المكتب الذي نعرفه انتهى، وهذا جيد

ترجمة بتصرّف لمقال: (The office as we know it is over—and that’s a good thing, By Jared Lindzon)

بقلم:  جاريد ليندزون
الترجمة: فادي ممدوح 
التدقيق والمراجعة: مزون الهاجري
المراجعة النهائية: أسامة خان
عام ٢٠٢١ هو العام الذي سنستمتع فيه أخيرًا بالمزايا الحقيقية لثورة العمل عن بُعد. هنا، ثلاث تنبؤات لمستقبل ما بعد الحياة المكتبية.

بعد مرور عام على بدء انتشار فيروس كورونا الجديد في أمريكا، بدأنا أخيرًا في فهم كيف تغير عالم الأعمال بشكل جذري. لعقود من الزمن، امتلكنا الأدوات ودراسات الحالة وأفضل الممارسات للتطور إلى ما وراء ثقافة المكاتب الصغيرة القديمة. ما نفتقر إليه هو قوة الإرادة لترك المكتب وراءنا.

لكن الوباء سرّع التحول الذي استغرق سنوات. مع عمليات الإغلاق، ارتفعت نسبة العاملين عن بعد من ٣.٤٪ في فبراير الماضي إلى حوالي ٤٢٪ في أبريل. ربما لا يكون غريبا أن العديد من الأمريكيين أدركوا أنهم يفضلون اجتماعات (زووم Zoom) على المكتب. وفقًا لدراسة حديثة أجرتها شركة (فليكس جوبز FlexJobs)، لا يرغب ٦٥٪ من العاملين عن بُعد حديثًا للعودة إلى المكتب.

وسط دمار فيروس (كوفيد -١٩)، يجدر بنا أن نتوقف ونتأمل في ما ينذر به هذا المستقبل. أوقات تنقل أقل. الاتصال غير المتزامن. انخفاض الكربون في الغلاف الجوي والمزيد من المدن الصالحة للعيش. عالم يكون فيه الموظفون أكثر إنتاجية، والمنظمات أكثر مرونة، وأماكن العمل أكثر إنصافًا.

لفهم إمكانات العمل عن بُعد، أنظر إلى (جيت لاب GitLab)، مطور البرامج مفتوح المصدر الذي يعمل على أساسيات بعيدة تمامًا لسنوات، ويعمل به حاليًا أكثر من ١٢٠٠ شخص في ٦٥ دولة. قبل سنوات، كان نموذج (جيت لاب GitLab) غريبًا، حيث تطلب من الشركة تطوير أدوات وبروتوكولات جديدة للسماح للموظفين بالتواصل والتعاون بشكل فعال في مختلف المناطق. يتلقى الموظفون الجدد كتيبً شامل للموظف يوضح أفضل الممارسات لكل شيء بدءًا من (سلاك Slack) ومحادثات ما بعد العمل وحتى الإرشادات الخاصة بإقامة حفلة بيتزا افتراضية.

بالنظر إلى الماضي، يبدو أن اعتماد نموذج (جيت لاب GitLab) أمر لا مفر منه. يقول «دارين مورف»، رئيس قسم التحكم عن بعد في (جيت لاب GitLab):«كان هذا سيحدث، لكن الكثير من الشركات لن تفعل ذلك عن طيب خاطر». «أخطر الكلمات في مجال الأعمال، لقد فعلناها دائمًا بهذه الطريقة».

ساعدت الشركة التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقرًا لها في نشر الإنجيل، وقدمت المشورة للشركات مثل تويتر، تي -موبايل، وسانوفي حول كيفية تحقيق أقصى قدر من العمل عن بعد. لكنها أيضا تجربة لأي مدى يمكن أن يصل هذا المفهوم. هنا، ثلاثة تنبؤات لمستقبل ما بعد الحياة المكتبية.

١. ستصبح أماكن العمل أكثر إنصافًا

قبل الوباء، كان الموظفون الذين يريدون العمل عن بُعد يتوقعون أن يقدموا مقايضات كبيرة مفترضين أن أصحاب عملهم منحوهم الإذن.

من المحتمل ألا يحصل هؤلاء الموظفون على الأدوات والموارد اللازمة للعمل بفعالية. حتى لو استخدم مكتبهم برامج تعاونية مثل (Airtable أير تَيْبل) أو (Slack سلاك)، فمن المحتمل أن رؤسائهم يفتقرون إلى الكثير من الخبرة في إدارة الموظفين عن بعد. قد يكون من الصعب الحصول على فرص التقدير والتقدم الوظيفي.

ولكن عندما تنتقل شركة (أو كوكب) بأكمله إلى العمل عن بُعد في وقت واحد، فإن ذلك يضع الجميع في ساحة لعب متساوية – بأكثر من طريقة.

«يجب أن يجعل الأمر أكثر إنصافًا للأشخاص، فيُثنى عليهم وتتم ترقيتهم للأسباب الصحيحة -أي النتائج التي يحققونها- وليس الأسباب الخاطئة، مثل أنواع الملابس التي ترتديها، أو الطريقة التي تتحدث بها في الاجتماع، أو لمجرد أنك حصلت على مكتب بجوار شخص تخالطه» يقول مورف: «السياسة التي كان لها تأثير سلبي على أي شخص لم يكن ذكرًا أبيض، نأمل أن تختفي ليصبح التقدم والتقدم الوظيفي المرتبط بالنتائج أكثر عدلًا». 

٢. سوف تصبح المدن والبلدات أكثر قابلية للعيش

لم يعطل العمل عن بُعد التسلسلات الهرمية الشخصية فقط. منذ فجر العصر الصناعي، تم ربط العمالة بالموقع المادي، مع هجرة البحث عن عمل. عندما تشهد المدن ازدهارًا، فإنها غالبًا ما تصبح باهظة التكلفة ما يؤدي إلى زيادة الفجوات الاقتصادية. عندما تفشل المدن الصغيرة في توفير الفرص، فإنها عرضة للانهيار.

يوضح مورف: «أُجريت الكثير من الأبحاث على المدن قليلة السكان بالعالم وكأنها مدن للأشباح، إذ يشعر الناس أنه لا خيار أمامهم سوى الانتقال إلى المراكز الحضارية الكبرى من أجل الحصول على عمل أفضل أجرا». «إنه مؤلم على مستويين؛ يخسر المكان الذي نشؤوا فيه أموالهم الضريبية، والمكان الذي يستقبلهم، لا يوجد فيه ارتباط كالمنزل. قد يهتمون بالمكان، لكنهم لا يستثمرون فيه».

وسط الوباء، نحن نشهد بالفعل علامات على هذا التحضر العكسي في الأماكن ذات تكلفة المعيشة العالية مثل وادي السيليكون (Silicon Valley). وفي الوقت نفسه، بدأت المدن والبلدات الصغيرة تقدم حوافز لاجتذاب العاملين عن بعد حديثا. وقد أصبحت الوجهات الرخيصة وذات الهواء الطلق مثل (سبرينغز باغوسا Pagosa Springs) و(ساليدا Salida) في كولورادو مزدهرة بسبب الظروف الحالية والمتعلقة بفيروس (كوفيد -١٩).

الكلمات الأكثر خطورة في الأعمال هي: «لقد فعلناها دائمًا بهذه الطريقة».

يقول مورف: «بدلًا من الضغط على الشركات لتبني ناطحة سحاب لجلب الوظائف ودولارات الضرائب، فإن النهج الأكثر استدامة هو «دعونا نبني المدينة الأكثر ملاءمة للعيش، وسوف يجلب الناس وظائفهم الخاصة». «و في الوقت نفسه هذه المدن الكبرى التي تسعى جاهدة للتعامل مع سكانها، سوف تستفيد أيضا إذا انتقل بعض الناس الذين لا يريدون حقا السكن فيها إلى أماكن تناسبهم أكثر، ويمكن للناس الذين نزحوا من هذه المدن أن يتحملوا تكلفة العيش هناك».

إذا كانت نسبة صغيرة من الموظفين في المناطق الحضرية يأخذون رواتبهم إلى وجهات أصغر، فسيؤدي ذلك إلى تقليل تكلفة المعيشة وازدحام المرور في المدن بشكل فعال ويجلب الإيرادات الضريبية التي تشتد الحاجة إليها إلى المواقع الأصغر. يعتقد مورف أنه نتيجة لذلك، فإن العمل عن بُعد سيفيد الجميع، حتى أولئك الذين ليس لديهم خيار العمل عن بُعد بأنفسهم.

٣. ستصبح الشركات أكثر مرونة وإنتاجية

وأصحاب العمل الذين يحققون هذه الغاية لديهم الفرصة للتمتع بفوائد تتجاوز توفير تكاليف العقارات.

ويشير تقرير حديث أعدته المنظمة العالمية لتحليل أماكن العمل إلى أنه إذا كان من المتوقع أن يعمل ٤٨ مليون موظف لديهم وظيفة متوافقة مع العمل عن بعد أسبوعيًا على الأقل، فإن أصحاب العمل في الولايات المتحدة يمكنهم توفير أكثر من ٥٠٠ مليار دولار سنويًا. هذا بسبب التوفير في العقارات، ولكن أيضًا زيادة الإنتاجية وخفض التكاليف من التغيب عن العمل وسرعة تغير العمالة.

من خلال فصل العمل عن موقع واحد، تصبح المنظمات معزولة بشكل أفضل عن التحديات الإقليمية مثل الكوارث الطبيعية أو تفشي المرض أو تعطل البنية التحتية. في الوقت نفسه، تشير الدراسات إلى أن الموظفين القادرين على اختيار المكان الذي يعيشون فيه ويعملون هم أكثر انخراطًا وإنتاجية وولاءً لصاحب العمل.

وفقًا لدراسة شركة (فليكس جوبز FlexJobs)، كان ٩٥٪ من العاملين عن بُعد متساويين أو أكثر إنتاجية بشكل عام منذ تركهم للمكتب؛ و٧٣٪ يقولون أن العمل عن بعد قد حسّن التوازن بين العمل والحياة، و٨١٪ سيكونون أكثر ولاءً لصاحب العمل إذا عرضت عليهم خيارات عمل مرنة.

يمكن أن يساعد العمل عن بُعد أيضًا في توسيع مجموعة المواهب المتاحة للشركة، من أولئك الذين يعيشون على بعد مسافة قصيرة بالسيارة من المكتب إلى أي مكان تقريبًا على وجه الأرض به اتصال بالإنترنت. يقول مورف إنه سيكون من الأسهل كثيرًا على الشركات التوظيف والتوسع، نظرًا لأنها ستكون قادرة على الاستفادة من مجموعة أكثر تنوعًا من العمال.

من أجل التمتع بهذه الفوائد، تحتاج المؤسسات إلى التخلص من «ثقافة المكتب» وتبني ثقافة «البعد أولًا». هذا لا يعني فقط السماح للعاملين بمواصلة العمل عن بعد، ولكن أيضًا تزويدهم بالموارد والسياسات والتدريب الذي سيتيح لهم الازدهار في بيئة العمل الجديدة.

يقول مورف: «يعد الكثيرين إن الانتقال إلى العمل عن بُعد أمرًا صعبًا حقًا لأنهم لم يختاروه، والسبب الأكبر هو أن لم تكن شركتهم جاهزة». «الآن يتحسن الناس في ذلك، لذلك آمل أن يصبح امرًا اعتياديا في العام المقبل».

المصدر
تمت الترجمة بإذن من الكاتب
أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *