قوة شفاء الجري لمسافات بعيدة جدًا.

ترجمة بتصرف لمقال:( The Healing Power of Running Very Long Distances by medium)

 

ترجمة: شروق القحطاني 

تدقيق: مها بنت ناصر

مراجعة: أسامة خان

ساهمت ذاكرة الطفولة في تغييرات منتصف العمر.

بعض أقوى ذكريات طفولتي تشمل الجري، وهذا ربما قد لا يُدهش من يعرفني جيدًا كرجل يجري مسافة خمسة كيلومترات كل يوم، ويشترك في سباق الجري، ويأمل هذه السنة بأن يحرز القفز إلى عالم الجري لمسافات طويلة جدًا على غير المألوف في الماراثون التقليدي. لكن لو كنت تعرفني عندما كُنت طفلًا يعاني من أزمة ربو حادة ربما تتساءل كيف وصلت إلى هنا.

في عام ١٩٨٣، كطفل عمره ست سنوات، انضمَمْت إلى مدرسة «Deep Cove Elementary School» في شمال مدينة سانيش في مقاطعة كولومبيا البريطانية * في كندا. شَاركْت في نادي المدرسة «Kilometre Club» وحَصْلت على تصريح خاص من معلمتي لخوضها على عدة مراحل لأن لدي أزمة ربو منعتني من فعل ذلك دفعة واحدة. لكنني أتذكر بوضوح أني كنت أحد الطلبة الثلاثة الوحيدين في المدرسة الذين أنجزوا التحدي ووقفوا على خشبة المسرح لاستلام الشهادة والوشاح.
كان الجري مثيرًا ولكن منذ سن مبكّر جّدًا كُنت أُعتبر هشًا وطفل غير رياضي نظرًا لمشاكلي الصحية، وفِي هذه الحالة جُذبت إلى نوع خاص من الإصرار ولا سيما انزعاجي المبكر بوصمة العار في كوني شخصًا غير رياضي. ومع أن أمي كانت قلقة إلا أني كُنت موطد العزم لتحدّي قيود أوضاعي الصحية. لكن بعد ذلك تخليت عن ذلك البصيص من الأمل وذلك بسبب نوبات الربو العديدة التي تستدعي المكوث في المستشفى والتي أوشكت أن تقتل كل تطلعاتي كسباقات المضمار والميدان الأكثر تميزًا، وستكون كذلك على مدى عقدين تقريبًا، إلى أن أركض إلى هذه السعادة مرة أخرى. تقبلت كل شيء باستثناء مصيري كشخص غير رياضي وإمضاء العيش محصورًا داخل ذهني والتركيز على الجوانب الفنية والأكاديمية خلال العقود القليلة المقبلة. اقتصرت ساقاي على أن تكون وسيلة التنقل من صف إلى آخر ومن تدريبات العزف إلى صفوف التمثيل، وأيضًا إلى منازل أصدقائي للإنتعاش ومشاهدة الأفلام.

وفي عمر السابعة والعشرين تعرضت لحادث سير مما أدى إلى تفاقم صورتي الذاتية في كوني شخص غير رياضي وبقيت بكاحل مكسور مضمد. وأثناء تواجدي بمركز التأهيل الذي بدوره ساهم في استعادة عافيتي ولو بشكل بسيط حصلت على علامة ممتازة بالمرتبة الثانية عشر (ومع ذلك لم أكن أخرج كثيرًا). قد حفزت كل شيء فيني من انطباع ذاتي وصورة ذهنية جديدة بإستثناء الحركة الجسدية. ولقد كُنت مثقف لدرجة أنه لم يكن هناك شيء لأفعله سوى المضي قدمًا نحو الأنشطة الفكرية.

 

. . .

بإيجاز وفي منتصف العشرينيات من عمري أحييت حب الجري بداخلي كطالب دراسات عليا،
ولكنها لم تتلاشى أبدًا فكرة التخلي عن مطاردة ذلك الحلم بشكل أو بآخر وأنا في مرحلة الثلاثين.
وبعد ذلك في عمر السابعة والثلاثون شيء ما دفعني لاستئناف الأمر مرة أخرى.

أعتقد أنها كانت نوبات الذعر.

أي شخص عانى من نوبات الذعر تلك يعرف تمامًا ذلك الشعور بعدم القدرة على التنفس، و اللهث طلبًا للهواء، والغرق على أرض قاحلة، وكل شيء يصبح مشوشًا نوعا ما وأنت تختنق. لم أخضع لتجربة محاكاة الغرق أبدًا وآمل ألا أفعل ذلك. ولكنه يبدو أسوء نوبات هلع يمكن تخيلها على الإطلاق. لقد واجهت نوبات الهلع وللمرة الأولى عندما كنت في السنة الأولى من المرحلة الثانوية خلال سن الرشد. وفِي عام ٢٠١٤ بلغت أوج اشتعالها حينما وجدت نفسي عاطلًا عن العمل وغارقًا في أسوأ اكتئاب قد رأيته في حياتي.

في المستوى السابع وقبل بدء الشعور بالقلق، أدركت كيف يبدو الأمر عندما أفقد تنفسي وكُنت على دراية تامة بهذا الشعور، لأني طفل مصاب بالربو. بالنسبة للبعض يرى أن الإختناق كالصنم، أما بالنسبة لي فإنه الخوف الخالص، النقي، الغير مرغوب فيه. ليس لدى المصابون بالربو كلمة سر تحميهم من ذلك الشعور ولا حتى هؤلاء الذين أهلكهم القلق المُوهن.
في الواقع كان هناك كلمة سر لكنها من نوع آخر ألا وهي «اِجري».

لقد بدأ الأمر بهرولة بسيطة لمسافة كيلومترين في أرجاء الحي، وعادة كلما أتت السحب القاتمة في آخر النهار، أدرك أنه وقت الجري. في عام ٢٠١٤، كانت أسوء نوبات قلق واكتئاب قد رأيتها في حياتي وكان الجري على ما يبدو هو الشيء الذي سيزيل ذلك الغطاء السحابي. لم يكن من الممكن إبعاد فكرة المشاركة بالجري في الماراثون من مخيلتي وكان الهدف هو الاستمرار بين عشية وضحاها، وفعل ما يتوجب علي فعله للتأكيد على القدرة البشرية الحيوية.

لم يحدث ذلك حقًا حتى عام ٢٠١٦ عندما بدأت أُدرك قوة شفاء الجري لمسافات بعيدة جدًا، كنت قد أقلعت عن الشرب -لإنه من الصعب البقاء واعيًا- وفقدت وظيفتي في الآونة الأخيرة. وهذان اللذان أرغماني على ما يبدو بعزم لسحبي والعودة من هاوية الإكتئاب. لذا بدأت بالتركيز على الجري، وبصورة تدريجية وبلا اهتمام جدّي بدأت بزيادة المسافات. وبعد ذلك، في أحد أيام الربيع المشمسة العشوائية ذهبت لممارسة الجري المعتاد واستمريت على ذلك. إلا أنه بدافع الفضول وبعد عودتي للمنزل حسبت المسافات باستخدام تطبيق خرائط قوقل فاكتشفت أني ركضت نصف مسافة سباق الماراثون.

حينها قررت التسجيل في «Edmonton Marathon» عام ٢٠١٦ وكان أول سباق تنافسي بالنسبة لي على الإطلاق. أدركت حينها في ذلك العام أني بحاجة إلى إنجاز شيء محسوس. ومع مشاعري المهنية في المستقبل الغامض والغير مؤكد، بدت ساقاي وكأنها أفضل الأشياء اللتان كانتا تساعداني في ذلك الحين. علاوة على ذلك، كان عمري تسعة وثلاثون وشعرت بأني في حاجة ماسة لفعل شيء طموح في بداية الأربعينيات من عمري.

في عام ٢٠١٦ انتهيت من سباق «Edmonton Marathon» فيما يزيد بقدر شعرة فقط على ٤ ساعات، و في عام ٢٠١٧ انتهيت من السباق فيما يزيد فقط على ٣ ساعات و ٤٥ دقيقة. لكن آمل هذه السنة بأن أحطم ذلك الوقت وأتطلع إلى ساحة سباق الماراثون الغير تقليدي. أريد أن أمضي قدمًا إلى ماهو أبعد من سباق الماراثون حيث اِتضح أنني أصبحت أقوى من ذي قبل عام بعد عام ولا أرى سببًا يمنعني من فعل ذلك.

 

. . .

 

بلا شك، لا ينبغي على الجميع أن يركض لمسافات بعيدة ويكفي القول بأن كل إنسان له جسد مختلف تمامًا عن الآخر وأجساد العديد منا ليست ملائمة لهذا النوع من النشاط البدني. ومع ذلك، أعتقد بأن هناك مقولة يتعين قولها لمكافحة الأمراض العقلية مع نوع من أنواع المجهود البدني ألا وهي أنه لا يمكن فصل الرأس عن بقية جسم الإنسان، لأن ماهو جيد للجسم حتمًا جيد للرأس.

بحسب خبرتي، لم يقترب حتى الآن أي دواء من ممارسة الرياضة البدنية الشاقة إذا كان يتعلق الأمر بتعزيز الإتزان النفسي. لو توقفتُ عن تناول مضادات الإكتئاب واستمريت في الجري، فليس لدي أدنى شك بأن ثمة تحديات سوف تواجهني، ولكني على ثقة تامة بأني سأكون على ما يرام. ما عدا إبعادي عن الجري لأكثر من يومين وأنا شخص حاد الطباع إلى حد كبير حتى لو كانت من أجل الاستفادة من الدواء. فمن الواضح بأن أقوى الأدوية تعيش بداخلي.

وأيضًا أؤمن وبشدة بأن هناك قوة يمكن إيجادها لاستعادة ذلك البصيص المتخلى عنه منذ مرحلة الطفولة. بالنسبة لي، كان حبي للجري حبًا مبكرًا الذي ظل خاملًا لعدة عقود، و لقد تركنا جميعًا ذلك البصيص يأتي لزيارتنا في فترة قصيرة ويذهب من مسار حياتنا، استعادة أحدها ومسايرتها بقدر ما نستطيع هو بحد ذاته يعتبر تصرفًا قويًا رحيمًا ومحببًا للذات. و في الواقع لا يوجد هناك سحر أقوى من اللطف تجاه الشخص لذاته.

من عام ١٩٨٣ كانت شهادة «Kilometre Club» بمثابة تذكير قوي بالنسبة لي، إذ أنني تمكنت وأنا بعمر الست سنوات من حشد ما يكفي من العزم لحل أزمات الربو من خلال الجري لمسافات بعيدة، ولَم يكن هناك أي سبب يمنعني وأنا لدي أزمة ربو بعمر التاسعة والثلاثين عامًا بأن أفعل الشيء ذاته كما فعلته سابقًا. أنا متأكد يقينًا بأن جميعنا لديه شيء من هذا القبيل وسط أكوام من تذكارات العائلة، ومعظمنا قد خبأها بعيدًا في مكان ما. وفِي بعض الأحيان، يأتي الإلهام من الزوايا الأكثر إغفالًا في حياتنا.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *