لم لا يلزَم بعض الناس منازلهم حتى الآن؟

ترجمة بتصرّف لمقال: (Why Some People Are Still Not Staying at Home)

يفسر هذا البحث ردة فعلنا النفسية تجاه كوفيد-19

ترجمة: فاطمة الإبراهيم FatimaAl_93@

تدقيق ومراجعة: ليلى عامر

يمكننا أن نصف الأشخاص الذين يمارسون حياتهم وكأن شيئًا لم يتغير بأنهم أنانيون متغابون وأشرار خطرين على المجتمع. ولكن كما ذكرت بشكل مستفيض في كتابي صناعة الشر-العلم خلف الجانب المظلم للبشرية- أنه من الضروري النظر في العلم المتعلق بالسلوك السيء عوضًا عن القفز إلى الاستنتاجات.

لقد رأينا في الأسابيع الماضية ارتفاعًا في أعداد الموتى واستجابات حكومية غير مسبوقة تجاه كوفيد-١٩ وتغيرت الحياة بشكل جذري في معظم العالم. تأقلم الكثير منا لحياة المكوث في المنزل. ولكن بشكل مربك وخطِر لازلنا نشاهد كذلك صوراً لشواطئ مكتظة وشوارع مزدحمة.

وبالنظر بدقة إلى نشرات الأخبار المتشبعة فإنه يستحيل أن لا يعلم الناس بأنه ينبغي عليهم البقاء في المنزل. إذن لماذا يتصرف بعض الأشخاص بشكل خطير؟

الوباء العاطفي

في ٢٠٠٩كتبت دانييل أوفري (Danielle Ofri) عن الظاهرة التي لاحظتها في مرضاها، فقد وجدت بأن هناك عدوى نفسية للخرافة وشك يضع الأشخاص وعائلتهم في الخطر خلال تفشي H1N1 «أنفلونزا الخنازير»:

«مثلما توجد أنماط من العدوى، فيبدو أن هناك أنماط من ردت الفعل العاطفية (الوباء العاطفي) مرتبطة بالأمراض الجديدة»

بالتحديد تلك الأمراض المشابهة لكوفيد-١٩(في ذلك الوقت: H1N1) يمكن أن تتواجد بدون أعراض في الأشخاص الذين نقابلهم، تسيطر على كُلاً من مخيلتنا ومخاوفنا. فنصبح خائفين وغير متيقنين.

يؤدي الخوف وعدم اليقين في الناس إلى أمرين:

١. افتراض الأسوأ في الغير.

٢. التصرف بدون عقلانية.

دعونا نناقش كل من:

تحيز الإحالة الأساسي وكوفيد-١٩

لأننا لا نستطيع رؤية أفكارِ الآخرين، فإننا بحاجة إلى الاستنتاج بناءً على سلوكياتهم. من الجوانب الأساسية فيما يطلق عليها علماء النفس نظرية العقل هو القدرة على تفسير الأشياء كنيَّة أو أحاسيس أو معرفة الآخرين. ولكن في كثير من الأوقات، يعني هذا فقط بأننا نخمن دوافع تصرفاتهم.

الوباء الحالي، يؤدي بنا إلى عمل تقييمات أخلاقية عن الآخرين بشكل تلقائي. يمكن أن يؤدي بنا إلى التفكير في أن الآخرين يتعمدون القيام أو قول أشياء تؤدي إلى زيادة انتشار هذا المرض على الرغم من امتلاكنا وسيلة بسيطة لمعرفة نواياهم الحقيقية.

من الممكن أن تكون نظرية العقل مخطئة ويمكن أن تؤدي بسرعة إلى أخطاء في الإسناد الأساسي. واستناداً إلى بول أندروز (Paul Andrews):

فإن «خطأ الإحالة الأساسي» (Fundamental Attribution Error – FAE) هو النزعة إلى افتراض أن سلوك الفاعل والحالة العقلية تتوافق مع درجة لا تبررها الحالة المنطقية.

وبمعنى آخر: تصرف شخص بطريقة يمكن أن تؤدي إلى إصابة وموت الآخرين بعدوى كوفيد-١٩ لا يعني بأنه لا يهتم إذا كانت تصرفاته تؤدي إلى موت الآخرين. لكن أدمغتنا وبشكل طبيعي تذهب إلى هذا الاستنتاج. نحن نعتقد أن الأشخاص الذين يتصرفون بسوء هم سيئون حتى في المواقف غير المؤكدة والمعقدة مثل الوباء العالمي. 

أطَّرَ آندروز (Andrews) هذا ضمن حجة تطويرية: أدمغتنا مبرمجة لتخطو باتجاه الحذر للبقاء على قيد الحياة. الحذر في سياق الوباء يفترض بأن الأشخاص هم خطرون أنانيون لأننا إذا وثقنا خطأً بشخص مريض فكأننا نلعب مع الموت.

لكن هذه الاستنتاج ليس مبني على عملية اتخاذ قرار عقلانية. إنها تقلل من أهمية وجود المجتمع والدعم خلال الأزمة. كذلك، فإنه مبني على تحيز قفزنا إليه نظرًا لخوفنا وتلقائيتنا بالتفكير بشكل افتراضي ومبسط.

لماذا نتصرف بطريقة لا عقلانية تجاه الوباء

لنضع جانبًا خطأ الإحالة الأساسي الخاص بنا ونضع بالاعتبار الخيارات الأخرى. بينما يتصرف الشخص غريب الأطوار بدافع الأنانية والحقد، فهناك عدة أسباب أخرى لعدم اصغائنا لنصائح التباعد الاجتماعي وهي:

١. لا يمكننا فهمها: يستصعب على البشر استيعاب المشكلات الكبيرة المعقدة. وكأننا في فيلم ديستوبي بدلاً من الحياة الواقعية. إن الاستيعاب غير الكافي لهذا الوباء يمكن أن يؤدي إلى تجاهل أو إنكار حجمه وواقعه تمامًا.

٢. إننا نتشارك في التمني: في العصر الرقمي، لا يتطلب منك الكثير من الوقت في العثور على مقال يخبرك بما تريد سماعه. يمكن أن يؤدي التمني إلى عبارات منتقاة تقلل أو تزيد من شدة الكارثة. إذا كان لديك سوء فهم بأن العالم سينتهي فيمكنك تخزين الموارد المتاحة والمستنفذة للمحتاجين. وإذا كان لديك سوء فهم بأنه لا يوجد ما هو أسوأ من الانفلونزا فإنك تضع الآخرين موضع الخطر من خلال تواصلك الاجتماعي كما تفعله عادةً.

٣. إننا لا نؤمن به: منذ فترة طويلة تمتلئ أخبارنا بقصص مثيرة. إذا يتم إخبارنا بشكل مستمر بأن عالمنا يعيش أزمة فإننا لن نأخذ الأخبار على محمل الجد عندما تحاول إقناعنا بأن هذه الأزمة مختلفة. ربما أصبحنا متلبدي الإحساس من الأخبار التي تصيح بالأمور الكاذبة.

٤. إننا مشوشون: لا نعرف ما ينبغي علينا فعله. فما فعلناه بالأمس أثناء اتباع توجيهات الحكومة قد يُنظر إليه اليوم على أنه خطأ. يؤدي هذا إلى العجز المتعلم حيثُ أننا يمكن أن نستسلم من محاولة البحث عن كيفية التصرف بالشكل الصحيح عوضًا عن استخدام حدسنا كدليل لنا.

معرفة هذه التحيزات تمكننا من التغلب عليها. إن الطريقة الآمنة في النجاة خلال وباء كوفيد-١٩ هي الاستجابة لنصائح الحكومة والتي يتم إعطائها من قبل خبراء الأوبئة. فلديهم معلومات وبيانات واسعة والتي نتمنى أن نكتسبها من خلال محاولتنا في معرفة الاستجابة المناسبة لأنفسنا. قد لا يكونون محقين دائمًا لكنهم سيكونون أكثر صوابًا أكثر من اجتهاد أي شخص منا بمفرده. هذا هو الوقت لسحق هذه البديهيات والتي تخبرنا بأننا أذكياء أكثر من الخبراء الدوليين. نحن لسنا كذلك.

هناك شيء آخر له تأثير هائل على احتمالية بقائنا في المنزل: العدوى السلوكية.

العدوى السلوكية

وفقًا لكريستي دوان (Christy Duan) وزملائها في كتاب الطب النفسي والأوبئة (Psychiatry of Pandemic)، فإننا بحاجة إلى دراسة العدوى السلوكية لفهم استجابتنا النفسية والسلوكية للأوبئة. بناءً على بحثهم:

«يمكن للعدوى السلوكية أن تبشر وتعكس وتطابق العدوى الجسدية الفعلية لمرض معدي أثناء انتشار الوباء».

بمعنى آخر قد ينشر شخص مصاب بكوفيد-١٩ المرض إلى اثنين أو ثلاثة أشخاص آخرين، والأمر ذاته صحيح بخصوص السلوك. رفض شخص واحد التباعد الاجتماعي قد يؤثر على اِثنين أو ثلاثة آخرين للقيام بالمثل.

يمكن أن يؤدي هذا إلى إنتشار المرض بين هؤلاء الذين لا يطبقون التباعد الاجتماعي والذي قد يؤدي إلى «انتقال» واسع للخطأ النفسي الذي لا مشكلة لديه في استمرار الحياة كالمعتاد. هذه العدوى السلوكية ذات ارتباط خاص في المواقف العصيبة للغاية ويمكن أن تنشئ حلقة مفرغة.

لكن هذه ليست بالأخبار السيئة لأن نقيضه كذلك صحيح. الامتثال لنصائح علماء الأوبئة هو كذلك معدي. إذا مكثنا في المنزل فإننا من المحتمل أن نحفز ٢-٣ أشخاص آخرين للجلوس في المنزل. فهكذا يمكن لكل واحد منا إحداث تغيير ليس فقط من خلال منع الفيروس من الانتشار محليًا، ولكن من خلال محاولة التأثير على الناس حول العالم بالجلوس في المنزل.

ختامًا:

اجلس في المنزل. لا تدع عقلك يخدعك على افتراض أن الأشخاص الذين لا ينعزلون اجتماعيًا هم بالضرورة أنانيون. ولإقناع الآخرين بالبقاء في المنزل، فإن أفضل شيء يمكنك القيام به هو أن تبقى في المنزل.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *