إحياء الأصوات الأنثوية في تيار الأدب العربي

ترجمة بتصرّف لمقال: (Restoring Women’s Voices to Mainstream (Arab Literature, By Ibtisam Barakat

ترجمة: ياسمين كوكش Yasmin_Kokash@
تدقيق: منة الله حسين
مراجعة نهائية: ندى محمد

إبتسام بركات توصي بخمس كاتبات عظيمات.

عندما كنت في المدرسة الثانوية في فلسطين، حفظت عن ظهر قلب أجزاءً من سبع قصائد رئيسة من الأدب العربي التقليدي، تسمى (المعلقات). تشير كلمة (المعلقات) إلى الكتابات التي كانت تُعلق على جدران الأضرحة، وهي عبارة عن جداريات أدبية يقرأها الجميع ويعلّقون عليها. كانت الجدران كصفحات المجلات. اشتُقت الكلمة الإنكليزية magazine -والتي تعني مجلة- من الكلمة العربية (مخزن)، أي مستودع المعلومات.

وتشير كلمة معلقات إلى اللغة التي تعلَق وترسخ في الذاكرة بسهولة، كما يعلق الحب من أول نظرة. تحدث هذه العلاقة لأن هذا النوع من الشعر بالذات والمشبع بالموسيقى يعتمد على الكلمات المتدفقة من الصحراء العربية الأدبية، كما يتدفق بئر النفط.

مرَّ أربعة عشر قرنًا منذ كتابة الشاعر الجاهلي عنترة لقصيدته، جلست على درجات مدرستي وفكرت مليًا بالسحر الفتّان لقصيدته. صارع عنترة التمييز العنصري بسبب لون بشرته الداكن، والذي تسبب بجعله أشهر المحاربين الشجعان في تاريخ الثقافة العربية.

تاق عنترة لإعجاب محبوبته عبلة وكسب عطفها. أخبرها بواحد من الأبيات، كيف تذكرها في ساحة المعركة بينما كانت السيوف تقطرُ دمه، ولكن لأن السيوف كانت تبرق تحت أشعة الشمس كبريق ابتسامتها، أراد تقبيلهم.

لم يُعرف ردٌ لعبلة، لأن جميع القصائد الرئيسة كتبها شعراء ذكور. يفيض الشعر العربي بهيام النساء لدرجة الاستحواذ، لا وجود للشعر الأنثوي مقارنة بالذكوري لقرون مضت. باستثناء قصائد قليلة جدًا، وتتحدث عن الرجال دائمًا.

يبدو أن الثقافة العربية تواجه ارتفاعًا متدرجًا بالأصوات الأنثوية، ليس فقط بالعدد بل بالمواضيع أيضًا.

لوقت طويل جدًا، كان يعتبر صوت المرأة بالثقافة العربية “عورة“، أي أنه شيء يجب إخفاؤه وحراسته، وملكيته لرب العائلة أو القبيلة. و إن لم يتم إخفاءه، ربما سيتسبب بالعار. هذا ما سبَّبَ عدم التوازن في المجال الأدبي للثقافة العربية، مع صمت لنصف المجتمع فنيًا.

عندما أصبح كوفيد 19 واقعًا للعالم أجمع في الأسابيع الأخيرة، فكرت بالنساء العربيات اللاتي مازلن حتى يومنا هذا، في جميع أرجاء الوطن العربي يرتدين أقنعة على أفواههن وأنوفهن أو حتى على كامل وجوههن طوال العام، لأنهن نساء فقط. فهن يخفين أصواتهن وأفكارهن أيضًا. وعندما طُلب منا جميعًا أن نلزم منازلنا، تذكرت كيف مايزال يُقال لبعض النساء أن المرأة مكانها المنزل. يقدم كوفيد 19 للعالم فرصة ليدركوا أكثر كيف يكون بقاء المرأة غصبًا في المنزل مُحطِمًا و مقيِّدًا لها، ولحياتها بأكملها  ولقرون أيضًا.

قامت العديد من النسوة مؤخرًا في العالم العربي بقيادة حركات تغيير متنامية لتوسيع نطاق الاندماج. كما يزداد عدد المبادرات التي تظهر للعيان في العالم الأدبي لتعدّل عدم التوازن.

وها أنا أكتب الأن بعد يومين فقط من تلقي مكالمة تخبرني أنّي حصلت على جائزة الشيخ زايد للكتاب إحدى أهم الجوائز وأكثرها اعتبارًا في العالم العربي. وأنا أنثى، عندما علمت أن الرجال في أمريكا يهدون النساء خواتم ماسيّة، اعتقدت أن هذه الماسات تُستخدم في قطع السقوف الزجاجية. منذ عقود قليلة مضت، عندما كتبت الناشطة والمؤلفة نوال سعداوي بحرية كأنثى، تعرضت للمضايقات والتنمر باستمرار. لكن كوني أنثى لم يمنعني من تلقي هذه الجائزة. هذا هو التغيير الذي يعطي أملًا.

يبدو أن الأدب العربي حاليًا يشهد زيادة تدريجية للأصوات الأنثوية، ليس فقط بالأعداد إنما بالمواضيع أيضًا. لا يمكن أن يكون اختيار خمسة أصوات فقط من اثنين وعشرين بلدًا أمرًا نموذجيًا، لكن هذه البداية فقط. لقد اُختيرت خمس كاتبات كتبنَ بالعربية،  وتُرجمت كتاباتهن للإنكليزية، بمواضيع تسهب في وصف إيقاعات المجتمع هذه الأيام.

كبرت و نسيت أن أنسى، بثينة العيسى (الكويت)

تأخذ هذه الرواية قارئها إلى الكويت قبل عقود مضت، قبل الاجتياح العراقي الذي جرح الثقافة الكويتية، موديًا بالمجتمع المتقدم نحو الوقوع بالخوف  والحذر الدائم. يؤذي رجل متدين قاسٍ أخته مما يدمر حياتها ويحرمها من الحب و الحياة، مستخدمًا معتقداته الدينية كذريعة.  ولأنها شاعرة أُضرمت النار في روحها، استطاعت أن تجد التجديد و أتت الرواية كرحلة من مرونة.

بريد الليل، هدى بركات (لبنان)

بُنيت هذه الرواية على ست رسائل، كل رسالة تؤدي إلى التي تليها، من كتّاب مجهولين إلى القارئ. المواقع والشخصيات محبوكة سويًّا ببراعة لتكشف النور والظلام في النفس البشرية. ولمّا قرأت، بدأت أشعر أنه إذا أُخذت قطعة من قصة حياة أي إنسان على وجه الأرض، وضعت بعد قطعة لشخص أخر مباشرة، فإن القطع السبع والنصف مليار سوف تنسجم سويًا لتحكي قصة البشرية في رواية عملاقة، حازت رواية بريد الليل الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2019.

الحفيدة الأمريكية، إنعام كجه جي (العراق)

أهلًا بكم في المجتمع العراقي في الولايات المتحدة، في فترة الاجتياح الأمريكي للعراق. طُلب من جميع العراقيين في الولايات المتحدة أن يساعدوا في الحرب، وعُرضت مبالغ طائلة ومغريات كثيرة لأي شخص ينضم إلى الجيش بصفة مُترجم. انضمت حفيدة أمريكية لجدة عراقية مسيحية إلى الجيش وذهبت إلى العراق لتقابل جدتها، ولتُصفي حسابها مع ذاتها ومع هويتها، إنها جريئة ومنعشة ومليئة بالعواطف الصادقة.

طوق الحمام، رجاء عالم (السعودية)

اسم الزقاق أبو الروس (زقاق صاحب الرؤس المتعددة)، الاسم يشرح عنه وعن الأزقة التي حوله أيضًا. صوت هذا الزقاق ومعرفة كل شيء عن صفاته وتاريخ المنطقة وسرها الخفي هي أكثر إثارة للإهتمام. هنا يدخل القاريء إلى مكة، أكثر المدن قدسية في الإسلام. تتمحور الرواية حول جريمة و جثة لأنثى. رأى المحقق المهووس بحل اللغز أبيه يقتل أخته عندما كان طفلًا. 

ما لا يراه القاريء العادي أن الرواية مملوءة بالإشارات المحلية والتي تدعو القاريء لتعميق فهمه للثقافة العربية ليتمكن من دخول عالمها المذهل. كانت رجاء عالم أول امرأة تحصل على الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2011.

فوضى الحواس، أحلام مستغانمي (الجزائر)

إن أحلام مستغانمي ظاهرة أدبية. منذ اللحظة التي قرأت لها أول مرة لم أنسَ اسمها ولا أسلوبها وبدأت أبحث عن أعمالها. فوضى الحواس لغز عن زواج بلا عاطفة وحب محرّم، وسط اضطرابات سياسية واجتماعية. حققت مستغانمي توازن شخصي وسياسي في هذه الرواية التي تتحدث عن الجزائر المضطرب، والذي مازال يعاني من جراح الإستعمار في نهايات القرن العشرين.

في نهاية توصيتي بهذه الروايات، أرغب أن أضيف أني قرأت جميعها بلغتها الأصلية، العربية  والتي هي لغتي الأم. 

حركة الترجمة من لغات العالم إلى اللغة الإنكليزية ليست بالأمر الجوهري. ولكي تتم ترجمة المزيد من أعمال الكتّاب إلى اللغة الإنجليزية، فإن القرّاء باللغة الإنجليزية يحتاجون إلى التعبير للناشرين عن رغبتهم في استكشاف العالم و ليصبحوا مواطنين أدبيين عالميين. سيتحقق التوازن عندما يصبح القراء باللغة الإنكليزية متحمسين للقراءة لأصوات من كافة أنحاء العالم كما هي الحال عند الجميع.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *