الفن البسيط لنيل ما تريد

ترجمة بتصرف لمقال: (The Simple Art of Getting Anything You Want. By Zat Rana)

ترجمة: Dalya Almarry

تدقيق: ابتهال هاشم

مراجعة: هبة الصاوي

لم يحظَ اسم الممثل دانيال دي لويس بشعبية كبيرة كما ينبغي، فإذا كنت من عشاق متابعة الأفلام قد تتعرف على وجهه في الأفلام التي شارك بالتمثيل فيها مثل “Gangs of New York” و “Lincoln” لكنه تحديدًا ليس من المشاهير الذين تسلط عليهم الأضواء فلا تجده في مجلات أخبار المشاهير أو في البرامج الحوارية.

وبالرغم من سمعته الشخصيّة الهادئة إلا أنه حظى بشهرة في نطاق مجتمع هوليوود الواسع؛ حيث حاز على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل في ثلاث مناسبات مختلفة، وهو بهذا أوّل ممثل ذكر يسجل التاريخ حصوله على هذا الكمّ من الجوائز.

لم يكن ذلك مجرّد ضربة  حظ؛ فقد عرف دي لويس بأنه أحدُ أفضل الممثلين الموهبين في جيله _ هذا ما لم يكن الأفضل في جميع الأجيال _ ولقد نال وسام الفارس من الأسرة البريطانية المالكة عام ٢٠٠٤م في قصر باكنغهام لخدماته المبذولة في فن الدراما.

ومما يثير الاهتمام أن هناك عدة فروق واضحة في نوعية الأسلوب الذي يتبعه في ممارسة فنه مقارنة مع أغلبية الممثلين، من ذلك ما عُرف عنه من تبنّيه  للأسلوب المنهجي في تمثيله ، حيث يكرّس نفسه تمامًا لكل دور يمثله ، ويقوم بتجسيد دور الشخصية حرفيًا في حياته اليومية،  بل إنّه في بعض الأوقات ينغمس في أداء دورٍ ما طيلة جلسات التصوير حتى و لو آذى ذلك صحته!

كما أنه نادرًا ما يقحم الآخرين في حياته الشخصية ومقابلاته الترويجية وظهوره العلني قليل جدًا.

ومن الغرابة بمكان أنّه _رغم ذلك_ لم يتألق بأدائه سوى في ستة أفلام مختلفة منذ عام ١٩٩٨م؛ حيث كان  يفصل بين كل مشروع واخر خمسُ سنوات؛ بينما يسارع معظم  النّاجحين لزيادة  إنتاجهم،  إلا أن لويس لم يكن  يضع الزيادة نصب عينيه أثناء أدائه لمهنته.

أنت لست سوى ما تختار

يعد اقتباس “لا يتحقق الكمال بتجنّب النقصان، إنما الكمال بانعدام الفائض” للكاتب الفرنسي أنطوان دي سانت اكسوبيري من الاقتباسات البليغة، وغالبًا ما تجد أن المصممين _خصوصًا _ يعطون أهمية لهذا النمط من التفكير.

ويرجع السبب في ذلك أن معظم الفن المرئي يستوحى مما هو ظاهرٌ مباشرةً أو غير ظاهر على حد سواء؛ فالمساحات الفارغة حول كائن مرسوم في لوحة ما مهمة بقدر ما ترتكز عليه الرسمة من عناصر ظاهرة اساسية.

يفكر معظمنا لا شعوريًا بتحيز أثناء اتخاذ قرار ما وهذا التفكير يخالف نمط التفكير الذي ذكر مسبقًا وذلك لأننا غالبًا ما نرى أن اتخاذ القرار على أنه عملية اختيار، فعلى اختلاف السبل و الاختيارات المتاحة لنا إلا أننا نختار مباشرة الاختيار الذي نميل إليه.

واتخاذ القرار بناء على هذا النمط ليس عملية تجريدية فحسب؛ بل إنّه أيضًا يعيق رؤيتنا الواضحة عند تحديد اختياراتنا في أغلب الأوقات، كمسألة أنه بقدر ما تقول (لا) ستأتيك فرص تقول لها (نعم) ، وفي الحقيقة  غالبًا ما يكون لقول (لا)  الأهميّة الأكبر.

كما أنه متى ما تحيّزنا  في اتخاذ قراراتنا إلى قول  (نعم ) فإن ذلك سيعيقنا لأنّ من المحتمل جدًا أن نقول (نعم) لأمور أكثر مما ينبغي، وذلك النمط التفكيري من أكثر الأنماط المؤثرة على التركيز عمومًا.

لا تتأطر الحياة _في الغالب_ وفقًا لاختياراتنا، إنما التأثير الأكبر يقع على ما يُزال منها من معوقات، لا على ما يُضاف إليها من الْتزامات.

وينير هذا التفكير العكسي بصيرتنا على كيفيّة نجاح دانيال دي لويس.

أهمية تنقية الاختيارات 

إنّ متوسط عدد الأفلام التي يشارك فيها الممثلون البارزون هو فيلم واحد جديد لكل عام تقريبًا، فإذا تخيلنا أن مهنة ما استمرت مدتها نفس المدة التي أنتج فيها دي لويس ٦ أفلام جديدة فإنه يمكننا التخمين أن معظم الممثلين أو الممثلات الذين  يمتلكون شهرة مماثلة قد شاركوا في أفلام يتراوح عددها ما بين ١٥ إلى ٢٠ فلمًا، و ذلك يمثل ثلاثة أضعاف ما ينتجه لويس، فماذا كان يفعل كلّ ذلك الوقت؟!

حسنًا، لقد وظف جزارًا خاصًا ليدربه حتى يتقن جزءًا بسيطًا من دوره في فيلم “Gangs of New York” كما أنه استمر طيلة تصوير الفيلم بالحفاظ على لهجة سكان نيويورك وعلى الرغم من أنه كان مصاب بالالتهاب الرئوي إلا أنه رفض ارتداء ملابس لتدفئته حتى يجسد دوره.

وأما في فيلم “Lincoln” فلقد طلب من المخرج ستيفن سبيلبيرق أن يمنحه مدة عام، فقط  ليستعد  لدوره، وقرأ خلاله  أكثر من مئة كتاب ، وعمل مع خبيرة تجميل سينمائي ليبدوَ شبيهًا بــ “Lincoln” شخصيّةً و مظهرًا.

وعلى الرغم من مشَقّةِ ذلك  _إلى حد ما _ إلا أنه يبرر كيف وصل إلى ما هو عليه، فهو يحرص أثناء تنفيذ مشاريعه على اتخاذ قرارات تبعده عن  أداء أمور أخرى ، وذلك ليصب جل تركيزه على ما يعمل عليه، ويبذل أفضل ما لديه، حتى أنه قد رفض دور ابراهام لنكولن عندما عرض عليه أول مرة.

والحقيقة أنّ رفضَه لعدّة مشاريع أتاح له قبول المشاريع الأخرى التي حظيَت باهتمام الجمهور.

ويجب الاعتراف أن اغلب الممثلين لا يبذلون مثل الجهد الذي يبذله دي لويس عند أدائهم لكل مشروع، إلا أنه من الواضح جدًا أنّ الناجحين منهم لديهم أيضًا طريقتهم الخاصة في تنقية اختياراتهم؛ حيث أنهم إذا حققوا نجاحًا أحد أفلاهم الجديدة فإنهم يرفضون مشاريع خارجية أخرى _ خلال العام_ حتى وإن سنحت لهم الفرصة.

إنّ حمايتَك لاختياراتك المنتقاة وحفظك لوقتك من الهدر وتكريسه لإنجاز الأمور المهمة بتركيز هو ما سيُحدث الفرق في نهاية المطاف.

هل بإمكانك حقًا نيل ما تُريد؟ 

إنه لمن السذاجة الظنُّ بأنّ أي فرد يستطيع على الإطلاق الحصول على ما يريده؛ فهناك العديد من المتغيرات التي يجب  أخذها بعين الاعتبار.

ومع ذلك لا يمكن الادّعاء بأن ذلك غير واقعي؛ فمعظم الأمور التي تعيق الأفراد من التقدم إنّما هي من  نسج خيالهم ، كما أن الأعذار _مثل قلة امتلاك المواهب أو توفر الوقت_ قد تكون فعلًا حقيقية لكنّها في الغالب ليست كذلك.

إن المشكلة الحقيقة _عمومًا_ تكمن في ضعف التركيز و قلّة التفاني، وعدم الاستعداد لأداء الأمور بشكلٍ رائع بدلًا عن أدائها بشكلٍ جيّدٍ فقط !

لا شكّ أنّك لن تستطيع نيل كلّ ماتريد _ حسب المتعارف عليه_  فليس كل فيلم تمثل فيه سيصنف أنه ناجح ورائعٌ _فيما لو كنت تمثّل مرّةً كل عام تقريبًا _كما أنّك لن تتمكّن من المشاركة في كل مشروع جديد  إن كنت تروم بلوغ النجاح الحقيقي، بل عليك التركيز في مجال واحد يهمك حقًا.

إذا كنت تستطيع المفاضلة بين الأمور _دائمًا_  وتمتلك مهارة عالية في تنقية اختياراتك و مقتنعًا بفكرة تكريس نفسك لأمر واحد أو اثنين فقط لإنجازهم في مدة طويلة من الزمن إذًا فليس هناك ما تعجز عن أدائه؛ حيث تكاد تكون فرص الفشل معدومة.

وبتعبير آخر لوصف ذلك : ” قد تتاح لك الفرَص  لنيلِ ماتريد، لكنّك لن تنال كلّ ماتريد؛ فحياتُك قد تُبنى على الأمور التي تقول لها (لا)؛ لذلك ارفض بحكمة.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *