العمل عن بُعد … ضرورةٌ مؤقتةٌ أم حلٌ مبتكر؟

مقال: (العمل عن بُعد … ضرورةٌ مؤقتةٌ أم حلٌ مبتكر؟، لِـفريق حسوب).

كتابة: فريق حسوب
مراجعة: فريق عُلِّمنا 

الساعة تدق التاسعة بتوقيت دبي، موعد اجتماع أعضاء فريق العمل في إحدى الشركات الكبرى: “نمراتا” من الهند، “جيمس” من بريطانيا، “باسم” من لبنان، و”صوفيا” من الدنمارك. عشرات الآلاف من الأميال تفصل بين أعضاء الفريق، بينما لا يفصلهم عن الاجتماع سوى نقرة زرٍ واحدة على اللاب توب لتسجيل دخولهم على منصة عمل الشركة. 

إنه العمل عبر الإنترنت حيث ضغطة على هاتفك الذكي أو الكمبيوتر تأخذك إلى مكان العمل وأنت في مكانك، فمتى ظهرت فكرة العمل عن بعد؟ ولماذا صار العمل عبر الإنترنت خيارًا مستدامًا للكثير من الشركات الناشئة والعملاقة على حد سواء؟ 

“لا داعي للمكتب” 

هذه ليست دعوة منّا ولا شعار نرفعه لتشجعيك على العمل من المنزل، بل هو عنوان أحد أكثر الكتب مبيعًا في العالم والذي صدر عام 2013 بعنوان “Remote: Office Not Required” للأمريكي “جاسون فرايد” مؤسس منصة العمل الجماعي الشهيرة Basecamp، حيث يرى “جاسون” أن المكتب هو آخر مكان يُفضله أي موظف لإنجاز أعماله، وأن أماكن أخرى كالمقهى أو غرفة النوم أو المعيشة أو حتى المطبخ هي أفضل الأماكن التي يشعر فيها الموظف بالراحة والقدرة على الإنجاز في العمل. 

ضرورة الكورونا أم حل فعَّال ومستدام؟ 

رغم أن فكرة العمل عبر الإنترنت قد ظهرت في مطلع هذه الألفية في عدد محدود من الشركات الأمريكية، ثم أخذت في التوسع تدريجيًا في باقي دول العالم، إلَّا أنها أصبحت ضرورةً ملحّة مع انتشار وباء كورونا، واضطرار العديد من الشركات إلى تطبيق إجراءات السلامة والعزل المنزلي، ما أجبرها على نقل أعمال موظفيها إلى المنزل، وبعد عدة أشهر من تعميم وتطبيق هذه التجربة على معظم الشركات، ظهرت العديد من الأبحاث والدراسات التي ترى في العمل عن بعد نموذجًا فعَّالًا وحلَّا مبتكرًا للعمل في المستقبل، لعدة أسباب، من أهمها: 

  1.   زيادة الإنتاجية وتعزيز الإنجاز 

بحسب دراسة أجرتها جامعة “ستانفورد” الأمريكية حول حجم الإنتاجية في كلًا من التوظيف التقليدي والتوظيف عبر الإنترنت، كشفت الدراسة أن الموظفين عن بعد كانوا أكثر إنتاجيةً بنسبة تجاوزت 13% من العاملين من مقر العمل، و أرجعت الدراسة أسباب ذلك إلى وجود العديد من عوامل التشتيت في بيئة العمل كأوقات الدردشة مع الزملاء والاستراحات ووجبات الغداء وفترات التدخين وغيرها من الأوقات المهدرة والتي تؤثر بالسلب على إنتاجية الموظف وطاقته خلال ساعات العمل. 

  1.   توظيف الكفاءات والمواهب من أي مكان بالعالم 

في السابق لم يكن خيار توظيف المواهب من أي مكان في العالم متاح لكل الشركات،  حيث لم تنتشر ثقافة العمل عن بعد، وكان على صاحب العمل أن يتقيد بالكفاءات والمواهب المتاحة داخل بلده، وفي حال أراد الاستعانة بكفاءات من الخارج، فإن عليه تحمل تكاليف هذا الاستقدام من مصاريف تأشيرات، وتذاكر سفر، وإقامة وبدلات للمعيشة وغيرها.

 الآن كل ما عليه هو البحث عن أي كفاءة أو موهبة من أي مكان في العالم دون الحاجة لدفع أي تكاليف إضافية على الراتب، أما الموظف نفسه فلن يكون مضطرًا إلى الاغتراب والبعد عن الأهل. 

  1.   المرونة وتعزيز الصحة النفسية والجسدية للموظفين 

في العمل عن بُعد لن يكون على الموظف الالتزام بمواعيد حضور صارمة، تتطلب منه قضاء ساعات طويلة تزيد على 200 ساعةٍ سنويًا في التنقل من وإلى مكان العمل؛ ما يزيد من فرصة الإصابة بآلام الظهر والرقبة وارتفاع ضغط الدم، فقد أظهرت دراسة أجراها مركز The Sloan Center on Aging & Work بكلية بوسطن بالولايات المتحدة، وشملت حوالي ألفين موظف من شركات مختلفة أن الإحساس بالتوتر والإرهاق كان أقل إلى حد كبير في حالة الموظفين عن بُعد، فضلًا عن تجنب أي مشاكل تتعلق ببيئة العمل المتوترة أو الزملاء غير الودودين وغير ذلك من المشكلات التي تؤثر بالسلب على الصحة النفسية والجسدية للموظفين. 

  1. زيادة الأرباح وخفض التكاليف 

خفض التكاليف وزيادة الأرباح تعد من أكثر العوامل التي تدفع بالشركات الناشئة والعملاقة على حد سواء إلى اعتماد العمل عن بعد كخيار مستدام وفعَّال، ففي حالة الشركات الناشئة فإن خيار التوظيف عن بُعد سيخفض التكاليف بشكل كبير، فليس على الشركة مثلًا أن تقوم بشراء أو تأجير مساحة كبيرة للعمل، فضلًا عن توفير المعدات والأثاث المكتبي وأجهزة الكمبيوتر ومستلزمات العمل كالمشروبات الساخنة والمياه وبدلات التنقل واستهلاك الكهرباء والإنترنت، وغيرها من المصاريف التي تتكبدها الشركات في حالة التوظيف التقليدي.

 وهو نفس السبب الذي دفع بالشركات العملاقة كجوجل وتويتر وفيس بوك أن تتخذ نفس المسار في اعتماد الكثير من الأعمال على التوظيف عن بُعد. 

ولكن ما حجم الوظائف القابلة للتنفيذ عن بعد؟ 

تفاجئنا التكنولوجيا كل يوم بالعديد من التطبيقات التي تفتح الباب لمجالات جديدة بالعمل والتنفيذ عبر الإنترنت، فقبل سنوات قليلة كانت الوظائف القابلة للتنفيذ عن بُعد تقتصر على قطاع التكنولوجيا والاتصالات، ولكن مع ابتكار العديد من منصات العمل الجماعي بإمكانياتها التكنولوجيّة الواسعة والفائقة تمكنت الكثير من القطاعات من إيجاد مكان لها في الفضاء الإلكتروني، كقطاع الترجمة وصناعة المحتوى، وخدمة العملاء، والتعليم عبر الإنترنت، والإرشاد والتدريب، وتصميم الغرافيك والإعلانات والتسويق… إلخ. 

أهم تطبيقات العمل عن بعد 

مع زيادة عدد الوظائف التي يمكن تنفيذها عبر الإنترنت تشتد المنافسة بين شركات التكنولوجيا لابتكار وتطوير تطبيقات تُمكّن الشركات من تسيير أعملها بكل كفاءة وانسيابية، ويكفي القول بأن أرباح تطبيق “زووم” لمكالمات الفيديو قد سجَّل نموًا عام 2020 قدره 458% مقارنةً بما كان عليه عام 2019، حيث قفزت أرباحه إلى 186 مليون دولار أمريكي، وتتنافس في هذا السوق العديد من التقنيات والتطبيقات المتخصصة في تسهيل العمل عن بعد، ومن أهمها: Ana, Slack– Basecamp

وأخيرًا.. فإن خيار “لا داعي للمكتب” لم يعد مجرد خيارًا مثاليًا، وفعَّال لزيادة الإنتاجية أو المرونة أو تعزيز صحة وسلامة الموظفين، ولكنه صار بمثابة إستراتيجية تنتهجها كبرى الشركات العالمية لتحقيق أكبر قدر من الأرباح بأقل قدر من التكاليف والإجراءات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *