مُعضلة التفكير الإيجابي

ترجمة بتصرّف لمقال: (The Problem with Positive Thinking, By Nick Wignall).

ترجمة: نوف القحطاني
تدقيق ومراجعة: ندى الزهراني @ciy26

 

أليس كلُ من يبالغ في حثّه على الإيجابية مزعجًا؟

حسنًا، ليس الأمر كذلك، ولكن أليس الحثّ اللامتناهي على ”التفكير الإيجابي“ أو ”النظر إلى الجانب المشرق“ مُنهكًا خاصة عندما لا تكون لحظتها تشعر بالبهجة أو الإيجابية؟

إنه لأمرٌ باطل، فمثلًا عندما تُهمّش آلامنا ويُطلب منّا أن نلتفت إلى الحلول مباشرةً، نشعر وكأن لا أحدًا يُصغي لنا، وهذا يجعلنا نتجه إلى الوحدة والانعزال عندما نقاسي أي أمر.

علاوةً على ذلك، أن يُطلب منّا أن نبقى ”مبتهجين“ يوحي بأن قلقنا بحد ذاته ليس أمرًا صائبًا، لأننا نقلق أو نحزن بلا سبب وجيه أو أنه مجرد توهمٍ في عقولنا.

 إن اقتراح ”التفكير الإيجابي“ أمر أناني عادةً، لأن معظم الناس يشعرون بالانزعاج الشديد عند استماعهم إلى آلام الآخرين النفسية، فهم يشعرون بأنهم ملزمون بفعل شيءٍ ما، ولكنهم يجهلون ما هو، فيقترحون التفكير بإيجابية. كونها إحدى طُرق التخلص من الإحراج الذي يعتري الفرد عند مشاهدته من يتألم وهو في حالة من العجز.

عندما يطلب منّا الآخرون أن ”نفكر بإيجابية“ غالبًا لا تكون رغبة صادقة منهم في المساعدة بقدر ما هو حل سريع لانزعاجهم.

وإن كانت نواياهم حسنة، فإن نصيحة ”التفكير الإيجابي“ نادرًا ما تكون مفيدة، فمعظمنا سبق وأن جرّب هذه الطريقة ووجدها ضعيفة، على كل حال، إن كانت الآلام النفسية والحالات المزاجية الصعبة تتغير بهذه السهولة مثل أن يستحضر أحدهم بعض الأفكار السعيدة فقط، فسيكون كل طبيب نفسي في العالم -بما فيهم أنا- بلا عمل.

لكن الجزء الغريب هو…

أن هنالك العديد من الأدلة، منذ عهد الفلاسفة الرواقيين في اليونان القديمة وروما إلى عهد العلاج المعرفي السلوكي الحديث، على أن تغيير أفكارنا وتفسيراتنا لما يحدث لنا يمكنه أن يؤثر تأثيرًا عميقًا على الطريقة التي نشعر بها، ونحن نعلم أن تغيير الطريقة التي نفكر بها يُغيّر الطريقة التي نشعر بها.

إذًا لماذا عادةً ما يخذلنا التفكير الإيجابي في جعلنا سُعداء؟

التفكير السلبي ليس هو المشكلة

من قلب معضلة التفكير الإيجابي هنالك تمييز دقيق، نحن ننصح الآخرين بالتفكير الإيجابي وبكثرة لأننا نفترض أن التفكير السلبي هو المشكلة، فإن كنت تفكّر بالأمور المخيفة طيلة الوقت، حتمًا ستشعر بالخوف، وإن كنت تفكر بالأمور المأساوية طيلة الوقت، حتمًا ستشعر بالحزن.

ولكن أحيانًا تمتلئ الحياة بالسلبية، ومن المنطقي أن تكون أفكارنا سلبية بالمثل، فعندما تشاهد تقريرًا إخباريًا حول زيادة الوفيات بسبب القيادة تحت تأثير الكحول في مدينتك، من الطبيعي أن يزداد قلقك ولو شيئًا يسيرًا على الأقل من الجلوس خلف المِقوَد. 

إن الرد النموذجي على هذا هو أن ذلك التفكير السلبي غير المنطقي أو غير الواقعي هو المشكلة، فأنت من المُرجح أن تموت من صاعقة برق أكثر من أن تموت بسبب حادث تحطم طائرة، فلماذا أنت قلقٌ بشدة حيال رحلتك القادمة؟

ولكن إن كان الأمر بسيطًا مثل إدراكنا بأن تفكيرنا نوعًا ما غير واقعي، لماذا ينخرط الكثير منا في التفكير السلبي وغير المنطقي بوضوح، خاصة وأن التكاليف النفسية باهظة جدًا؟

لماذا نقلق عندما نعلم أن ذلك لا يخدمنا وإنما سيجعلنا أكثر قلقًا؟ لماذا نفكر في أخطاء الماضي ونحن نعلم أننا غير قادرين على تغييرها وأن التفكير فيها فقط يزيد من اكتئابنا وخجلنا من أنفسنا؟ 

انظر، جميعنا نفكر بسلبية أحيانًا، ومن وقت إلى آخر، جربنا جميعًا أن نفكّر بسلبية غير منطقية مثل القلق أو الخوض في أخطاء الماضي، ومن واقع خبرتي، ليس التفكير السلبي ولا حتى التفكير السلبي غير المنطقي هما المشكلة. 

ومما يؤدي إلى المعاناة النفسية الكبرى هو الإفراط في التفكير التقييمي.

لماذا كل هذه الانتقادية في الحكم؟ 

بصفتي طبيب وأخصائي نفسي، كان من أقوى الأنماط التي رأيتها في الأشخاص الذين يعانون من صراعاتٍ نفسية مزمنة هو حكمهم العميق على أنفسهم وخاصة على آلامهم النفسية.

فمثلًا: الجميع يقلق أحيانًا، ولكن أصحاب القلق المزمن يقلقون من قلقهم نفسه، فهم يخافون من القلق ويُصابون بالذعر عندما يشعرون بالتوتر، وهم دائمًا يبحثون عن أسباب كل ألم بسيط في أجسادهم، أو عند تغير صوت أحدهم، أو عند تبادر أي فكرة إلى أذهانهم، مجمل القول هو أن الذين يعانون من القلق معاناة شديدة يميلون إلى انتقاد قلقهم.

مثال آخر، يشعر الآخرون بالإحباط أحيانًا، ولكن أصحاب الاكتئاب المزمن يشعرون بالإحباط من أنفسهم عندما يراودهم شعور الإحباط، وهذه واحدة من أهم المفارقات في الاكتئاب، وهو أن المصابين بالاكتئاب يظهر لنا خارجيًا أنهم خاملين وخامدين، ولكنهم داخليًا عبارة عن عواصف عنيفة في الغالب، وعادةً ما تتميز هذه العاصفة بصنوفٍ لاذعة من النقد والجلد الذاتي، وبمعنى آخر، يميل المصابون بالاكتئاب إلى انتقاد شعورهم بالحزن أو الخمول.

 على النقيض، أحد الأسباب التي تحد من انغماس الكثير في دوامات القلق والاكتئاب هو عدم انتقادهم لأنفسهم بسبب شعورهم بالسوء، فيعتادون لا إراديًا على مداراة أنفسهم وآلامهم النفسية بدلًا من انتقادها، كما أنهم يقرّون بأن الشعور بتلك الطريقة صعبًا ومؤسفًا، ولكن لا يفسرونه على أنه علامة خلل فيهم أو خذلان لأنفسهم، أو بمعنى آخر، الأشخاص المرنون في مشاعرهم لا يفكرون في حالاتهم المزاجية أو مشاعرهم بطريقةٍ تقييمية. 

ومشكلة ”التفكير الإيجابي“ تكمن في أنها تهيئنا للتفكير التقييمي عمومًا، ومن السهل الانتقال فجأة من شكل إلى آخر من أشكال التقييم، كما أن الذي يعاني من الصراعات النفسية المزمنة بشكل خاص، من السهل أن ينتقل فجأة من حالته المزاجية ”أنا مُذهل“ إلى حالته المزاجية ”أنا الأسوأ“، لذا حينما يعطي ”التفكير الإيجابي“ شيئًا من الراحة اللحظية فهذا لا يعني أنه يستحق عناء ذلك، خصوصًا عندما تبدأ سلسلة تفكيرك التقييمي على المدى البعيد.

إذًا كيف نفكر؟

إن الفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا النقاش بأكمله هي أن شعورك بالضيق ليس بالأمر السيء ولست سيئًا لأنك تشعر به، ولأننا لا نستطيع أن نتحكم بمشاعرنا فورًا، فمن غير المنطقي أن نُقيّمها على الإطلاق، فليس هنالك مشاعر جيدة أو سيئة كما أن السماء الملبدة بالغيوم وزخات المطر قد تكون نافعة أو ضارة.

  • ماذا لو توقفت فقط عن تقييم ما تشعر به تمامًا؟
  • ماذا لو استطعت أن تلاحظ مشاعرك دون انتقادها؟ 
  • ماذا لو استطعت أن تصف مشاعرك دون تحليلها؟
  • ماذا لو استطعت أن تستشعر مشاعرك دون أن تروي قصصًا عنها؟
  • ماذا لو كنت مستمرًا في إدراك مشاعرك دون الإصرار على التفكير بها أبدًا؟

 

 

المصدر
تمت الترجمة بإذن من الكاتب

 

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *