سر الشعب الروزيتاني

ترجمة بتصرف لمقال: (The Mystery of the Rosetan People by life)

ترجمة: بيادر النصيان 

تدقيق: لينا

مراجعة: هيفاء الدباسي 

بدت وكأنها ينبوع افتراضي للفتوة، مع معدل وفيات بسبب نوبات قلبية يقارب نصف معدل وفيات المجتمعات المحيطة. نفس الماء، نفس الجيرة، نفس المزيج المهني، نفس معدل مستويات الدخل، نفس الأجناس. إذن ما الفرق؟ ولمَ؟

عليك أن تسأل (الروزيتانيين) عن الجواب، والسؤال التالي الذي يتوجب عليك أن تسأله، من هم (الروزيتانيون)؟

الروزيتانيون هم سكان قرية روزيتو (Roseto) في ولاية بنسلفانيا (Pennsylvania)، قرية جميلة لكنها بسيطة بشكل ملفت تقع في شرق الولاية. في عام ١٩٦٢م، وكأنه مشهد من فلم أوتبريك (Outbreak)، نزل المحققون للقرية بمعدات الباحثين العلميين كاملة… بمباركة من حكومة الولاية والحكومة الفيدرالية. كانت القرية مكانًا صحيًا للغاية للعيش فيه، ولا أحد تمكن من معرفة السبب. كان على هؤلاء الباحثين معرفة السبب، فمكثوا هناك سنوات عديدة.

توصل الباحثون من خلال البحث في شهادات الوفيات من عام ١٩٥٥م حتى عام ١٩٦٥م إلى أن سبب الوفيات كان واضحًا بشكل غير اعتيادي للعلم. وللتأكيد قُورن مجتمع الروزيتانيين بالمجتمعات المجاورة، بما في ذلك بلدتي نازرث (Nazareth) وبانغور (Bangor). استمرت التأكيدات في الظهور في كل شيء فعله الباحثون. واحتوت الاستنتاجات على تبعات هائلة منذ تأكيدها عام ١٩٩٢م.

 

ما السبب وراء قلة وفيات الروزيتانيين بسبب نوباتٍ قلبية مقارنةً ببلداتٍ مماثلة في أماكن أخرى؟ روابط عائلية. ملاحظة أخرى: كان لديهم علاقات عائلية ومجتمعية تقليدية متماسكة. تبين أنّ سكان روزيتو كانوا عائلات أمريكية إيطالية متماسكة فعلوا كل شيء بالطريقة الصحيحة وعاشوا بشكل صحيح، ولذا عاشوا فتراتٍ أطول.

باختصار، ازدهر الروزيتانيون بسبب علاقاتهم الاجتماعية.

من جميع النواحي، كانت هذه النتيجة السعيدة معاكسةً تمامًا للقوانين الصحية المؤكدة؛ كسر الروزيتانيون القواعد المتبعة لحياةٍ طويلة، وفعلوا ذلك باستمتاع ملحوظ، وعاشوا ليحكوا الحكاية.

كانوا يدخنون سجائر إيطالية قديمة ورديئة، رشفات ضئيلة من سيجار نتن ولاذع بشكل ملفت مضمونة لتعطي جرعة نيكوتين فعالة بشكل لا يصدق. كانت غير مصفاة أو مغشوشة بطريقة ما.

شرب كلا الجنسين النبيذ بلامبالاة ظاهرة، شراب سيجده أخصائي تغذية في حقبة عام ١٩٦٣م تقريبًا فاسد في القيمة الصحية. في الحقيقة، تم استهلاك النبيذ مفضلينه على كل المشروبات الغازية الأمريكية وحتى الحليب.

لم تكن وظائفهم وظائف مكتبية بسيطة، بل عمل رجال الروزيتانيون في ضواحي المدينة السامة مثل مناجم الصخور القريبة. كان العمل هناك خطرًا جدًا، ليس مجرد خطر يمكن تفاديه مع (الحوادث الصناعية) والأمراض البشعة الناجمة عن استنشاق الغازات والغبار وغيرها.

لم يتبعوا حميات منطقة البحر الأبيض المتوسط من زيت الزيتون والسلطات الخفيفة والأطعمة الخالية من الدهون. لا! لقد كان الروزيتانيون يقومون بقليّ النقانق وكرات اللحم بشحم الخنزير، كانوا يأكلون شرائح اللحم (السلامي) والأجبان الجافة والطريّة وكلها مليئة بالكوليسترول.

إضافة لذلك لم يُترك الروزيتاريون في حال سبيلهم، فقد كانوا في الواقع يعانون من تمييزٍ عرقيٍّ؛ كان وجودهم ليحلّوا محل عمال المناجم الإنجليز والويلزيين السابقين الذين لم يرحبوا بوجودهم كمهاجرين جدد. وعلى الرغم من عدم تأثرهم المباشر فإنه تجدر الإشارة إلى منظمة مولي ماغوايرز (Molly Maguires) العنيفة والشهيرة التي قتلت ونهبت المهاجرين ومرافق التعدين على بعد بضعة أميال من روزيتو.

لم يتدخلوا بشؤون الآخرين ولم يتعرضوا لأحد، لم يكن هناك معدل جريمة، وكان هناك عددٌ قليلٌ لطلبات المساعدة الاجتماعية -كان يطلق عليها سابقًا (إغاثة)-. هذا ليس خطأً مطبعيًا؛ كان معدل الجريمة صفر -بمعنى لم يكن هناك جرائم تم التبليغ عنها- ولم يكن هناك أي ملفات للمساعدات الطارئة.

كطرف من المعادلة: عاش الروزيتانيون وبغض النظر عن الدخل ومستوى التعليم حياةً اجتماعيةً تتمحور حول الأسرة، كان هناك غيابٌ تامٌ للتفاخر بين الأثرياء؛ بمعنى أنّ من كانت لديهم أموال أكثر لم يتفاخروا بها. كان هناك محاباةٌ مقصورةٌ تقريبًا على المشاريع المحلية، حتى مع المتاجر الكبيرة والمحلات القريبة في البلدات الأخرى. تزاوج الإيطاليون في روزيتو من مدن إقليمية في إيطاليا. كانت العائلات متماسكة، ذاتية الدعم ومستقلة، ولكنهم أيضًا اعتمدوا في الأوقات الصعبة على المجتمع الأكبر للحصول على مساعدة محددة وودية.

لم يكن هناك أحدٌ وحيدٌ في روزيتو. لم يبدُ أحدٌ غير سعيدٍ أبدًا أو مهمومًا للغاية. والدليل أن معدل الوفيات بسبب نوبة قلبية كان تقريبًا نصف ماكان عليه مَن حولهم. عانت بلدات أكثر ثراءً من النوبات القلبية على الرغم من أن المرافق الطبية والنظام الغذائي والمهن كانت إما أفضل أو على الأقل مساويةً لما هي عليه في روزيتو.

حوى كل بيت تمت دراسته على ثلاث عوائل، أو ثلاثة أجيال. لم يخصص لكبار السن مؤسسات رعاية ولم يكونوا مهمشين، ولكن تم تنصيبهم كقضاةٍ ووسطاءَ غير رسميين في الحياة اليومية والصلات الاجتماعية.

في عام ١٩٦٣م، قدّم هؤلاء المحققون ملاحظةً دقيقةً: اعتقدوا أن الروزيتانيون كلما أصبحوا كالأمريكان -بمعنى أقل قربًا لبعضهم، وأقل تواضعًا واعتمادًا على بعضهم- كلما ضعفت صحتهم. اختفاء (تأثير روزيتو) الشهير سيتضح خلال جيل. وفعلًا هذا ما حدث.

في استبيانٍ حديثٍ نسبيًا عام ١٩٩٢، نُشر في الجريدة الأمريكية للصحة العامة (American Journal of Public Health) تم تأكيد هذا التنبؤ الحزين. خُدع المسؤولون في الجريدة وقرروا النزول للبلدة مرة أخرى. وخاض المحققون في سجلات الوفاة من جديد، وقارنوا تلك السجلات لمرة أخرى مع بلدتي نازرث (Nazareth) وبانغور (Bangor) المحيطة، وكانت النتيجة: أن الروزيتانيون الآن يعانون من ويلات النوبات القلبية بشكلٍ مساوٍ لأي بلدة أخرى، مجاورة كانت أم لم تكن!

في الواقع، البعد عن التزاوج الداخلي -ما بين الإيطاليين-، وتفكك العلاقات المترابطة بين الأسرة والمجتمع، وعودة الاستهلاك المفرط من قبل الروزيتانين الأثرياء، وتجاهل القيم المشتركة، يمكن رسمه بدقةٍ من عقدٍ إلى عقدٍ. ويا للمفاجأة؛ هناك ارتباط شبه تام مابين (الأمركة) ومعدلات الوفاة بسبب نوباتٍ قلبيةٍ.

في كتابٍ صدر مؤخرًا بعنوان قوة العشيرة (The Power of Clan)، غطى المؤلفان ستيوارت وولف (Stewart Wolf) وجون بروهن (John Bruhn) البلدة ما بين عاميّ ١٩٣٥-١٩٨٤م، توافقت استنتاجاتهما مع الدراسات الأخرى. كان سحر روزيتو هو التجنب التّام لعزل الأفراد الذين تم سحقهم بمشاكل الحياة اليومية. لم يشعر الروزيتانيون بالعزلة أو المعاناة، إنما تجنبوا كبت الإجهاد. استقرار وثبات -بالكاد هي فضائل أمريكية- حتى في السنوات الأولى كان مريحًا، وبالتالي ساهم في إطالة أعمارهم.

قُضي على ثقافة الاستهلاك بالحظر التام للتباهي بالثروة والممتلكات. لكن سكان البلدة عملوا بجدّ أكثر من غيرهم نحو هدف (حياة أفضل للأطفال).

 

ولكن أتى الوقت الذي لم تعد فيه روزيتو واحةً للحياة الصحية، في سبعينيات القرن العشرين كان هناك توسعٌ في ضواحي المنطقة، بما في ذلك البلدة. بيوتٌ عائليةٌ مستقلةٌ، وفناءاتٌ مسيجةٌ، ونوادٍ ريفيةٌ. لكن ضعفت العلاقات الاجتماعية ثم بدأت بالتلاشي. لقد فشلوا فشلًا معتبرًا.

استغرق الأمر حتى عام ١٩٧١م لوفاة أول شخصٍ دون سنّ الـ ٤٥ بسبب نوبةٍ قلبيةٍ في روزيتو.

وهكذا انضم الروزيتانيون لبقية سكان الولايات المتحدة، وعلى غرار البلدة الاسكتلندية الإسطورية بيرغادون (Brigadoon)، رحلت واحة روزيتو الصحية في بنسلفانيا إلى ضباب التاريخ العلمي. في الوقت الحالي، (السحر الروزيتي) كما يسميه علماء الاجتماع بقي لافتًا، بل وحتى ملاحظةً مثيرةً للاهتمام في التاريخ الصحي الأمريكي. مع النقص التّام لمثل هذه الروابط في المجتمع الأمريكي، يعبر الروزيتانيون السنين كتذكيرٍ صارخٍ لما تمثله الحضارة العصرية من خسارةٍ فادحةٍ حتى لأكثر الأمريكيين صحةً.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *