة محور البحث والتعليم في الجامعات.

اجتماع المفكرين والقادة

الجامعات تعتمد على تبادل الأفكار المفتوح الحر، ويعد الالتزام بحرية التعبير أحد السمات المميزة لقوة تعليم أمريكا العالي مثل المنتديات المفتوحة حيث الأفكار المتنوعة تُسمع وتُناقش؛ لذا فيمكن للجامعة بدء محادثات مهمة حول تغير المناخ.

في أبريل ٢٠١٧، استضافت جامعة بكين رئيس وزراء النرويج لمناقشة الاستدامة وكيف يمكن إدارة العولمة مع حماية البيئة. في الوقت نفسه، عقد وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري مؤتمرًا حياديًا في جامعة ييل في سبتمبر ٢٠١٧، لوضع جدول أعمال بشأن تغير المناخ.

استمع الآلاف من طلاب جامعة ييل وأعضاء هيئة التدريس والموظفين والخريجين إلى وزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر وحاكم كاليفورنيا جيري براون ورئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونج كيم والممثل المناصر للبيئة ليوناردو دي كابريو إلى جانب الرؤساء التنفيذيين وكبار صانعي السياسات.

الجامعات: شركاء من أجل التغيير

وفقًا لاستبانة جديدة أجرتها جامعة بيل وجامعة جورج ميسون؛ فإن سبعة من عشرة أمريكيين يعتقدون بوجود الإحتباس الحراري، وأكثر من نصف الأمريكان (٥٨%) متيقنين أن تغير المناخ سببه الإنسان، تلقت هذه النظرية أعلى مستوى من الدعم منذ بدء المسح في عام ٢٠٠٨.



ورغم كل هذا، ينتظرنا الكثير من العمل لنثقف الناس، ونركز مواردنا الفكرية من أجل تطوير حلول فعالة لمواجهة التغير المناخي. 

يمكن للجامعات أن تلعب دورًا مهمًا في هذه الجهود. وباعتبارها مجتمعات فكرية متنوعة، يمكنها أن تزيل الحواجز الفاصلة من خلال تشجيع التعاون بين الخبراء في مختلف المجالات. ويمكنها أيضًا إلهام وتمكين الشباب، وإعدادهم لمستقبل يحكمه تغير المناخ. ويمكنها تجربة أفكار جديدة، وأن تكون بمثابة منتديات مُعدة للحديث والمناقشة، حيث تُشجع على المحادثات الهادفة التي يدور محورها حول هذه القضايا.

في عالم يسوده الاستقطاب والخلاف، يمكن للجامعات أن تُساعد في الوصول إلى توافق في الآراء، وتُعزز التعاون حول الأهداف المشتركة. يمكننا مواءمة نقاط قوتنا الأكاديمية مع المشاركة المحلية والعالمية في قضايا تغير المناخ، وبالتالي المساعدة في بناء عالم نسعد جميعًا بالعيش فيه. 

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *