القوة الكامنة في عدم فعل شيء على الإطلاق

ترجمة بتصرف لمقال:( The power of doing nothing at all by the statup)

ترجمة: سلطان السلمي

تدقيق: أسماء الفقيه

مراجعة: أسامة خان

كان التمساح الكبير يطفو على حافة النهر عندما سبح بجانبه التمساح الصغير، وقال:

«لقد سمعت من تماسيحً كثيرة أنك الصياد الأشرس في قيعان النهر، علمني أساليبك أرجوك».

 

وهنا أفاق التمساح الكبير من غفوة الظهر الطويلة والجميلة ورمق ببصره التمساح الصغير بواحدة من عينيه الزاحفتين. لم يتفوه بشيء ونام في على سطح النهر.

شعر التمساح الصغير بخيبة أمل وازدراء، فعاد إلى مصب النهر لملاحقة بعض أسماك السلور، تاركًا خلفه فورانًا من الفقاعات: «سأريه!»

لاحقًا في هذا اليوم، نكص التمساح الصغير إلى التمساح الكبير والذي مازال مستغرقًا في غفوته وبدأ يتغطرس برحلة صيده الناجحة.

«لقد اصطدت اليوم اثنتين من سمك السلور الممتلئة لحما، فما الذي اصطدته؟ لاشيء؟ ربما لست شرسًا حقًا»

 

ومرة أخرى اِلتفت غير آبهٍ للتمساح الصغير ولم يتفوه بشيء، أطبق عينيه وتابع العوم طافيًا على النهر كسمكة مِنْوةصغيرة.

وللمرة الثانية غضب التمساح الصغير لأنه لم يلفت نظر التمساح الكبير، فعام مرة أخرى ضد تيار النهر ليرى ما بإمكانه أن يصطاد.

وبعد سويعات من العوم هنا وهناك، استطاع التمساح الصغير أن يصطاد طائر كركيٍ صغير. وبابتسامة، انقضّ التمساح الصغير بفكيه على الطائر وعام عائدًا إلى التمساح الكبير، معاندًا إلا أن يريه حقًا من هو الأبرع في الصيد.

وعندما فعل التمساح الصغير فعلته الحمقاء هذه، رأى أن التمساح الكبير لا يزال يطفو في نفس المكان بمقربة من حافة النهر. ولكن هذه المرة هنالك شيء قد تغير. هنا رأى التمساح الصغير حيوان التيتل الأفريقي الكبير الذي كان مستمتعًا بشربه للماء في الظهيرة والأدهى أنه كان فقط على بعد سنتيمترات من رأس التمساح الكبير.

وبحركة سريعةً وخاطفة، انتفض التمساح الكبير من الماء ولف بفكيه على حيوان التيتل الكبير وسحبه تحت مياه النهر فانبهر التمساح الصغير وعام لأعلى النهر وطائر الكركيّ الصغير معلق بين كفيه، بينما التمساح الكبير يستمتع بوجبته التي تزن قرابة ٢٠٠ كيلوجرام.

سأل التمساح الصغير: «أخبرني.. أرجوك.. كيف…كيف فعلت ذلك؟»

أجاب التمساح الكبير أخيرًا، بفم ممتلئ بلقماتٍ من حيوان التيتل:

«لم أقم بشيء»

 

الفعل أهم من المباهاة بالانشغال:

في بادئ الأمر عندما كنت أُنشئُ موقع جوت فورم (JotForm) كنت أشبه التمساح الصغير كثيرًا، مؤمنًا أنه ينبغي لي دائمًا فعل شيءٍ ما للحصول على نتائج.

وفي ذلك الوقت لو كان أخبرني أحدٌ بأنني من الممكن أن أرى نتائج رائعة بقضاء وقتٍ أكثر في عدم فعل شيء، لصرفت انتباهي عنه واستمريت في تضييع ستة عشر ساعة يوميًا في العمل.

وظننت أنه لكي أكون ناجحًا، كان لابد لي أن أكون منغمسًا باستمرار بين بناء وتطوير وتنمية وعمل للشيء التالي ـ مهما كان ذلك «الشيء».

جميعنا لدينا مشكلةً مّا مع الإنشغال، ولكن كونك مشغول وناجح ليستا وجهين لعملة واحدة، وأظننا لو جعلنا «عدم فعل شيء» فوق الأولويَّات، فقد نجد أنفسنا ممسكين بعددٍ أكبر من حيوانات التيتل بدلًا من سمكة منوة صغيرة.

أفادتني هذه الطريقة وآمل أن تنجح معك أيضًا.

لكن، أن تفعل أقل أو لاشيء أبدًا سهل القول صعب التطبيق، خاصة في مجتمع يعاني من الانشغال المفرط. فلنلقي نظرة عن كثب على هواجسنا الضارة في حالة انشغال مستمرة.

وباء الانشغال المفرط:

عانت البشرية مع حالة الإنشغال منذ الأزل، أو على الأقل قبل ٤٢٥ سنة قبل ميلاد عيسى عليه السلام عندما وطئ هوميروس (Homer) الأرض.

تخبرنا قصيدة الأوديسة (The Odyssey) وهي ملحمة إغريقية عن حكاية آكلي نبات اللوتس المخدر (Lotus-eaters)، وكانوا أناسًا غريبين يتراخون طيلة يومهم بأكل نبات اللوتس المخدر ولا يحركون ساكنًا. وما كان أغرب من الخيال، أنهم كانوا راضين عن حياتهم.

ذكر هوميروس (Homer) أنه بعدما أكل بعض من طاقم الملك أوديسوس (Odysseus) فاكهة اللوتس الخاصة بآكلي اللوتس (Lotus-eaters) أصبحوا مثلهم، سعيدين، مسترخين ومتبلدين قليلًا. أمر الملك أوديسوس (Odysseus) أن يربِطوا المصابين على مقاعد السفينة، وأمر أيضًا بتجهيز السفينة للإبحار فورًا، خشية أن يأكل كل رجاله من فكهة اللوتس فتثبط عزيمتهم للرجوع للديار.

ردة فعل أوديسوس (Odysseus) من شعور «عدم فعل شيء» تثير الدهشة وتشبه انطباع مدير تنفيذي لشركة، أو مؤسس عمل ناشئ، أو مدرب كرة في الكلية هذه الأيام، لا يوجد ما يلمح لشعورهم بالرضا عن أنفسهم، مع أنهم محبين مخلصين لأعمالهم. لكنهم طبعًا قطرة من بحر قاعدة اجتماعيه كبيرة يجن جنونها من فكرة عدم فعل شيء.

يثمن العالم هذه الأيام قيمة العمل بمدة الإنشغال مقابل جودة العمل. وبطرقٍ كثيرة جعل العالم كلمة «مشغول» رمزًا للفخامة.

كم مرةً سمعت أو خضت في محادثة مشابهة لهذه:

  • كيف أحوالك مؤخرًا، مارك؟
  • مشغول على الدوام يارجل!
  • يسرني سماع ذلك، ابق متفانيا في ذلك!

 

نضجنا ونحن نقيس بطريقة غير واعية قيمة الأشخاص بناءً على عدد ساعات عملهم، وعدد المهام التي يقومون بها، ولكن دعونا نصوغ الوضع كالتالي: «سواءً لديهم هذا الكم الهائل من الأعمال أو لا، فمثلهم مثل الفاقد بصيرته، يتخبط في الطرق ولا يدري عن الطريق الصحيح».

في الساعات الأربع الأسبوعية من عمل تيم فاريس (Tim Ferriss)، تجده يهزأ من هذه الفكرة بقوله إن أردت ترقية، فأظهر انشغالك أكثر بالعمل لساعات أطول، تتخبط في عملك، وترد على البريد الإلكتروني باستمرار.

ولكن عاجًلا أو آجًلا، علينا أن نسأل أنفسنا ما هي مهمتنا أصلًا؟ هل هي أن نكون أكثر انشغالًا، أو هل هي أن نخلق التأثير الأعظم؟

وما هو مثيرُ أيضًا أنه عندما ننظر للأشخاص ذوي العقول الجبارة الذين أنعموا على العالم، نرى فيهم قواسم مشتركة ملفته للنظر وهي أنهم جميعًا يخصصون وقتًا لعدم فعل شيء.

القوة الكامنة في عدم فعل شيء على الأطلاق:

تخصيص وقتٍ في حياتك لعدم فعل شيء من الممكن أن يكون تحدٍ، خصوصًا وسط أسابيع العمل التي تمطرنا بالاجتماعات، والاشعارات، ولائحة مهام لا تكاد أن تنتهي.

بدأ المؤسسون بإدراج مفهوم «أسبوع التأمل» (Think Week) في جدول أعمالهم السنوي يمضون أسبوعًا في تأمل سير الأمور والتفكر والعيش خارج العالم المملوء بإدارة الأعمال.

هناك مؤسسون يافعون أمثال مؤسس (Skillshare) مايك كارنجانابكور (Mike Karnjanaprakorn) تبنَّوا هذه الممارسة، أيضًا هناك أسماء مهمة كبيرة فعلت ذلك أمثال ستيف جوبز (Steve Jobs) ومارك زوكربيرغ (Mark Zuckerburg) وتيم فاريس (Tim Ferriss)، ولكن فكرة أسبوع التأمل المشهورة تعود أصلًا لبيل غيتس (Bill Gates).

ولسنين طوال في إدارة مايكروسفت كان بيل غيتس يختلي بنفسه لأسبوع كامل من أسابيع التأمل مرتين في السنة، ليست عطلة بل فترات واقعية من الوقت مكرسة لعدم فعل شيء. وقد كان مصرًا جدًا على أسابيع التأمل الخاصة به والتي لم يقابل فيها عائلته وأصدقائه وموظفي مايكروسفت. واليوم يَنسب بيل غيتس معظم نجاح شركة مايكروسفت إلى الأفكار والمفاهيم الهامة التي اكتشفها عندما لا يفعل شيء.

عن تطبيق مفهوم وقت «اللا شيء»:

ليس عليك بالضرورة أن تمنع نفسك من مقابلة عائلتك وأصدقائك لتختلي في أسبوع التأمل، ورغم ذلك خذني على سبيل المثال:

اقتطع أسبوعًا كاملًا من الشركة كل سنة واتجه إلى مسقط رأسي لمساعدة والدي في حصاد الزيتون.

تختفي كل الأفكار التي تراودني من تطوير المشروع الناشئ ومعدلات تحويل زوار الموقع إلى زبائن عند قطفي للزيتون. فيه تأمل وسكينة.

أعرف جيدًا بأن قطف الزيتون لن يجعلني على رأس أخبار مدونة تك كرانش (TechCrunch) لكني أعتبره مقياسا شخصيا للنجاح، وبطريقة ما أرى أن بعضُ أفضل أفكاري تأتي خلال هذه الفترة.

وبالنسبة للشخص الذي لا يستطيع أخذ أسبوع إجازة كاملا من عمله ولو مرة في السنة لعدم فعل شيء، أنصحه بأن يختار منهجا مختلفًا قليلًا ويتقبل فكرة تخصيص وقتٍ للراحة من التكنولوجيا (Digital Sabbath)

ابدأ بذلك في يومٍ من أيام إجازاتك الأسبوعية، وأجبر نفسك على التخلي عن أي شكلٍ من أشكال التكنولوجيا، وهذه الممارسة تسمى تخصيص وقتً للراحة من التكنولوجيا (Digital Sabbath).

أولًا أغلق هاتفك الذكي وخبئه في الخزانة. ثانيًا، أطفئ حاسبك المحمول وضعه تحت السرير. وأخيرًا حاول جاهدًا منع نفسك من الإفراط في مشاهدة نتفلكس (Netflix). اترك لعقلك مساحة للتفكير بالتخلي عن نمط عيشك الرتيب. فإذا فعلت سيكون لدى عقلك وقت لاكتشاف أفكار جديدة، وعلاوةً على ذلك سيعالج الأفكار القديمة.

لربما تجد النجاح الذي تنتجه هذه الممارسة يشابه تجربة التمساح الكبير الآنف ذكره. وبالرغم من أننا نهمس لأنفسنا أننا نستطيع تحقيق الكثير بالهرع في إنجاز العمل بسرعة، نجد أنه من الجيد أحيانًا أن نغلق أعيننا ونطفو فحسب، منتظرين ظهور حيوان التيتل.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *