ترضّيك هذا وذاك، يُمرِضك

ترجمة بتصرّف لمقال: (The Toxic Habit of People-Pleasing, By Brian Pennie)

فما السبيل إلى ترك هذه العادة المهلكة؟

الكاتب: براين بيني (Brian Pennie)
ترجمة: أسرار القحطاني @asrarss
تدقيق ومراجعة: أسرار القحطاني، ندى محمد
المراجعة النهائية: أسامة خان

ويتني كامينغز (Whitney Cummings) ممثلة كوميدية ناجحة من مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، أنتجت برنامجًا كوميديًا في ٢٠١١ واستمر حتى ٢٠١٣، سمّته ويتني، وكانت ممثلةً رئيسةً به، ولأن رضا الناس عنها بات ذي أهميةٍ بالغة، أوشكت على الفشل في برنامجها هذا. 

«خشيت ألا يحبني الناس؛ إذ يمزحون وأقبل بمِزحهم كله، لئلّا أؤذي شعورهم، ولكنّي سأحرّر النص لاحقًا، وسأُظهره بعدها ليتفاجئوا أني لم أذكر مُزحهم، وأني كذبت عليهم وخدعتهم».

لم يكن ترضّي الناس يعاونها لتنجح، بل كان يحجبها عن النجاح، ثم أوقفها كلام أحدهم، فيقول: 

«ترضّي الناس شكلٌ من الحماقة».

تعجّبت ويتني من هذه العبارة، ولم يسعها سوى التسليم بها، فتقول: «لأنك لن تُرضي أحدًا، إنما تسخطهم، وتظن أنهم لن يحتملوا الحقيقة استنقاصًا».

. . . 

لا تجد كلمة لا في قاموس من يسعى لإرضاء الناس 

أتفق مع ويتني، ولكن يجدر ذكر أن هؤلاء المُرضِين هم من أطيب الناس وأحبّهم إلى العون، فيمضون الساعات في مساعدة الآخرين، وتجدهم منظّمين، ولن يردُّوك خائبًا إن سألتهم، ويتسع وقتهم لأهلهم وأصدقائهم.

وهنا سببٌ لترضّيهم الغير: لا يعرف هؤلاء مفردةَ لا، هذه هي مشكلتهم. يعتاد كثيرٌ منا القبول، حتّى أننا قد نُولَع به؛ لأننا أَلِفْنا الالتفات إلى شؤون الغير، وترك شؤوننا، نبتغي سعادة الجميع ورضاهم، وقد نُكلّف أنفسنا ما لا نطيق في أحيانٍ كثيرة حتّى نمنع أي سخط. 

تتعدّد الأسباب وراء سلوك هؤلاء، فبعضهم يخشى نظرة الآخرين له حينما يرفض ما طلبوه، وبعضهم لا يرضيه أن يراه الآخرون كسلانًا أو مُستأثِرًا بما فُضّل به وغير مراعٍ. وذاك يعود إلى شيء أعمق في نفسه: خوفه من الرفض والفشل. 

كثيرون قد يدفعهم للترضي شعورٌ بحاجةِ الناس الماسّة لهم، وبأهميته. وهذه مشكلة: لأن هويّتهم تستند إلى تقدير وقبول الآخرين لهم. 

. . . 

سيُسخطك تَرَضّيك الناس 

قد تظنّك سالمٌ حين تسعى لرضى هذا وذاك، ولكن فعلك هذا يُذهب بصحة جسدك وعقلك، لا سيّما المبالغة فيه. 

وأول شيءٍ: أنك قلّما ترى لنفسك عليك حقًا، ولأنك تضع الآخرين قبل نفسك، سيقلُّ وقتك لنفسك: وقت راحتك وتمرينك وتحديدك للوجبات الصحية التي ستتناولها في الأسبوع؛ لذا ستكون أقرب إلى المرض منه إلى الصحة

ثاني ما تجنيه من ترضّي الناس أنك حينما تقبل بكل ما يُسأل منك، فأنت لا محالة تضع على عاتقك حِملًا لا تستطيعه؛ سيضيق وقتك عن إسعاد الجميع، فسرعان ما تجد نفسك في حالةٍ يُرثى لها: إجهادٌ وقلق، وخصوصًا في عملك، وقد تصل بك الحالة إلى فتورٍ واكتئاب وكأن جسدك لا يسعه الاستمرار في ما تفعل.

ثالثها: أنك وأنت تواصل قول نعم ولا بأس، تُرضّي الغير حتّى تمتلئ سخطًا، مما يُنفّر الناس منك، حتى أقربهم إليك. 

رابعها وهو آخرها: تلبيتك هذا وذاك، وإن كان إحسانًا منك، يعين على الظن أنك لا تملك من أمرك شيء، لا سيّما إن رأوك لا ترفض لأحدٍ طلبًا، ولن تسلَمَ من الوقحين الذين لن يدعوك وشأنك، بل سيتخذون دارك مؤسسة خيرية. 

. . . 

ما يعينك في الكفّ عن ترضّي الناس

تعلّم الرفض حتّى تقف عن ترضّي الناس، وهذا يقتضي استبدالك ذِكرك بين الناس باحترامهم، وهذا أمرٌ يُشكِل على المترضّين؛ لذا يجب أن تعرف أولًا لمَ مهمٌّ أن تردّ بلا، وسأذكر هنا بعض الأسباب: 

  • إن طرحت جانبًا ما لا يهمّ، رأيت ما يهمّ.
  • اتساع وقتك لمن له حقٌّ عليك؛ القريب منك محبةً وقرابة. 
  • إبداء ما تشاء فعله على ما لا تشاء.
  • ستجد في نفسك قوّةً لتعطي عطاءً مضاعفًا. 
  • سيصفى ذهنك وسيسلم عقلك من كثرة التفكير في هذا وذاك. 

إن علمت ما يدعوك إلى ألا تُطيع كل سائل، بقي عليك أن تعلم كيف تردّه، وقد مرّت وأمرّت عادة ترضّي الناس الكثير من كبار المفكرين، وتفضّلوا بمشاركة تجاربهم وسبل تخلّصهم منها:

أحد هؤلاء المفكرين هي روبين بيرنستين (Robin Bernstein)، أستاذة في جامعة هارفارد، إذ تحدّثت عن أنه كان يصعب عليها قول لا، لا أستطيع، لا يمكنني ذلك، فكتبت خمس قواعد ذكرتها في مقالةٍ سمّتها فن الرفض

واهتمّ تيم فيريس (Tim Ferriss) بموضوع ترضّي الناس، فذكر في كتابه نصائح من أفضل المرشدين (Tribe of Mentors) نصيحة مائة وثلاثون ناجحٍ في شتى المجالات: طريقتهم في رفض ما ليس من مقدورهم. 

أكّد دارس فلسفة القيادة غريغ ماكيون (Greg McKeown) أيضًا على قوة دلالة مفردة «لا»، فكتب في كتابه (Essentialism: The Disciplined Pursuit of Less) فصلًا كاملًا يتحدث فيه عن هذه المفردة. 

هنا أذكر لك ممّا كتب هؤلاء المبدعين تسعة طُرُق تعينك على قولِ «لا» قولًا معتبرًا:

  1. وضّح أنه لا يسعُك: إن كان تفسيرك لموقفك تفسيرًا منطقيًا سيضع حدًّا لذلك السائل، كقولك مثلًا أنك مسافر.
  2. لا تزد عن قولك لا أقدر: سيكون تفسيرك موضع ظنٍّ وأخذٍ وعطاء أحيانًا، ولست حقيقةً بحاجةٍ إليه، فيكفيك الرد بأنك لا يمكنك تلبية هذا المطلب.
  3. قُل لا، شاكرًا: اُشكر الشخص، ثم ارفضه بعبارةٍ طيّبة، كقولك «أشكرك، عرضك طيّب، ولكن لدي من المشاغل ما الله به عليم».
  4. وضّح أنك فكّرت بما سألوك إياه: فقولك «فكّرت بما ذكرته لي، وأظنه مهمٌّ، ولكنّي أرفضه في وضعي هذا».
  5. ضع قاعدة عامّة، ولا تركّز على الشخص بعينه: يمكنك الرد بـ «اسمح لي، فقد عاهدت نفسي ألا اجتمع بأحدٍ حتّى الشهر المقبل» أو «اسمح لي فأنا ملتزمٌ بنمطٍ غذائي لشهرين من الآن».
  6. استعن بدفتر مهامك: فعندما تذكر لهم أنك سترجع إلى دفتر مهامّك لترى انشغالك من عدمه، فأنت تتمهّل لتراجع نفسك فتقرر قبولك أو رفضك.
  7. رشح لهم من قد يساعدهم: لن ينظر الناس في الأغلب لمن يساعدهم؛ ما يهمهم أن أمرهم قد حُلّ. 
  8. لا تكن جادًّا: فاستخدامك لعباراتٍ لطيفة مازحة، أمرٌ حسن.
  9. اختصر على نفسك كثرة الكلام واكتفِّ بلا: قُل لا إن اِرتأيت أنه أمر لا معنى له، أو قد يكون عجيبًا فتجاهله ولا تلتفت إليه.

الخلاصة

تقول نعم، بلى، أستطيع، لا بأس بذلك لكل من يمر عليك، ولكل ما تمر به من مواقف، ولا تدرك أنك بذلك تُهمل نفسك وتضعها في مأزقٍ؛ جسد وعقلٌ منهك، ولذا وجب عليك التوقّف عن هذا الفعل المهلك، ولأنك اعتدتَه، سيعينك على تركه فهم لِمَ وكيف تقول كلماتٍ كـ: لا، لا أستطيع. 

لماذا؟ ستركز على ما تبتغيه في حياتك، إن توقّفت عن إرضاء هذا وذاك، وستنعم بحياةٍ هنيئةٍ بقرب من تحب، وسيسعك الوقت لنفسك وعملك. 

كيف؟ وضّح لمَ رفضت عرض فلان، أو اكتفِ برفضه، وكن دائمًا شكورًا متأنّيًا، وعمّم حديثك حتّى لا تؤذِ أحدًا. 

معلومٌ أن القبول يسير، والرفض صعب، فاعتبر من كلمات باولو كويلو (Paulo Coelho) حين قال: «حين تقول نعم للغير، لا تقل ضدها لنفسك» بمعنى ألا تجامل على حسابك. 

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *