كيف تجد السلام والسكون في العالم الحديث

ترجمة بتصرّف لمقال: (How To Find Stillness and Peace In The Modern World, By Tom Stevenson)

الكلمات الحكيمة من كتاب السكون هو المفتاح لريان هوليداي 

بقلم: توم ستيفنسون
ترجمة: غدير العبيري
تدقيق: ليلى عامر
مراجعة نهائية: ندى محمد

تستيقظ، تفرك عينيك، تدير رأسك جانبًا لترى كم هو الوقت ثم ترفع نفسك من عمق الفراش، ثم مرةً أخرى تدير رأسك باحثًا عن شيء صغير يوجد شيء على المنضدة بجانب سريرك، إنه هاتفك.

لقد كنت نائمًا لثمان ساعات وخلال ذلك الوقت لم يحدث الكثير، قد يكون شخص ما أرسل لك رسالة مهمة، أو من المحتمل أن الإيميل الذي تنتظره قد وصل، أو ربما تكون حصلت على المزيد من الإعجابات على صورة الانستقرام. 

تمر نصف ساعة على بقائي في السرير أتصفح عبر تويتر، انستقرام وأي تطبيقات أخرى أشعر بحاجتي للتحقق منها قبل أن أشرع في بدء يومي. 

لم أر في بادئ الأمر خطب في هذا لكن بمرور الوقت أدركت كم أنها مشكلة كبيرة. كنت أهمل ممارسة ما يشير إليه الكاتب ريان هوليداي بالبقاء هادئًا، وأنه يوجد طرق كثيرة تبدأ بها يومك مثل الإطالة والتأمل أو المشي سريعًا، أفضل من أن يكون أول ما تفعله صباحًا هو البحث عن جماد غير حي.

أهذا يبدو مألوفًا؟ أنا واثق بأنه كذلك للعديد منا.

بالنسبة لي كان هذا هو روتين صباحي في مرحلة معينة، بعد ثواني من استيقاظي وبدون حتى أن أفكر في الأمر أبحث عن هاتفي بالأرجاء والتقطه، وأياً كان السبب في هوس أن تبدأ يومك بالبحث عن هاتفك والمرور عبر مجموعة من التطبيقات، فهي بداية متينة لا شك.

يناقش هوليداي في كتابه السكون هو المفتاح، أننا نسعى جاهدين لنجد السكون في العالم الحديث وأننا كثيرًا ما نستسلم للضوضاء في حياتنا اليومية، يعود معظم ذلك إلى افتقار التفكُّر والإقرار بأننا مدينين بالفضل لبعض الدوافع والعادات التي تحكم حياتنا، وسواء كانت الحاجة للهرب بعيدًا عن أنفسنا تكمن في قيامنا دائمًا بعمل ما أو هوسنا في التحقق من هواتفنا فإنه بإمكاننا أن نسبح عكس التيار لنعود إلى الشاطئ ونجد السلام الداخلي بواسطة التأمل الداخلي والقليل من التغيرات من جهتنا.

. . .

كنز الهدوء 

أظهرت البحوث بأن الامتعاض من الضجيج القوي، يرتبط بارتفاع معدل انتشار حالات الاكتئاب والقلق بين عامة السكان بشكل مثير للانتباه، العالم الحديث مفعم بالضجيج بشكل لا يمكنك الفرار منه وسوف ترى ذلك إذا عشت في مدينة كبرى مثل برشلونة، وقد عشت بها لمدة عامين. 

يُعنون ريان هذا في مقدمة كتابه، بأن معظمنا سوف يدرك أن اللحظات الهادئة لحظات عميقة نشعر من خلالها بالاطمئنان وهي من أفضل اللحظات. وقد أشار «إذا كانت أفضل اللحظات هي الهادئة وإذا كان العديد من الأشخاص الحكماء والفاضلين قد أشادوا بها، فلماذا هي نادرة جدًا؟»

إنه سؤال سديد ومن الضروري التأمل فيه.

للإجابة على سؤال ريان، نحن كثيراً ما نستغرق الوقت في أنشطة وأعمال أخرى ونهمل تخصيص بعضًا منه للعزلة وهذا ما يجعل اللحظات الهادئة نادرة، ولكي نقدّر هذه اللحظات والعالم من حولنا نحتاج قضاء بعض الوقت في الهدوء والتأمل من حينٍ لآخر.

أحد الأماكن المفضلة لدي عندما كنت أعيش في برشلونة لأهرب من الازدحام وضجيجه هي مونتجويك، وهي تلة مرتفعة مطلة على المدينة والتي كانت موقع الأولمبياد ١٩٩٢، إنها واحدة من المناطق الأكثر هدوءاً في برشلونة على الرغم من أنها قريبة للمدينة وللساحة الرئيسية.

كنت أسير لمسافة قصيرة من شقتي كلما رغبت بالاسترخاء باتجاه مركز التل ثم أصعد ببطء وصولاً الى الملعب الأولمبي. أمعن بالنظر نحو أفق برشلونة من هناك، أقدّر روعة المدينة التي أعيش بها وهدوئها الذي أحاط بي، كان باستطاعتي من خلاله أن أشعر بسكينة شديدة وبحركة النسيم وأن أصغي إلى هتف الطيور.

. . .

التقاعس عن العمل أحيانًا أفضل من العمل

رد الإتحاد السوفيتي ونيكيتا خوروشوف على طلب كوبا لأجل عمليات نشر الأسلحة النووية في الجزيرة لردع أي هجوم آخر من قبل الأمريكان بعد المحاولات الفاشلة في خليج الخنازير عام ١٩٦١، فقد كانت أزمة الصواريخ الكوبية أقرب لدخول العالم حرب نووية.

بينما كانت الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي يقفان على حافة المواجهة الكاملة لمدة ثلاثة عشر يوماً في أكتوبر ١٩٦٢، كان الرئيس جون كينيدي آنذاك عالق بين نارين، مما جعله يأخذ نصيحة مستشاريه بتدمير مواقع الصواريخ لولا أن هذه قد تكون مخاطرة بحرب واسعة النطاق مما قد يؤدي لوفاة الملايين. أما الخيار الآخر كان يتمثل في عدم الإقدام على شيء، إلا أن خيار كهذا بدأ ضعيفًا لمستشاريه وللبعض في بلدته. 

كان قرار كينيدي ضد الهجوم بضربة صاروخية وفضّل الحصار بدلاً عن ذلك، ورغمًا عن أن نصف مستشاريه عارضوا هذه الخطوة فالحصار أتاح لكينيدي استخدام الوقت كأداة وقدّم له ولخوروشوف الوقت ليفكروا مليا في مخاطر وعواقب أعمالهم.

فكّك الشعب السوفيتي أسلحته وأعادها إلى روسيا، بينما اتفق الامريكان على عدم محاولتهم لغزو كوبا مرة اخرى، وقد تفادى كينيدي حرب نووية محتملة من خلال التوقف واستغراق الوقت الكافي للتوصل إلى قرار. وفي النهاية مرت الأزمة دون تصاعد كبير بين القوتين الخارقتين.

أدرك كينيدي في هذه اللحظة أن التقاعس عن العمل أفضل من العمل.

أثناء عملنا أو تقاعسنا عن العمل ربما لن نحصل على أثر بالغ مثل الذي واجهه كينيدي حين اتَّبع هذه الأخلاقيات، من المحتمل أننا لم نصل إلى هنا حاليًا لكن التراجع خطوة للخلف بوسعها ان تحدث  فارقاً ضخماً في حياتنا. إضافةً إلى أننا في كثير من الأحيان لا نرغب في صرف الوقت بالاستراحة والتفكير أو أن ننتظر شيئًا ما، بل نحن نقفز بإتجاه العمل بشكل سريع لأننا نريد أن نبادر ونتحرك ونشرع في عمل ما، كأن بذل أي مجهود أفضل من البقاء مكتوف الأيدي.

بقاءنا مكتوفي الأيدي دون القيام بعملٍ ما هو أصعب شيء على الإطلاق إلا أنه أيضًا أكثر تنويرًا، لذلك ينبغي علينا أخذ الوقت الكافي لتقدير اللحظات الهادئة في الحياة، وألا نجعل أعمالنا تنهكنا وتستهلك الكثير من حياتنا، فإن أثر العالم الحديث يكمن في الاندفاع نحو العمل والخوف من الصمت وضياع الفرصة. 

. . .

هبة أن تكون موجود

قام ريتشارد تشامبرز اخصائي النفس الإكلينيكي في ٢٠٠٨ بدعوة ٢٠ شخص لم يسبق لهم أن فكروا بالمشاركة في دراسة صغيرة تخص تأثيرات التأمل واليقظة وعلى مدى ١٠ أيام من من التمارين الذهنية والتأمل وجدوا بأن لها أثر إيجابي بشكل ملحوظ على تقليل الاجترار النفسي وأعراض الاكتئاب وزيادة الانتباه. إننا نجاهد لكي نتمهل ونقدّر كل ما نملكه من حولنا بدلًا من الحنين على ما ذهب أو ما قد نمتلكه، ومع تنافس كل شيء على جذب انتباهنا من الصعب أن نشعر بوجودنا في اللحظة الراهنة.

كثيرًا ما يقال بأن الفرق الرئيسي بين البشر والحيوانات هو قدرتنا على التطلع إلى المستقبل وتصور كيف من المحتمل أن يكون، نتخيل المستقبل الذي نفضله والحياة التي سنعيشها أو موتنا المحتوم. وبجانب قدرتنا على التطلع إلى الأمام وإلى الماضي فإنه من الطريف أن نقضي معظم الوقت بالتفكير ملياً في المستقبل أو نلتفت للماضي بدلًا من تركيزنا على الحاضر.

اعتنق الحاضر وثمّن باللحظة التي تعيشها لأنك لن تعيشها مرة أخرى، فالحياة قصيرة ونحن هنا لوقت قصير وسنرحل، وكما ذكر ريان في كتابه أنه من الأفضل لنا أن نركز على ما نملكه بحوزتنا الآن ونتوقف عن بذل طاقتنا الكاملة حول المستقبل والماضي، هذه اللحظة هي كل نملكه.

بالتأكيد لابد أن تنظر للماضي وتفكر في المستقبل لكن لا تفعل ذلك على حساب الوقت الراهن، فالحاضر هو حيث تُصنع الحياة وتحدث الأمور.

. . .

الاعتزاز بالعملية

سيشرح لك أي رجل رياضي تستمع إليه كيفية الجلسات التدريبية الخاصة بهم، وطريقة تنظيمهم للطقوس بعناية قبل المباراة مما يتيح لهم الاداء على أكمل وجه. فالعملية هي كيفية حصولك على النتائج. 

ذكر ريان هذا عدة مرات في الكتاب، استخدم نجم كرة السلة راسل ويستبروك كمثال في طقوسه الروتينية قبل المباراة، وكذلك نجم البيسبول شون جرين. عندما اتبعوا روتينهم ازدهروا، وبدأوا بالتعثر حينما بدأوا بالتفكير أكثر من اللازم في النتيجة. 

المشكلة هي أنه لا يمكنك التحكم في النتيجة بينما الشيء الوحيد الذي يمكنك التحكم فيه هو العملية؛ ولهذا تبدأ في الفشل عندما تفكر أكثر مما ينبغي في النتيجة وتهمل العملية. وبالطبع ينطبق هذا في أي مهنة ليس فقط في الألعاب الرياضية.

ينبغي علينا أن نستمتع بالرحلة بدلاً من التركيز على ما سيحدث بمجرد وصولنا إلى مكان ما؛ لأنك لم تذهب في رحلة برية لأجل أن تصل للنهاية فقط بل تخطط للاستمتاع بصحبة أصدقائك وبالمناظر التي تراها طيلة الرحلة.

الذي يحدث حين تصل إلى وجهتك هو انك تسأل ماذا بعد؟ ماهو التالي؟ لازلت ترغب بالمزيد ولست راضي بعد. حدث معي هذا عندما أصبحت ذو مهنة حرة، طريقة أداء عملي فقدت معناها بمجرد أن حققت هدفي وكان يجب علي البدء من الصفر. ولهذا السبب الرحلة تفوق متعة الوصول.

أن تسترخي وتجعل تركيزك على أدائك وتستمتع بالعملية اياً كان ما تفعله بدلاً من النتيجة وتقع في حب العمل، هنا حيث يقبع ما ترجوه.

وضّح ريان في كتابه أنه من الممكن الإنجاز مع بعض من مراقبة النفس والتغييرات القليلة في عاداتنا وتطلعاتنا، وأن نخصص وقت لتقدير تلك اللحظات التي يهدأ بها العالم، التي لا يسعك بها إلا أن تستمع للطبيعة نفسها، وأن تدرك بأن العطالة كثيرًا ما تكون أفضل من العمل وبأن الانشغال ليس ميزة.

إيجاد السكون لم يكن في أي وقت مضى أكثر أهمية من الآن في عالم كثرت فيه الفوضى والاضطراب. 

وكما ينص ريان هوليداي «السكون هو تلك اللحظة الهادئة عندما يصيبك الإلهام. لحظة تفسح لك المجال لتشعر بالامتنان والسعادة وتعطيك القدرة على التراجع والتفكير».

قدّر قيمة اللحظة الراهنة لأنها الوقت الذي لن تستعيده ولأنه الأكثر أهمية على الإطلاق، تحقيق هذا هو أبسط مما نتخيله. حالة اضطراب الفوضى في عصرنا تعني أن السكون له أهميته وأننا نحتاجه الان اكثر من أي وقت مضى، إلا أن مفهوم السكون قديم لم يعد يُطبق في العالم الحديث.

ختاماً، استمتع بعملك وأعتز بالعملية وكن مدرك أن الرحلة كالوجهة تماماً، إن لم تكن اكثر متعة.

المصدر

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *