مستقبل الجامعات - عُلّمنا

في إحدى صباحات إبريل، واضعًا السماعات على أذني وأبحر بمخيلتي مستعدًا لتجربة متطورة في التعليم العالي في غرفة صغيرة تقبع بالدور التاسع لإحدى مباني سان فرانسيسكو، كنت مع وكيل إعلاني ورئيس تقني لمشروع تعليمي يدعى مينرفا -موؤسسها ورئيسها التنفيذي بيْن نيلسون– وكان بيْن يهدف لتغيير الكليات للتعليمٍ الحر وقد استبدلها بكلمة (إصلاح التعليم) حتى يكون كلامه أقل حدّه

 

مينرفا جامعة معترف بها من قبل المكاتب الحكومية في سان فرانسيسكو، وتخطط لإفتتاح ستة فروع حول العالم، ما يميز مينرفا عن باقي الجامعات التقليدية هو كونها منصة إلكترونية متطورة تمارس التعليم عن بعد، وقد قام بدراسة الأمر ستيفن كوسلين -وهو واحد من أهم علماء النفس حول العالم وعميد سابق في جامعة هارفورد- وقد انضم لمينرفا عام ٢٠١٢ م

 

“نيلسون وكوسلي” دعاني لتجربة محاضرة حيّة على الموقع، ظهرت لي في البداية شاشة بها الأساتذة وثمانية من الطلاب، قمنا بتقديم أنفسنا وشكلنا حلقة دراسية وشعرت شخصيًا وكأننا متباعدين وكأن كل شخص في عالم آخر وبقعة بعيدة في هذا العالم ليس وكأننا على نفس الطابق من هذا المبنى في غرفٍ متفرقة!

 

ما لاحظته أنه خلال دقائق معدودة من بدأ المحاضرة أصبح الموضوع أكثر عمقًا فعنوان الدرس كان واحد من سلسلة دروس يلقيها إيريك بونابيو -باحث ومؤلف فيزيائي-، بدأ هذا المعلم بسؤالنا عن رأينا وما فهمناه من خلال قراءة مقال كان عن (النضوب المفاجئ لسمك القد في الشمال الأطلسي لعام ١٩٩٠) وسألنا عن أربع  تفسيرات مقنعة في هذا المقال، في محاضرة تقليدية قد يخيب الصمت بسبب الخجل من الخطأ حتى يشارك أذكى طالب بفلسفته، ما لاحظته بالمحاضرة المتطورة هذه أن لا مجال للخجل ولا ميزة للطالب الفيلسوف ففي غضون ثوان قدم كل طالب إجابة وقام المعلم بعرض إجاباتنا حتى يتسنى لنا تبربرها

 

قاد المعلم هذه المحاضرة كديكتاتوري -بالصورة الحسنة-، أجرى لنا إمتحان مفاجئ! وعرض لنا قوانين صارمة وتكتيكات تعليمية من شأنها أن تأخذ وقتً طويلا لترتيب وبدأ أي محاضرة، ثم فصلنا على مجموعات للدفاع عن الفرضيات التي طرحناها لظاهرة إختفاء سمك القد التي اضمحلت بسبب الصيد الجائر أو عوامل آخرى، بضغطة زر واحدة من المعلم اختفى مجموعة طلاب من أمامي على الشاشة وبقيت أنا وثلاثة منهم كمجموعة، فلا حاجة لتحريك المقاعد! استطعنا النقاش وتسجيل ملاحظاتنا على سبورة إلكترونية مشتركة بيننا نحن الفريق الواحد وكان المعلم يطّلع على فريقي تارة وعلى الفرق الآخر تارة آخرى، نستشيره فيشير علينا، بعدها قام ممثل عن كل فريق بعرض تقرير موجز عما توصلنا إليه ثم انتهت المحاضرة بعرض المعلم لفيلم قصير عن أخطار الصيد الجائر، ثم انتهت المحاضرة واختفت من شاشة الجهاز بعد ٤٥ دقيقة من بدأها.

 

لقد كان في النظام بعض الأخطاء، فقد فشل في الإتصال مرة وبعض المقاطع كانت بطيئةً أثناء عرضها وبالعموم كانت تجربة ممتازة، فهي على العكس تمامًا من الفصول التقليدية وإن كان المحتوى واحد، وبالنسبة لي هناك إختلاف إضافي، لقد كانت تجربة مرهقة! كان التركيز ضروري خلال فترة المحاضرة فلا مجال لتشتت الإنتباة أو الخربشة في دفتر الملاحظات، كان يبدو وكأن المعلم ينظر مباشرة لي فلا مجال لإبعاد ناظري عن الشاشة حتى حين حاولت التفكير في أمر لم نناقشه بعد -في محاولة لعصف ذهني- طرح المعلم سؤال مفاجئ!

 

في الحقيقة، أصبحت مضطرَّا للتعلم! إذا كان هذا تعليم المستقبل فهو نظام فاشي إلى حدٍ ما، ممتاز لكن فاشي.

المصدر:

Graeme WoodThe Future of College

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (لم يتم تقييمه بعد)
Loading...

About The Author

انضم الى قائمتنا البريدية

البريد الالكتروني