ثمة خطبٌ مّا في شبكة الإنترنت!

ترجمة بتصرف لمقال ( Something is wrong on the internet by :James Bridle)


ترجمة: ابتهاج الداوود، درّة سعد.
تدقيق: درّة سعد.
مراجعة: ليما عبد .

 


أنا جيمس برايدل (James Bridle)، كاتب وفنان مهتم بالتقنية والثقافة، أكتب عادةً في مدونتي، لكن بصراحة، ما سأكتبه هنا لا أود أن يُنشر في مدونتي. وأحيطكم علمًا أني سأضمن في مقالي هذا وصفًا لأمور مُزعجة، وروابط لصور ومقاطع فيديو قد تعكر مزاجك. لست مُلزما بمشاهدتها، لكني أنصحك أن تتوخى الحذر في حال رغبت في الاطلاع على المزيد.
كشخص ترعرع في أحضان الإنترنت، أنا أعزو إليه الفضل فيما أنا عليه الآن. كان لدي حاسب آلي متصل بالإنترنت في غرفة نومي منذ أن كان عمري ١٣ سنة. أعطاني هذا الجهاز حرية الوصول الى أمور غير مناسبة على الإطلاق لمراهق مثلي، ولكني حينها لم أرَ في الأمر مشكلة. ساهم الإنترنت -بطرق أظنها مفيدة لي شخصياً- في تشكيل السياسة والثقافة والعلاقات الشخصية التي اعتبرها المكونات الأساسية لهويتي. لطالما كنت ناقدًا مؤيدًا للإنترنت وكل ما جاء به، وأرى أنه بشكل عام نوع من التحرر وذو فائدة. أخبرتكم بهذا في البداية لأن التمعن في التبعات المترتبة على المشكلة التي سأذكرها قد يؤثر في توقعاتي وافتراضاتي بشكل ملحوظ.

أحد الأسئلة الافتراضية التي دائماً ما أطرحها على نفسي هو: كيف سيكون شعوري لو كان لدى أبنائي حرية الوصول للإنترنت مثل ما لدي الآن؟ كم أجد هذا السؤال محيراً. أتفهم أن ما يحدث هو تطور طبيعي للسلوك يحدث مع تقدم العمر، وربما قد يصبح هذا السؤال في وقت ما سؤالًا غير افتراضي. في الحقيقة لا أود أن أكون منافقًا، لكني أتمنى أن يتلقى أبنائي فرصًا ليكتشفوا ويعبروا عن أنفسهم مثل الفرص التي تلقيتها أنا؛ أتمنى أن تتاح لهم الفرصة ليقرروا بأنفسهم. وهذه الفكرة تتوسع لتشمل آراء الناس حول دور الإنترنت في الحياة بشكل عام.

منذ فترة بدأت أدرك طبيعة العلاقة المشتركة بين الأطفال الصغار واليوتيوب التي أصبحت تتزايد أكثر فأكثر. فأرى كثيرًا من الصغار منهمكين في النظر إلى شاشات أجهزتهم طوال الوقت، أراهم في عربات الأطفال وفي المطاعم، وهذا يُشعرني بكره طفيف تجاه التقنية، لكني لست أبًا، ولا أعطي أبدًا نصائح تربوية لأي أحد، فأبناء أصدقائي وعائلتي يشاهدون الرسوم المتحركة وأغاني الأطفال، وهذا يُسعدهم ويمنح الجميع قسطًا من الراحة، إذًا فلا بأس بالأمر.

صحيح أنني حالياً ليس لدي أطفال، لكني أريد أن أثري هذا الموضوع.
قد يُستخدم اليوتيوب بصورة منهجية لإخافة الأطفال وأذيتهم، وهذا يحدث بشكل تلقائي وعلى نطاق واسع. مما يدفعني إلى أن أشكك في معتقداتي حول الإنترنت على كافة الأصعدة. كثير مما سأقوم بشرحه قد تحدث عنه البعض في منصات أخرى، لكن أحدًا لم يدرك حقيقة الآثار المترتبة على ما يحدث.
في البداية: اليوتيوب المخصص للأطفال تشوبه غرابة بشكل ملحوظ، بدأت ألاحظ هذه الغرابة منذ فترة  في السنة الماضية، كان هناك عدد من المقالات التي نشرت عن هوس «بيضة المفاجآت» وانتشرت فيديوهات كثيرة تصور عملية فتح «بيضة كندر» وغيرها بالتفصيل الممل، وهذا هو كل محتوى الفيديو! لكن الأطفال فتنوا بهذا النوع من الفيديوهات. هناك مئات الآلاف منهم، إن لم يكن ملايين، قد شاهدوها.

الكلام في الأسفل مقتبس من المقال المرفق:
«أفضل قناة في اليوتيوب بالنسبة لي هي ‘Blu Toys Surprise Brinquedos & Juegos،’ في عام 2010 كان لدى القناة 3 مليون اشتراك، حصدت القناة التي يظهر في فيديوهاتها طفل لطيف خصص قناته لفتح أغلفة ‘بيضة المفاجأت’ وعلب الألعاب ٦ مليار مشاهدة. عناوين الفيديوهات غريبة وتستخدم أسماء ماركات مشهورة مثلاً: (بيضة المفاجآت لـ ‘Peppa Pig’ وسيارات ‘Pocoyo’ المختومة ولعبة ‘كندر’ و’ماين كرافت’ السنافر مع بريق ‘Brilho’) و(سيارات «Banshee’ الصارخة تأكل ‘McQueen’ سيارة ‘ديزني بيكسار’ المضيئة) و(مفاجآت في بيضة عيد الفصح لعبة ديزني ‘Pop Up Pals’ للأطفال).
أثناء كتابتي لهذا، يكون صاحب القناة قد أنتج 4,426 فيديو. ولنقارن عدد مشاهدته بما لدى غيره، لدى القناة الرسمية لجاستن بيبير (Justin Bieber) المغني الشهير أكثر من 10 مليار مشاهدة، في حين أن نجم اليوتيوب ‘بيو دي باي’ (Pew DiePie) لديه مايقارب 12 مليار مشاهدة. بهذا الكم الهائل من المشاهدات، من المرجح أن هذا الرجل يكسب قوت يومه من مجرد فتح علب ‘بيضة كندر’ (الفيديوهات الخاصة بـ ‘بيضة المفاجآت’ جميعها مصحوبة بإعلانات ما قبل الفيديوهات وأحيانا في منتصفها).

ما ذكرته من شأنه أن يعطيك فكرة عن مدى غرابة فيديوهات الأطفال المنتشرة في عالم الإنترنت، إضافة إلى أن عنوانين الفيديوهات تشير إلى أن ما يحدث يعد معقدًا وغير اعتيادي، وسوف أفصل في هذا لاحقًا. حاليًا نحن ندرك غرابته، لكن لا أحد يتأذى منه.
هناك نوع آخر من فيديوهات الأطفال وهو الأغاني.
الفيديو الموجود في الأعلى من إنتاج قناة «LittleBabyBum» وهي سابع أشهر قناة في اليوتيوب، لا يوجد في القناة سوى ٥١٥ فيديو، لكن لديها ١١ مليون مشترك و١٣ مليار مشاهدة. مرة أخرى، مسألة دقة هذه الأرقام لست مُتأكدًا منها، وسأتطرق إليها لاحقًا، فالمسألة الرئيسة هنا هي مدى ضخامة وانتشار هذا النوع من الصناعة.
كان هذا الفيديو -الذي بُث على حسب الطلب- مصدر جذب للأطفال ووالديهم على حد سواء، وبالتالي، حظي باهتمام من المنتجين والمعلنين. هذا النوع من الفيديوهات يُفتن به الأطفال سواء حوى شخصياتٍ وأغانٍ معروفة، أو كان عبارة عن ألوان زاهية وأصوات هادئة.
الأسلوب المُتبع في إنتاج هذه الفيديوهات هو حشوها بالكثير من الأغاني والأفلام الكرتونية لمدة تصل إلى ساعة، وهذا الأسلوب هو مصدر جاذبيتها، وبالنظر إلى طول المدة الزمنية لهذه الفيديوهات، فإن هذا يشير إلى حجم الساعات التي يقضيها الأطفال في مشاهدتها.
وفقًا لهذا، طورت محطات البث اليوتيوبية استراتيجيات عدة لتجذب انتباه الأطفال ووالديهم إلى ما لديها من فيديوهات لكي تزيد من إيراداتها عن طريق الإعلانات التي لا تنفك عن الظهور فيها. أولى هذه الاستراتيجيات هي نسخ وقرصنة ما لدى الآخرين، فقد أسفر بحث صغير عن «Peppa Pig» في اليوتيوب عن وجود حوالي «10,400,000» مقطع، واحتوت صفحة النتائج الأولى مقاطع من القناة الرسمية لـ «Peppa Pig،» بينما يوجد مقاطع أخرى أنتجتها قناة غير رسمية تدعى «Play Go Toys،» وهذه القناة لن تلاحظ وجودها إلا إن كنت تبحث خصيصاً عنها.
قناة «Play Go Toys» تحتوي على مقاطع «Peppa Pig» مقرصنة وأفلام كرتونية أخرى، إلى جانب فيديوهات خاصة بفتح علب الألعاب (مصدر آخر لجذب الأطفال)، بالإضافة إلى فيديوهات من المتوقع أنها تعود إلى أطفال مالك القناة. أنا لا أقول أن القناة سيئة، إنما أبين لكم مدى سهولة فصل المحتوى عن مبتكره الحقيقي في منصة يوتيوب، وكيف يؤثر ذلك على إدراكنا بالمصدر الأصلي للمحتوى وثقتنا به.
لاحظت -كما لاحظ مدون آخر- أن إحدى المزايا المعروفة للمحتوى المميز بعلامة تجارية هي أنه يعد مصدرًا يمكن الوثوق به؛ سواء كانت «Peppa Pig» أو أحد أفلام «ديزني،» ومهما كان شعورنا تجاه هذا المحتوى الترفيهي، فإنه قد أُنتج بعناية ووضع عليه رقابة شديدة من أجل أن يصبح مناسباً ليشاهده الأطفال، وأيضاً ليصبح محتوى يمكن الوثوق به. لكن هذا لا ينطبق عندما يُفصل المحتوى عن علامته التجارية الأصلية، وبهذا يتحول هذا المحتوى المعروف الموثوق به إلى محتوى لا رقابة عليه، وقد يكون ضارًا.
(هذه هي العملية نفسها تماما التي تستخدم في حذف منشورات الجهات الإخبارية الموثوقة من صفحة «فيسبوك» ونتائج البحث في «قوقل،» مما يسبب فوضى عارمة داخل أنظمتنا المعرفية والسياسية، ولن أتحدث عن هذا الموضوع بشكل موسع، بالرغم أنه بالغ الأهمية)
هناك طريقة أخرى لزيادة المشاهدات؛ وهي تضمين كلمات مهمة جاذبة في العنوان، وهذا فن غامض بحد ذاته، عندما يشتهر شيء ما -كمقاطع «بيضة المفاجآت»- مثلًا ويحقق مستوى عالٍ وخطير من المشاهدة، فإن مُنشئي المحتوى يتهافتون عليه، منتجين آلاف الفيديوهات سواء كانت جديدة أو مكررة. وهذا هو سبب وجود هذه العناوين الغريبة المذكورة آنفاً. أغاني الأطفال وفيديوهات المحتوى الموثوق ومقاطع «بيضة المفاجآت» كلها تحمل عناوين بنفس الكلمات من أجل أن تحظى بالظهور أولاً في نتائج أي بحث، وفي الشريط الجانبي لصفحات يوتيوب، إلى جانب خاصية «التشغيل التلقائي» التي تظهر عند تشغيل أي فيديو.
تُعد أغاني «عائلة الأصابع» (Finger Family) غريبة أيضًا!!!
أجهل تمامًا من أين نشأت فكرتها، أو ما هي الأغنية الأصلية، لكن هناك -على الأقل- ١٧ مليون نسخة منها في اليوتيوب. وكما يحدث دائمًا، أُنتج كل صنف ولون من هذه الأغاني، وحقق مليارات المشاهدات.
كما قلت مسبقًا، يجب أن تُدقق أرقام المشاهدات المذكورة بعناية فائقة. بوتات الإنترنت -وهي برامج تقوم بعمل مهام تلقائية بسيطة ومركبة بصورة متكررة على الإنترنت- كان لها دور في إنتاج عدد كبير من هذه الفيديوهات، بل وقامت بمشاهدتها والتعليق عليها أيضًا. وهذا عالم غامض بحد ذاته. لكن لا ينبغي إنكار وجود أطفال حقيقيين يشاهدونها عدة مرات عن طريق هواتفهم الذكية وأجهزتهم اللوحية -وهم جزئيًا السبب وراء أرقام المشاهدات الكبيرة- وقد تعلموا كيف يكتبون في محركات البحث، ولا حاجة لذلك، فباستطاعتهم بكل بساطة أن يختاروا أحد الفيديوهات الموجودة في الشريط الجانبي.
ما يثير قلقي حول انتشار فيديوهات لأطفال عاديين هو استحالة تقدير عدد الفيديوهات التي أنشأها الإنسان والتي أنشأها النظام الآلي، وكيف نفهم ماهية الفجوة بين الإنسان والآلة. قناة «Bounce Patrol Kids» والتي تملك ما يقارب ٢ مليون مشترك، تُظهر بوضوح هذا التأثير، هذه القناة تنشر فيديوهاتها بمعدل فيديو كل أسبوع، وتُنتج هذه الفيديوهات بشكل احترافي، بالتعاون مع ممثلين مختصين. أكرر، أنا لا أدعي بأن هناك أشياء غير ملائمة في «Bounce Patrol Kids» والتي من الواضح أنها تسير على خطى نظيرتها الأسترالية «The Wiggles» في محاولة الوصول إلى أحاسيس الأطفال.

ومع هذا، هناك شيء ما غريب بشأن الذين يحشون عنواين فيديوهاتهم بكلمات أنشئت بطريقة آلية كـ: «هالوين عائلة الأصابع والمزيد من أغاني الهالوين للأطفال» و«مجموعة أغاني الهالوين للأطفال» و«أغنية الحيوانات الأسترالية عائلة الأصابع» و«أغاني عائلة الأصابع للأطفال» و«حيوانات المزرعة عائلة الأصابع والمزيد من أغاني الحيوانات» و«مجموعة أغاني عائلة الأصابع وتعلم أصوات الحيوانات» و«أغنية عائلة الأصابع وحيوانات الأدغال» و«الفيل والأسد والزرافة والحمار الوحشي وفرس النهر أغنية الحيوانات البرية للأطفال» و«عائلة الأصابع والأبطال الخارقين والمزيد من أغاني عائلة الأصابع! مجموعة أغاني عائلة الأصابع والأبطال الخارقين» و«أغنية عائلة الأصابع والرجل الوطواط، الأبطال الخارقين والأشرار! الرجل الوطواط والجوكر وريدلير والمرأة القطة» والمزيد. هذا هو شكل المحتوى في عصر اكتشاف التقنية، حتى ولو كنت بشرياً، سيلزمك أن تنتحل شخصية الآلة.
هناك قنوات أخرى لا ترغب بتوظيف ممثلين، فهي تستطيع إنشاء نسخ لا منتهية من نفس الفيديو، وهذه العملية تحدث تلقائياً. الرسوم المتحركة والخلفيات الصوتية والكلمات الدلالية كلها تكون مع بعضها سلسلة لا نهاية لها من الفيديوهات.
الصورة التوضيحية المرفقة في الأعلى تعود لقناة «Videogyan 3D Rhymes» لأغاني الأطفال، القناة في الأسبوع الواحد تنشر العديد من الفيديوهات تحمل عنواينها كلمات دلالية معقدة، ولديها ما يقارب خمسة ملايين مشترك -وهذا يزيد عن ضعف مشتركي قناة «Bounce Patrol Kids»- مع أنه يستحيل التحقق من كيفية حصولها على تلك الملايين.
لست أحاول أن أحشو هذا المقال بقائمة لا حصر لها من الأمثلة، لكن المهم أن نفهم مدى ضخامة حجم هذا النظام، وندرك الغموض الذي يكتنف جميع عملياته وأفعاله ومستخدميه، كما أنه عالمي أيضاً؛ فأغاني «عائلة الأصابع» وفيديوهات تعلم الألوان يمكن أن نجدها باللغة الماليزية والتامية، علمًا بأنها من المرجح ألا تظهر في نتائج البحث المخصصة للناطقين باللغة الإنجليزية.
إن عدم وضوحها وطريقة الوصول إليها تُعد عوامل مهمة في وجودها وسر الأثر الذي تخلفه، إضافة إلى أن أبعادها لن تدع لنا فرصة لنتفكر وتمعن فيها.
مررنا على الكثير من الأمثلة التي ترينا بوضوح النتائج المزعجة لخاصية «التشغيل التلقائي»، بعضها -حمداً لله- امتازت بطابع الكوميديا السوداء، لكن البعض الآخر لم يكن كذلك.
الكثير منها أُنتجت عن طريق استخدام مكتبة كبيرة من الصور التي جمعت بطريقة آلية، أما الأخرى فقد كانت مُنتجات حسب الطلب بدءًا بالقمصان ومرورًا بأكواب القهوة وانتهاءً بملابس الأطفال وأغطية الهواتف. الصورة المرفقة في الأعلى لمنتج كان يُباع في «أمازون» قبل فترة، لكن هذه قضية مختلفة. قصة وجودها غريبة ومذهلة، لكنها مفهومة جدًا. لا أحد يصنع قمصان عليها صور لأدوية وأجهزة طبية، بل ما يحدث هو مجرد نتيجة غريبة ومتوقعة. قد تأخذ وقتًا لتفهمها، وهذه الحقيقة مقلقة.
أيضًا ظاهرة القمصان المكتوب عليها Keep Clam and Rape A lot(حافظ على هدوئك واغتصب كثيرًا) و  Keep Calm and Knife Her (حافظ على هدوئك وقطعها بالسكين) و Keep Calm and Hit Her (حافظ على هدوئك واضربها) ظاهرة مؤلمة ومزعجة لكنها مفهومة. لا أحد يصنع مثل هذه القمصان، بل هي أنتجت آليًا باستخدام مجموعة من الأفعال وحروف الجر والصور التي لم يتحقق أحد منها. من المحتمل أن هذه القمصان لم تشترى ولم تُلبس أبداً، وبالتالي لم تشكل لنا أي مشكلة. ومرة أخرى، منتجو هذه السلع وموزعوها لم ينتبهوا لها حتى الآن، هؤلاء -حرفيًا- ليس لديهم أدنى فكرة عما يفعلون.
ما أود مناقشته فيما يخص تلك الحالات المذكورة -والتي سأكتبها لاحقًا- هو أن حجم هذا النظام وترابطه المنطقي كانا سببًا في هذه النتائج التي نراها، وينبغي علينا أن نتفكر في آثارها.
(أكرر: لن أتعمق في ذكر الآثار الاجتماعية لهذه العمليات، فما أتحدث عنه هنا لا يشملها، لكن من الواضح أن أحدًا يمكنه أن يرى الصلة الواضحة بين هذه الأمثلة وبين قضايا معاصرة، مثل التحيز العنصري والتمييز الجنسي الموجود داخل أنظمة الاستخبارات الإلكترونية والبيانات الضخمة «big data»، وهذا يستوجب منا انتباهًا عاجلًا، ولكن في نفس الوقت لا يقدم حلولًا سهلة أو حتى مقبولة).
لنلقي نظرة على أحد الفيديوهات المخصصة للأطفال، ونحاول أن نعرف من أين أتى. من المهم أن أأكد لكم أني لم أجد هذا الفيديو عمدًا، فقد ظهر لي في النتائج الأولى عندما بحثت عن «عائلة الأصابع» في المتصفح الخفي (بمعنى أن البحث لم يستند على عمليات البحث السابقة). خاصية «التشغيل التلقائي» تقودنا إلى أماكن غريبة جداً، وعند هذه اللحظة نكتشف عمق وصعوبة الطريق الذي أوصلنا لهذه النتيجة، وبالتالي يستحيل أن نعرف كيف أتى هذا الشيء إلى هذا العالم.
تحذير من المحتوى -مرة أخرى: هذا الفيديو غير مناسب بأي شكل من الأشكال- الفيديو غير مُشغل وما يحتويه قد يزعج أي أحد، سأصفه لكم في حال عدم رغبتم في مشاهدته، وسوف يتكرر هذا التحذير.
عنوان الفيديو أعلاه هو (أغاني الأطفال ٢٠١٧ رؤوس شخصيات «ديزني» خطأ، آذان خطأ، أقدام خطأ، تعليم الألوان للأطفال مع عائلة الأصابع). العنوان وحده يؤكد لنا أنه كُتب بطريقة أوتوماتيكية آلية. أجهل تماما مصدر وجود فكرة «رؤوس خطأ»، لكني أستطيع أن أخمن، وكما هو الحال مع أغنية «عائلة الأصابع»، ففي الأساس هناك نسخة أصلية «مسالمة» من هذه الأغنية كانت سببًا في إسعاد الأطفال، ثم اشتهرت بعدها فكرة «رؤوس خطأ»، وأصبحت كشهرة فكرة «تعلم الألوان» و«عائلة الأصابع» و«أغاني أطفال» وهذه ليس مجرد كلمات، بل صور وعمليات دمجت مع بعضها لتكوّن لنا ما نراه هنا.

يحتوي الفيديو على نسخة من أغنية «عائلة الاصابع» وضعت كخلفية للفيديو الأصلي، وهو عبارة عن رسوم لرؤوس وأجسام تعود لشخصيات من فيلم «علاء الدين» لشركة «ديزني» حيث تتبدل وتتداخل مع بعضها البعض. أقول مرة أخرى أن هذا فيديو غريب، لكنه ليس أغرب من «بيضة المفاجأت» أو أي فيديو يشاهده الأطفال. أنا أدرك أن الفيديو تشوبه البراءة واللطافة، لكن تلك البراءة تختفي عند ظهور الفتاة الصغيرة «Agnes»، وهي ليست أحد شخصيات «علاء الدين» بل من فيلم «Despicable Me» وهي تمثل الحَكَم في هذا المشهد، فحين لا يتطابق الرأس مع الجسم المناسب تبكي، وحين يتطابقان تصفق.

أخرجت «BABYFUN TV» -القناة المُنتجة لهذا الفيديو- الكثير من المقاطع المشابهة، وكل فيديوهات «الرؤوس الخطأ» التي يُمكنني تحمُّل مُشاهدتها لها نفس الأسلوب. في هذا الفيديو، شخصية «Hope» في فيلم «قلبًا وقالبًا» تبكي خلال مبادلة الرؤوس بين أجساد السنافر والغيلان، ويستمر الفيديو على هذا النحو، حسنًا فهمت اللعبة، لكن الاستمرار في التبديل والخلط بين الأفكار والقصص المختلفة مربك ومزعج. القناة ليس لديها إلا 170 مشترك، وعدد المشاهدات قليل جدًا. لكن آلاف القنوات الشبيهة بها موجودة بكثرة. هذه الأرقام ليست كبيرة من الناحية النظرية، لكن المشكلة تكمن في تكدسها.

أصبح السؤال: كيف حدث هذا؟ فكرة «الولد السيء» ظهرت في فيديوهات قناة «BABYFUN TV» واُستخدم فيها صوت بكاء أطفال. رغم أني أجد هذا مُزعجاً، لكني أتفهم أنه يضفي على الفيديو لحنًا وايقاعًا يساهم -حسب تجربتهم- في جذب الأطفال إليها، مع أن محتوياتها شُوهت واستُنفذت بسبب كثرة تكرارها وقطعها وإعادة تجميعها مع بعضها بوسائل غير مرغوبة لدى أي أحد.

[تعديل ٢٠١٧: بعد نشر هذا المقال، أزال «يوتيوب» هذه القناة، كجزء من حملة إزالة المحتوى المخالف]
قناة «Toy Freaks» قناة مشهورة جداً (احتلت المركز الـ ٦٨)، ويظهر في فيديوهاتها أب وابنتيه يستخدمون -وفي بعض الأحيان يُؤلفون- كثيرًا من الأفكار المستهلكة التي ذكرناها مُسبقاً مثل قصة «الولد السيء» -المرفقة في الأعلى- بالإضافة إلى أغاني الأطفال ومقاطع تعلم الألوان.

القناة متخصصة في إنتاج المقاطع المقززة وكم هائل من الفيديوهات أشعرت متابعيها أنها كادت تتجاوز الخط الأحمر فيما يخص الإساءة والاستغلال، أو تجاوزته تمامًا، حيث أنتجت القناة فيديوهات أظهرت أطفال يتقيئون، وآخرين يتألمون. تعد قناة «Toy Freaks» قناة يوتيوبية موثقة، أيا كان ما تعنيه هذه العبارة. (أعتقد أننا الآن عرفنا ماذا تعنيه «عديمة الفائدة»).

وكما هو الحال مع قناة «Bounce Patrol Kids» فمشاعرك تجاه فيديوهات القناة لا يهم أبداً، لأنه من المستحيل أن نعرف متى يبدأ «التشغيل التلقائي» ومتى ينتهي، ومن المستحيل أيضًا أن نعرف ما هي تلك أفكاره ومن يقوم بتنفيذها. عندما تعطي قناة مشهورة كـ «Toy Freaks» بعض الأفكار أكبر من شأنها، فإن هذا يؤدي إلى انتشارها وتكرار ظهورها في عالم الإنترنت بأشكال غريبة ومُختلفة عن الأصل.
هناك نوع آخر من جنس ما وصفته بـ «فيديوهات من صنع البشر» وهو ازعاج من فيديوهات «Toy Freaks» الكريهة ومن على شاكلتها، بالأسفل مثال بسيط لكنه مثير للاشمئزاز:
هناك شكل آخر مختلف عن النسخة البسيطة المقرصنة من فيديوهات «Peppa Pig» المذكورة آنفًا، وهي النسخ المحرفة المتسمة بالعنف. في النسخة الأصلية من أحد فيديوهات «Peppa Pig»، تذهب «Peppa» إلى طبيب الأسنان، وهي الحلقة التي حققت بسببها شهرة واسعة، لكن المحير هو أن الحلقة الأصلية ظهرت في قناة غير رسمية. في القصة الأصلية يستقبل طبيب الأسنان اللطيف «Peppa» ويهدئ من روعها. لكن في النسخة المرفقة بالأعلى، تتعرض «Peppa» للتعذيب الجسدي قبل أن تتحول إلى روبوت «الرجل الحديدي» وتقوم برقصة تعلم الألوان. وفي حال كتبت «Peppa Pig وطبيب الأسنان» في خانة البحث فإن هذا الفيديو سيظهر في الصفحة الأولى، وهذا الأمر بحد ذاته يزيد الأمر سوءًا.
[تعديل 21/11/2017: الفيديو المُرفق هنا أزيل من اليوتيوب كجزء من حملة تنظيفه، بالرغم من أن الكثير من الفيديوهات المشابهة لا تزال موجودة].
شاعت فيديوهات «Peppa Pig» المزعجة والتي تزرع العنف والخوف، ومثال ذلك فيديو لـ «Peppa» وهي تأكل والدها، وآخر لها وهي تشرب «مُبيض الملابس». وهذا ما يجعل «يوتيوب» مصدرًا لثقافة أخرى ثانوية. الكثير من مُنشئي المحتوى يسخرون من أنفسهم، بل ويهجون ذواتهم بالأسلوب الهمجي العدواني المستخدم في الإنترنت. كل من ينشر الإساءة والبذاءة، وكل شخص لديه ما يقوله، سيُدلي بدلوه هنا. ونحن نعرف هذا.

 وفي المثال الذي ذكرناه في الأعلى، العملية تبدو أقل وضوحاً، حيث تظهر في بداية الفيديو صورة ساخرة مقلدة لـ«Peppa»، بعدها تعاد كل المشاهد التي رأيناها مُسبقاً. حقيقة لا أعلم من أنشأ هذه الشخصية. وأرجو أن يكون مجرد أشخاص بذيئين، لكني لا أعتقد ذلك. فهؤلاء لا يمكن أن يكون لهم علاقة بالممثلين الذين يظهرون في الفيديوهات، لا أنكر وجودهم لكنهم ليسوا الأساس هنا.

أعتقد أنه من السذاجة ألا نرى النسخ المعتمدة من هذه الفيديوهات، لكن هناك الكثير من المقاطع التي تشبه النسخ الأصلية، بالرغم من أنها غير موثقة بشعار التوثيق مثل فيديو «Peppa Pig وطبيب الأسنان» الذي ذكر مسبقاً وغيرها الكثير مما يشاهدها الأطفال. أنا أدرك أن مُنتجي هذه الفيديوهات لا يتقصدون إيذاء الأطفال، لكن الحقيقة هي أنهم يفعلون ذلك.
أنا أحاول أن أفهم لماذا مُنتجو هذا المحتوى المزعج لم يفكروا بأن أحدًا قد يقلق على أطفاله بسبب ما يشاهدونه، فالمحتوى -كما هو واضح- غير لائق، والممثلون سيئون، وبعض الفيديوهات يجب إزالتها، وهذا يثير التساؤلات حول سياسة الاستخدام العادل وسرقة المحتوى وحرية التعبير وما إلى ذلك. لكن بلاغات يوتيوب التي فهمت المشكلة من هذا المنظور فشلت في معرفة آليات النشر، لذلك هي لا تستطيع إدراك مدى تأثير مثل هذه الفيديوهات، وبالتالي لا تستجيب وفقًا لذلك.

في مقال لصحيفة «نيويورك تايمز» بعنوان «اليوتيوب أتاح للأطفال ما منعنا عنه في الماضي» تحدث المقال عن استخدام الشخصيات المزيفة وأغاني الأطفال المقلدة داخل محتوى مزعج، وأوضح أن سبب هذه المشكلة هو غياب القوانين وفقدان الاعتدال. موقع «يوتيوب الأطفال» يدعي أنه آمن للطفل، لكنه كما هو واضح ليس كذلك. وسبب المشكلة هي ثقة موقع اليوتيوب بالقنوات، وهذا الموقع يُعتبر سبباً للمشكلة لأنه يثق بالمستخدمين بطريقة خاطئة. أحد مقالات صحيفة «الشمس» البريطانية تحدث عن نفس الموضوع، وذكر أن الأطفال صُدموا بعد مشاهدة إحدى حلقات المسلسل الكارتوني «Peppa pig» التي تستخدم فيها الشخصيات مسدسات وسكاكين، ثم أشار المقال إلى «فوبيا التقنية» والاغترار بالنفس (وهو شعور الفرد بالتفوق الأخلاقي). لكن كلا المقالين أخذ مزاعم «يوتيوب» على محمل الجد، حيث أكد المسؤولون فيه أن هذا النوع من الفيديوهات نادر جدًا، ويُزال فور ظهوره. ومما فند مزاعمهم هو انتشار كلا المقالين، إضافة إلى العدد الهائل من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي التي يكتبها عادة آباء مهتمون.
وكما هو الحال مع «Toy Freaks»
فما يهمني في موضوع «Peppa pig» هو أن تقليدها الغامض وسخريتها الواضحة تتداخل مع النظام الآلي الذي أنتجها حتى صرنا لا نعرف ما الذي نراه بالضبط. «المخلوقات هناك بدت كأنها خنازير ثم أصبحت بشرًا ثم خنازير ثم بشر، ولكن من المستحيل أن تُعرف هويتها الحقيقية»
الصورة في الأعلى هي لقناة آسيوية وتعتبر حرفياً نسخة مقلدة من قناة «Toy Freaks». ويوجد أيضًا قناة روسية. لن أقول مرة أخرى عبارة «منتج بشري» بشأن هذه الفيديوهات، رغم أنها تحتوي على عبارات وأشخاص حقيقيين يقومون بتمثيلها. لم أعد أعرف ما الذي يحدث بالضبط، ولا أريد أن أعرف وأعتقد أن هذا هو المغزى، لذا بدأت أفكر في القصد وراء كل هذا، هناك جهد كبير مبذول لإنتاج هذه الأعمال، (ربما بلغ إنتاجها أكثر مما تجنيه الرسائل الدعائية من الأموال) لكن السؤال من يكتب السيناريوهات؟ من يخرجها ويقوم بتنزيلها على موقع اليوتيوب؟ أوكد لكم مرة أخرى؛ هذا النوع من الفيديوهات بسيط وبريء مقارنة بغيره.


هناك عدة أمور تزعجني:
أولاً: هو مستوى الرعب والعنف الموجود، أحياناً تكون الفيديوهات بسيطة، لكنها في الغالب عميقة في معناها، والمشاهد لا يعيرها اهتمامًا. الإنترنت يملك وسيلة يستطيع من خلالها تضخيم وإشباع شهواتنا الداخلية، وهو ما يبدو لنا أنه الأفضل. كثيرًا ما كنت أتناقش حول وجهة النظر هذه فيما يخص الحرية الجنسية والهوية الفردية ومواضيع أخرى، لكن وجهة النظر هذه غالبًا ما تكون عنيفة ومدمرة.

ثانياً: الاستغلال، والاستغلال لا يكون على الأطفال لأنهم أطفال، بل لأنهم لا حول لهم ولا قوة. البرامج المُشبعة للشهوات والغرائز كـ «يوتيوب» تحتاج هذا الاستغلال كما يحتاجه نظام الرأسمالية. وإذا كنت قد غضبت عند ذكر الجزء الثاني من المعادلة، فحري أن يقنعك هذا بصدقها. الاستغلال مختزن داخل نظامنا الذي بنيناه، وبالتالي من الصعب أن نرى، أو نفكر أو نشرح أو نواجه أو ندافع عنه. وهذا لن تجده في المستقبل حيث تسود «روبوتات» الذكاء الاصطناعي في المصانع، بل على شاشتك، وفي غرفتك، وفي جيبك.

الكثير من الأمثلة التي طرحتها تفحم من يدعي أنَّ لا أحد يشاهد هذه الفيديوهات وأن عدد المشاهدات ما هو إلا رقم مزيف. يوجد أناس حقيقيون، حتى وإن كانوا هم المُنتجين أنفسهم، فأنا قلق عليهم.

لقد كتبت بما فيه الكفاية بل وأكثر من اللازم. لكنني شعرت بوجوب تبرير كل هذا الهرج الذي دار حول العنف والاستغلال والأنظمة الآلية مع ذكر مثال يلخصها. ربما بعد كل ما قلته قد تعتقد أن الأمر ليس بهذا السوء، أما أنا فلم أعد أعرف بماذا أفكر.
[تعديل 21/11/2017 هذا الفيديو أُزيل كجزء من حملة تنظيف اليوتيوب الأخيرة، بالرغم من أن الكثير مما يشبهه من المقاطع لم تُزل بعد. استخدم في الفيديو شخصيات من لعبة «Grand Theft Auto» إضافة إلى شخصيات كرتونية أخرى، وظهرت هذه الشخصيات تمارس ضد بعضها القتل والاعتداء، ويدفن بعضهم بعضًا أيضًا].
هذا الفيديو المعنون بـ «BURIED ALIVE Outdoor Playground Finger Family Song Nursery Rhymes Animation Education Learning Video» يحتوي على كل الأمور التي سبق وتحدثت عنها ولكن بمستوى مختلف، حيث حوى شخصيات مألوفة وأغاني أطفال وخليط من الكلمات الدلالية وخاصية التشغيل التلقائي ومشاهد عنيفة وكل ما يسبب كوابيسًا للأطفال. وبالطبع هناك آلاف الفيديوهات من هذا النوع، هذا مشروع لتصنيع الكوابيس.
أقولها لأخر مرة، يوجد الكثير من الفيديوهات المتاحة ذات مستوى أعلى من العنف والإباحية. ولن أرفقها هنا، فأنا لا أريد تخويف الآخرين، لكننا يجب أن نستمر في التأكيد على خطورتها، وألا نصرف نظرنا عن أضرارها النفسية على الأطفال، وقد لا تعتبر شيئاً مزعجاً لدى البالغين، لكنها حتماً بالنسبة لهم غامضة وغريبة.
أخبرني صديق يعمل في إخراج الفيديوهات بطريقة إنتاج محتوى كهذا، حيث يتم الأمر في استوديو صغير (٦ أشخاص أو أكثر)، ينتج هؤلاء الأشخاص عددًا هائلًا من الفيديوهات ذات الجودة الرديئة من أجل الحصول على عوائد الإعلانات الضخمة، ويحاولون في ذلك إيفاء متطلبات معينة (مما يبدو أن «طول الفيديو» أحد هذه المتطلبات).
وفقا لما قاله صديقي، فإن إعلام الأطفال أحد البدائل القليلة المستخدمة لجني المال عن طريق الرسوم المتحركة، وذلك بسبب معايير الجودة المنخفضة، إضافة إلى أن الإنتاج المُستقل تزيد أرباحه بسبب حجم المحتوى. هذا الإنتاج يستخدم محتويات موجودة مسبقًا (مثل نماذج شخصيات مشهورة ومكتبات مليئة بالصور المُلتقطة) والتي تحتمل أن تُنقح وتكرر بلا حد لأن النظام الذي يُنتجها لا يمكن أن يدرك ذلك، ولا الأطفال كذلك.
هذا النوع من الفيديوهات، وبغض النظر عن مصدرها أو طريقة إنتاجها أو حتى الهدف ورائها (كسب عوائد الإعلانات) فهي من أجل الربح تتغذى على النظام المتخصص فيما يشاهده الأطفال. ومخرجات هذا النظام التي أنتجت بلا مراقبة أو وعي تملأ عالمنا.
أن نضع الأطفال أمام هذا النوع من المحتوى يعتبر إساءة لهم. وهذا لا يقبل النقاش أو الجدال، فنحن أمام آثار فعلية للأفلام والألعاب المشجعة للعنف على المراهقين، وأثر الصور الإباحية على تلك العقول الصغيرة وهو ما ذكرته في مستهل حديثي عن دور الإنترنت في مرحلة المراهقة من حياتي. هذه هي التي يجب أن تُناقش، لكنها ليست موضوع حديثي، فأنا أتحدث عن الأطفال الصغار الذين أصبحوا منذ نعومة أظافرهم هدفًا للمحتوى السيء وهو من شأنه أن يُرعبهم ويزعجهم عن طريق تلك الشبكات الإلكترونية الهشة غير المحصنة ضد هذا النوع من الإساءة. ليس الأمر ما يتعلق بالسفلة، بل هو العنف المتأصل في النُظم الرقمية والدوافع الرأسمالية. أعتقد أن الأمر وصل إلى هذه المرحلة.
وأعتقد أن نقطتي الرئيسية هي: نظامنا متواطئ في نشر الإساءة.
أقولها لكم الآن ومن هنا: اليوتيوب وجوجل متواطئان في هذا، إن النظام الذي بنياه من أجل أن يستخرج الحد الأقصى من الأرباح من خلال الفيديوهات اخترقه أشخاص مجهولون واستخدموه في أذية الأطفال، ربما عن غير قصد، لكنه يحدث كثيرًا. اليوتيوب وجوجل يتحملان المسؤولية التامة في ما يحدث، وأيضًا في ما ينشره الشباب (غالبًا) من فيديوهات تدعو للتطرف لأي غرض سياسي، ومن الخسة والدناءة أنهم لا يفعلون كل هذا ارضاءً لرغبة لديهم. مع ذلك، جزء كبير من حديثي في هذه القضية يتلخص حول طريقة استجابتهم لهذا بدون إغلاق النظام بأكمله وبقية الأنظمة المشابهة. لقد بنينا عالمًا لا وجود للرقابة البشرية فيه، أما الرقابة غير البشرية، فلن تستطيع أن تلاحظ ما ذكرته من الأمثلة في هذا المقال. لو تناول أحد الملاحظات التي كتبتها بين قوسين وأعاد كتابتها بأقل جهد ممكن فسيخرج لنا موضوعًا لا يتحدث عن الإساءة للأطفال بل عن «القومية البيضاء» والأفكار الدينية المحرضة على العنف وعن إنكار التغيرات المناخية (الاحتباس الحراري) وعن مؤامرة هجمات ١١ سبتمبر.
هذا الزمن زمن غامض جدًا، حيث أن النظام الذي بنيناه في سبيل أن يدعمنا، استخدم ضدنا بطرق منهجية. من الصعب أن نضع ثقتنا في شبكة يكون نتاجها أشياء مخيفة كالذي نراه. في حين أنه من السهل أن نتجاهل هذا العدد الهائل من الأمثلة المخيفة والتي فشلت في تفسير وجود هذا الكم الضخم من المحتوى المتجه في طريق غريب غامض. إنه يضعنا أمام مخاطر جمة معقدة، كما هو الحال مع التدخل الروسي المزعوم في وسائل الإعلام الإجتماعي، مثل هذه الأمور ستستغل لتبرير السيطرة المتزايدة والرقابة المفروضة على شبكة الإنترنت. وهذا ما لا يريده الكثير منا.
سأتوقف عند هذا الحد وأكتفي بقول هذا: ما يقلقني ليس ما يتعرض له الأطفال من العنف فقط، بالرغم أن هذه المسألة تهمني بشدة، ما يقلقني هو أن ما نواجهه من العنف بشكل دائم إنما هو جانب واحد فقط، ولا زلنا نحاول جاهدين أن نجد طريقة لمجرد أن نتحدث عنه، ونصف آليته وعملياته وآثاره، وكما قلت في بداية حديثي، إن ما يحدث سببه بشر وغير بشر وخليط منهما معًا. من المستحيل أن نعهد لأحد مسؤولية ما يحدث، لكن ضرره عميق بالغ في العمق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *