سيئون في التواصل رغم أنّه حاجة إنسانية

ترجمة بتصرّف لمقال: (Connection Is a Core Human Need, But We Are Terrible at It)

ترجمة: حوراء الصفواني

تدقيق ومراجعة: أسامة خان

يتحدث يوهان هاري (Johann Hari) بحسب خبرته في مجال الصدمة والصحة النفسية في كتابه فقدان التواصل (Lost Connections) عن سبب اعتقاده أن أساس كل شيء نعاني منه غالبًا هو سوء تواصل لم نعرف كيف نصلحه.

يتحدث هاري (Hari): اتّبع مرضى عيادة للسمنة نظامًا غذائي بالسوائل لإنقاذهم من الموت، فغادر عددٌ من المرضى ناقصين عدّة كيلوغرامات، ولكن ما حدث لاحقا كان أثرًا جانبيا لم يتوقعه أحد: عاد بعضهم إلى وزنهه السابق ومنهم من أصيب بنكسة نفسية وأقدم أحد المرضى على الانتحار وتوفي.

أعاد الأطباء النظر في الأسباب التي دفعت المرضى إلى تناول الطعام واكتشفوا تزامن الوقت الذي أفرط كل مريض في تناول الطعام فيه بحدثٍ مؤلم تعرض له ولم يتأقلم معه ولخص هاري (Hari) النتائج بـ«ما اعتقدنا أنه كان المشكلة كان علامة على مشكلة لم يعرف أحد عنها شيئا».

التواصل هو تجربة روحانية، تجارب مشتركة ومشاعر متقاربة وأفكار متشابهة. 

وذلك لا يعني بالطبع أن كل شخص مصاب بالسمنة المفرطة يعاني نوعًا من الصدمات فبيت القصيد هو أن عددٌ من المشاكل التي نعجز عن علاجها قد تكون أعراض مشاكلَ نفسية نجهلها.

. . .

تعد الصدمة أعظم مشكلة في حياة معظم الناس، حيث تُتْلِف قدرة التواصل مع الآخرين. لا تنشأُ «الصدمة النفسية» عندما يمرّ الإنسان بمصائب عظيمة فقط، بل تنشىأ حتى عند عدم استطاعةِ تخطي الخوف من شيء ما، فعندما نعتقد أننا لا نملك القوة الكافية لتخطي مشكلةٍ ما، نسلُك سلوكا مختلفا ليساعدنا على التكيُّف.

لا تسبب الصدمة الأضرار الأكبر على المدى البعيد، إنّما توابعها ومنعها العودة للانخراط الاجتماعي والحياة الصحية الطبيعية، والنّظر إلى أفضلية الآخرين.

سمعت هذا الكلام على الأغلب بطرق مختلفة: مقابِلُ الإدمان ليس الاعتدال، بل التواصل. ترتكز السعادة على الشعور بالانتماء والهدف، فالثقافات الجماعية هي أكثر صحة عقليا. غالبًا يموت الوحيدون بأمراضٍ في وقت أبكر. 

نحن كائنات اجتماعية بطبعنا على عكس ما تروج له ثقافة الفردانية، فنحن نولد ونحقق وننجز بالتواصل، العلاقات الصحية حاجة، وليست اختيارًا. 

بالرغم من أهميةِ التواصل، إلا أن البشر يغضون طرفهم عنه غالبًا، بسبب قلة المصادر التي تعزز وتعلّم التواصل. وهنا أفكار مهمة قد تساعد

. . .

فهم ماهية الاتصال

التواصل تجربة روحانية، تجارب مشتركة ومشاعر متقاربة وأفكار متشابهة وانتماءٌ لشيء أكبر.

فعندما تشاهد حدثًا رياضيًا مع أصدقائك، أنت تتواصل. وعندما تجتمع مع عائلتك لتناول العشاء أو تعبر عن مشاعرك الصادقة لشخص آخر أو تجد شيئًا مشتركًا مع شخص ما، أنت تتواصل.

طورنا عالمًا رقميا بهدف تعزيز التواصل ولكنه أثر سلبًا على الجيل الرقمي؛ فهو يعاني من سوء تواصل، فقد طور تواصلًا غير حقيقي، فالتواصل يُحسُّ ولا يرى.

. . .

تعلم كيفية التواصل مع الآخرين بشكل حقيقي

لا تفصلنا الشبكة ووسائل التواصل الاجتماعي عن التواصل بسبب إدماننا لهواتفنا وحسب. ولكن لأنها تزيد قدرتنا على التزيف فهي تسمح لنا بتعديل وتصفية وإظهار ما نريد، فهو يتيح لنا صنع صورة حقيقية أو مزيفة عن حياتنا.

لدى الأشخاص الذين لديهم روابط حقيقية عبر برامج التواصل الاجتماعي نظرة وتجربة إيجابية نحو هذه البرامج، فالأشخاص الذين كانت نيتهم صادقة في بحثهم عن تواصل حقيقي وشفاف في منصات التواصل الاجتماعي لا تظهر عليهم علامات الضغط أو الاكتئاب المصاحبة لاستخدامهم لها ويسعى الأشخاص ليحظوا بالإعجاب على هذه المنصات لأنهم يخلطون بين مفهوم التواصل ولفت الانتباه وجذب الأنظار.

. . .

التركيز على تقديم التواصل، وليس تلقيه

يتعين علينا أن نمنح الآخرين وقتنا ومشاعرنا وأفكارنا الصادقة وأن نشاركهم الخبرات من أجل التواصل معهم فنحن لا نتواصل مع الآخرين بحصولنا على قبولهم أو إطرائهم أو تقديرهم أو حسدهم أو بتفوقنا عليهم.

في استعادة التواصل مع الآخرين، سندرك أننا في الواقع ننشئ اتصالًا مع أنفسنا.

يعتقد معظم الناس أنهم يحصلون على التواصل إذا كانوا «جيدين كفايةً» بينما هو شيء ينمو بوجود الرغبة الكافية.

إذا كانت العودة إلى الكمال هي الشفاء، فالشفاء من الصدمة يكمن في تذكر أنه يمكننا الوثوق بالآخرين وبأنفسنا وبالحياة، والانخراط مجددا في سهولتها وهدوئها وبإلايمان بها عوضا عن محاولة تغيير مجراها، ولكن الشفاء ليس بانتظار مبادرة أو استمرار الآخرين في التواصل، بل بالرغبة الجادة لإعادة المحاولة وإبراز أنفسنا للآخرين والاندماج معهم وطلب المساعدة، وبالنشاط في المجتمع والعائلة وعند الأصدقاء.

. . .

سندرك عند التواصل مع الآخرين أننا في الواقع ننشئ اتصالًا مع أنفسنا لكوننا محبوبين لما نحن عليه وبما نؤمن ونشعر به ونتعلم أن نتقبل أنفسنا بما نحن عليه.

إذا كان التواصل مع الآخرين حاجة إنسانية أساسية، فإن السماح لأنفسنا بالتواصل مرة أخرى هو الجزء الأكثر أهمية في التئام جروحنا العاطفية. إنها ببساطة رغبتنا في الظهور كما نحن وثقتنا بأنه سيُلتفتُ لنا، فإن ما يميزنا هو إعطاء وقتنا وطاقتنا لأولئك الذين يحترموننا ويعتزون بنا والأهم من ذلك معرفة أننا سنخرج من المحن أقوى وأكثر وضوحًا ورغبةً في تقدير ما لدينا عندما نخوض مصاعب الحياة كما هو محتوم علينا جميعا.

روابطنا وإعادتها غالبًا أقوى حيث تعيَّن علينا تشكيلها بأنفسنا، لا تختلف عن فن (اللصق بالذهب – kintsugi) الياباني، حيث تُصلح المكسورات وتُعرض بفخر.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *