في بعض الأحيان نركع

ترجمة بتصرف لمقال:(Sometimes We Kneel by medium)

ترجمة: داليا شافعي

تدقيق: عهود خوج

مراجعة: عمار محمد


ماذا يعني الركوع؟ ولماذا أحياناً يجب علينا الركوع؟

 

يركع كثيرُ من الناس في هذه الأيام لأسباب كثيرة مختلفة. فأحيانًا نركع إجلالًا وتقديرًا. الركوع علامة تدل على الإحترام، وهي جلسة خضوع. فركوعك هو أن تتواضع قليلًا أمام الآخرين لتقدّرهم .

وقد قضى المسلسل التلفيزيوني الأكثر شهرة؛ موسمًا كاملاً يتساءل: إن كان (Jon Snow) سيركع استسلامًا  لـ(Daenerys). وذلك في ملحمة مليئة بالتنانين، والسيوف، والمعارك في كل منعطف.  وربما كانت اللحظة الأقوى في هذا الموسم، من مسلسل (لعبة العروش)، هي اللحظة التي ركع (Jon) فيها لـ(Dany) (مجازاً على الأقل).

يركع الفارس، أمام الملك تقديرًا، وإذعانًا له. يركع المسلمون، والمسيحيون، كجزء من شعائرهم الدينية. وعُرِفَ الرّكوع لوقت طويل، على أنه: الطريقة الملائمة للإذعان، عند المثول أمام الملك، أو الحاكم. وعلامةً على تقديرهم. وفي كنيستي الأنجليكانية؛ يعلمنا القِسُّ كل أسبوعٍ، أن نركع لله أثناء الصلاة، وعند الاعتراف. كما يخبرنا الإنجيل، أن المسيح نفسه ركع أحيانًا وهو يصلي.

وفي بعض الأحيان قد نركع لأسبابٍ أخرى. فالمُحِبُّ يركع طلبًا للزواج. والفريق قد يركع حول مدربه، أو حول متحدث مشجع. ومن الممكن أن يكون الركوع رمزيًا، فقد يرمز للاتحاد. الركوع ليس شخصيًا أبدًا.

يمكن للركوع أن يكون (تهكّمًا). وقد رأينا ذلك من (Jerry Jones)، مالك فريق (Dallas Cowboys) بالأمس. ففي اليوم الذي لفت فيه نائب الرئيس الأمريكي، الأنظار في إحدى مباريات الدوري الوطني، لكرة القدم الأميركية. عندما غادرها مستاءً بسبب تظاهرات سلمية، كان الجميع على علمٍ بأنها قادمة. قدم جونز توضيحًا من عنده. فبعد أقل من أسبوعين؛ ركع جونز ولاعبو الفريق، ركوعًا رمزيًّا، في مشهد يبدو للناظر أنه تضامن كاذب، و صاح جونز في نفس اللاعبين متوعداً بأن يُجلِس أيّ شخص لا يحترم العَلَمْ على مقعد البدلاء. وقد استخدم جونز، مثله مثل الرئيس، الركوع في أمر غير الذي كان لأجله. فقد جعله شخصيًا.

كما يمكن للركوع، أن يعني الكثير من الأشياء لكثير من الناس. وفي بعض الأوقات؛ نركع لأننا ببساطة، لسنا قادرين على الوقوف أكثر. فأسوأ مكالمةٍ في حياتي: هي المكالمة التي لم أتلقّاها أبدًا. ففي يوم بارد من شهر (يناير) أيقظني والديّ في منتصف الليل. وكانت جدتي على الهاتف، وقالت لهم: “اركعوا على ركبتكم، فقد وقعت حادثة”

هرع والديّ إلى المستشفى، التي تم نقل أخي إليها بالطائرة الهليكوبتر. وقد لحقنا بهم أنا وأختي مؤخرًا في ذاك الصباح. وصلت هناك في الوقت الذي استطعت أن أودعه به فقط . كنت في السابعة عشر من عمري. والآن عمري ضعف هذا الرقم، ولكن تظل هذه الليلة هي الأسوأ في حياتي.

قضيتُ هذه الليلة؛ راكعًا على ركبتيّ بالمعنيَيْن: الحرفي والمجازي. وكنت أُصلي من أجل معجزة لم تحدث أبدًا. قضيت ذلك الفصل الدراسي وأنا أقوم بنفس الأمر. وكذلك كثير من السنوات القليلة التي تلت ذلك. بكيتُ وأسفتُ ولم أفهم.  كان الأمر كله غير متوقع. لماذا هو؟ ولماذا أنا؟ لم يكن من المفترض أن يحدث ذلك. أفكر في بعض الأوقات في الآخرين الذين تأتيهم مثل تلك المكالمة ولكنها مختلفة.

“اركع على ركبتيك. فهناك حادث إطلاق نار”

من المحتمل أن تكون عائلة (Tamir Rice) قد تلقت مثل هذه المكالمة. وكذلك عائلة (Michael Brown) و (Alton Sterling) و(Oscar Grant) و(Laquan McDonald).

Diamond Reynolds صديقة (Philando Castile) لم تتلقَ هذه المكالمة أبداً. لأنها لم تحتج إليها. فقد شاهدت ما حدث ماثلًا أمام عينيها.

جميع هؤلاء الرجال السود كانوا شباباً. وجمعيهم ماتوا على أيدي رجال الشرطة.

وقد أفاد تقرير في صحيفة “Washington Post”، أنه في عام (2017) هناك على الأقل (168) رجلًا أسودًا أميركِيًّا قد أطلق عليه النار وقتل بواسطة الشرطة. ووصل العدد إلى (492) في عامي (2015) و(2016). ما يمثل حوالي (13%) من الأميركيين الذين يطلق عليهم يكونون سودًا أو الأميركييون الأفريقيون،ولكن في الغالب ضعف هذه النسبة ممن يقتل على يد الشرطة من الرجال والنساء يكونون من السود. وهذه الأرقام لا يوجد ما يبررها ولا يمكن إنكارها .

” اركع على ركبتيك فهناك حادث إطلاق نار” يستحيل تلقي مثل هذه المكالمة. لأنني أبيض.

وأتساءل: هل سأُكون على نفس القدر من الصدمة  لو لم أكن أبيضًا؟ هل ستكون هذه المكالمة خارج توقعاتي بالكامل؟ أو شيءٌ لا يمكن تخيله أبدًا؟ أم أنها مرتْ على خاطري ملايين المرات من قبل، في كل يوم، وكل ليلة، وفي كل مرة أسمع فيها صوت سيارات الشرطة. المكالمة التي أخشاها طوال حياتي .

أنا لا أخشى مثل هذه المكالمات. ولا أفكر فيها. ولا أسمع صوت سيارات الشرطة وأتساءل: إن كان ذلك للذين أحبهم.  ولا أشعر بأن قلبي يدق بعنف عند ظهور أحد رجال الشرطة. ولِأَكون صادقًا؛ أنا أشعر بالراحة غالبًا. أبتسم وألوّحُ لهم، و أنحي لهم قبعتي. فلوني يمنحني هذا الامتياز.

لم أَعِشْ أبدًا في بلدٍ حيثُ رؤية الشرطي، أو سماع صوت سيارته، يمثل خوفًا وتهديدًا لوجودي. أو حيثُ يكونون سببًا في اختلاجي بينما واجبهم حمايتي.

ورغم ذلك؛ فأنا أعيش في ذلك البلد. وأتشارك فيه مع ملايين آخرين، لا يشاطرونني تمييزي بسبب لوني. فأنا وعائلة (Michael Brown) و(Alton Sterling) و(Philando Castile) نتشارك البلد نفسه.

في بعض الأوقات نركع لأنه لم يعد من الممكن الوقوف. وذلك لأننا أُجْبِرْنَا على الركوع حرفيًا ومجازيًا. عبر الظلم، و قسوة الشرطة. لأن الرجال السود ليست لهم نفس الامتيازات، والحقوق، التي يتمتع بها الرجال البيض. لأن هناك رجل أسوَدًا آخر مات بلا سبب. لأننا متعبون، ولا يمكننا الوقوف أكثر.

وفي (أغسطس) الماضي؛ ركع (Colin Kaepernick)  في مباراة لكرة القدم. لم يركع ليعترض على أغنية، أو قطعة قماش. بل ركع تبرمًا لرؤيته رجالًا يموتون سدى. هؤلاء الذين ليس لهم صوت ولا منبر. لقد ركع، لأن هذه الأغنية، وتلك القطعة من القماش، لا تمثل البلد، الذي أخذ على عاتقه وعد الحرية والعدالة للجميع. لأن الجميع من المفترض أن تعني الجميع، وليس فقط الذين لديهم لون البشرة الفاتح.

لم يركع (Colin Kaepernick) من أجل العلم، أو النشيد الوطني. ولا لأجل قوات الجيش، أو الرئيس. لقد ركع من أجل (Michael). ركع لـ(Philando). وركع من أجل (Laquon) و(Alton) و (Tamir) وكل الآخرين الذين عانوا من الظلم والقسوة على أيدي رجال الشرطة. الكثير من الأسماء لذكرها.

ربما ركع (Colin Kaepernick)، لأنه ببساطة، لم يعد يستطع بأي حال أن يقف.
وربما حان الوقت الذي علينا أن نركع فيه نحن أيضاَ.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *