ريبيكا سولنت وكتابها “الأمل في الأوقات المظلمة”

ترجمة بتصرف لمقال: Rebecca Solnit on Hope in Dark Times, Resisting the Defeatism of Easy Despair, and What Victory Really Means for Movements of Social Change.

ترجمة: خولة

تدقيق: منار

مراجعة: هبة الصاوي

مقاومة ريبيكا سولنت في كتابها “الأمل في الأوقات المظلمة” للروح الانهزامية وسرعة اليأس وتعريفها بحقيقة الانتصار في حركات التغيير الاجتماعي

“يعتبر هذا العصر غير عادي؛ فهو من جهة مليء بالحركات الحيوية نحو التغيير والتي لا يمكن التنبؤ بها، و في نفس الوقت هو مليء بالكوابيس، وللانخراط التام فيه لابد من القدرة على فهم كل من الجانبين.” – بقلم: ماريا بوبوفا

“حب الحياة معدوم إن عُدم اليأس من الحياة” ألبرت كاموس هو من كتب هذه العبارة، ألبرت الرجل الذي شهد أساسات لأمل مشرق في منتصف الحرب العالمية الثانية، والتي تعتبر ربما أحلك الفترات ظلمة في تاريخ البشرية-، وبناءً عليها أصدر دعوة مدوية للإنسانية حتى ارتفعت لأعلى مستوى يمكن أن تصل إليه، وكانت هذه طريقته لتكريم الثنائية ذاتها التي صورتها ماريا كالمن تقريبًا بعد قرن من الزمان في عملها المعنون بـ “التأمل العميق في البحث عن السعادة” حيث وضحت: ” إننا نأمل و نيأس، ونأمل ونيأس مجددًا، وهذا ما يحكمنا، لأن نظامنا باختصار هو ثنائي القطب.”

لقد أخذت بالحسبان في تأملاتي الخاصة حول الأمل والتخوف، والقصص التي نرويها لأنفسنا من خلالهما، أننا بحاجة إلى هذين القطبين ليعملا معًا في تناغم. وفي الحقيقة فأن هذه القصص التي نرويها لأنفسنا عن هذين القطبين تعتبر مهمة، والقصص التي نرويها لأنفسنا عن ماضينا الإجتماعي تمثل طريقتنا في تفسيرنا للحاضر واستجابتنا له وبروزنا فيه، والقصص التي نرويها لأنفسنا عن ماضينا الخاص  تمثل عملية تكوين شخصياتنا، وما صرنا عليه في النهاية. ويرتسم الخط الرفيع ما بين الإحساس بالقوة، ولعب دور الضحية بناءً على كيفية روايتنا لتلك القصص، كما أن اللغة التي نختارها لرواية تلك القصص تؤثر بشكل جوهري في ذلك. لم يعرض أي كاتب من قبل هذا الحجم من التعقيدات في المحافظة على الأمل في أوقاتنا الموشحة باليأس السريع بطريقة عميقة وجميلة، لم يقترب حتى أحدهم من ذلك، حتى كتبت ريبيكا سولنت في كتابها: “الأمل في الظلام: تاريخ مجهول، وإمكانيات جامحة” (المكتبة العامة).

ريبيكا سولنت (تصوير: سالي ديين شاتز)
ريبيكا سولنت (تصوير: سالي ديين شاتز)

كتبت سولنت في مقدمة طبعة عام 2016 من هذا النص التأسيسي عن المشاركة في المدنية الحديثة مضيفة بذلك لكتاباتها السابقة عن الأمل حيث تقول:

الأمل هدية لا يجدر بك التخلي عنها، هي قوة لا يجدر بك التنازل عنها. وعلى الرغم من أن الأمل قد يكون نوعًا من أعمال المقاومة، إلا أن المقاومة ليست سببًا كافٍ للأمل، ويضل هناك أسباب أخرى أقوى.

تعتبر سولنت أحد أهم الأفراد المدنيين، وأحد أقوى الأصوات الشعرية في عصرنا، محدثة صدى لكتابات” فرجينيا وولف” النثرية النورانية*، مثبتة قناعات أدرين ريتش السياسية. في البداية قامت  سولنت بكتابة مقالاتها في عام 2003 بعد ستة أسابيع من بداية الحرب في العراق، في محاولة منها لمخاطبة “حياة السياسية الداخلية مباشرة في تلك الفترة، والمشاعر والأفكار الكامنة خلف مواقفنا السياسية واشتباكاتنا.” وعلى الرغم من أن تلك الظروف بعينها قد تغيرت اليوم، إلا أن أسبابها القوية الأساس، وعواقبها البليغه، قد اكتسبت ارتباطًا وثيقًا بالسنوات العديدة اللاحقة.

تنظر سولنت إلى الماضي الذي يبدوا بعيدًا بينما تتطلع للمستقبل القريب فتقول:

“تلاشت تلك اللحظة منذ زمن طويل، ولكن اليأس، والروح الإنهزامية، والتخوف، وفجوات الذاكرة، والإفتراضات التي نمت من ذلك لم تتبدد بعد، حتى مع تلاشي كل ما هو عنيف وجليل بشكل لا يمكن تصوره. هناك الكثير من الأدلة على المقاومة..التي هي في تقدم، وأن المتحدثين باسم الشعب والحركات الشعبية القديمة قد حققت العديد من الإنتصارات. واستمرت قوة الشعب لتكون قوة عظيمة تجاه التغيير. وتعتبر التغيرات التي مررنا بها مذهلة على الصعيدين الجيد منها والسيء.”

يعتبر هذا العصر غير عادي؛ فهو من جهة مليء بالحركات الحيوية نحو التغيير والتي لا يمكن التنبؤ بها، و في نفس الوقت هو مليء بالكوابيس، وللانخراط التام فيه لابد من القدرة على فهم كل من الجانبين.

الرسمة لشارلوت باردي من عمل Cry, Heart, But Never Break لـ قلين رنقتفيد.
الرسمة لشارلوت باردي من عمل Cry, Heart, But Never Break لـ قلين رنقتفيد.

وبإلقاء نظرة على التطورات المحبطة مثل تغير المناخ، وتزايد تفاوت الدخل، وظهور وادي السيليكون كقوة عالمية تقنية وغير إنسانية، تدعو سولنت الجميع سواسية ليكونوا شهودًا على ضد ذلك:

“الأمل لا يعني إنكار الوقائع بل يعني مواجهتها ومعالجتها من خلال الإنتباه للخصائص الأخرى التي يحملها القرن الواحد والعشرين في طياته، بما فيها من الحركات والبطولات والتحولات الفكرية المحفزة للوعي تجاه معالجة هذه الأمور في الوقت الحالي.”

ويسرد إدوارد سنودن ضمن هذه الحركات : (الزواج المثلي) و أهمية حياة ذوي البشرة السوداء، وتضيف سولنت على كلامه فتقول:

في الحقيقة يعتبر هذا العقد من الزمان بارزًا في تطور الحركات والتغير المجتمعي والتحولات العميقة والقوية في الأفكار والمعتقدات والأنظمة الشعبية على نطاق واسع (و بالتأكيد ردود الأفعال القوية تجاه كل ذلك).

ومع اهتمام بالغ تقول سولنت –وهي الشخص الوحيد الذي صادفته و يتمتع بعقل فذ كأحد آلة في الدقة- محددة التضاريس المختلفة لأراضي الأمل لدينا:

“إنه من المهم أن نحدد ماهية الأمل: فهو ليس الإيمان بأن كل ما كان وما يكون وما سوف يكون هو الخير، فالأدلة من حولنا كلها تشير إلى معاناة مريرة وخراب هائل. الأمل الذي يهمني هو توسيع وجهات النظر مع إمكانيات محددة تدعونا وتحتم علينا الحراك والعمل. نحن هنا لا نتحدث عن ذلك السيناريو المشرق الذي يلمع الأشياء ويجعلها في تحسن مستمر، بالرغم من أنه هو النظير لذلك السيناريو الكئيب الذي يدعي أن كل الأشياء تتدهور للأسوء، ربما يمكننا أن نطلق عليه سرد للتعقيدات والشكوك والفرص لحلها.”

يذكرني مفهوم سولنت للأمل بمفهوم الطبيب النفسي الوجودي العظيم ارفن يالوم للمعنى من وراء الوجود فقد عبر عن ذلك بقوله: “البحث عن المعنى أشبه بكثير بالبحث عن المتعة، فلابد من الوصول إليها بشكل غير مباشر.” وهذا يعني أنه لابد أن يمر الإنسان بمرحلتي الإثارة والرعب على الأرض المجهولة ما بين ما نحن عليه وما نتمنى أن نكون، وبالنهاية يشكل لدينا ما نحن عليه في الواقع. وقد كتبت سولنت نفسها عن إيجاد ذواتنا عن طريق الضياع، ويبدو أن وجود الأمل يستلزم استسلامًا للمجهول وهذا مشابه بطريقة ما لرؤية ارفن.

وتصور سولنت هذه الفكرة بشكل جميل فتقول:

“إن الأمل يستقر على المقدمات المنطقية في أننا نجهل ما سيحدث في المستقبل، وأن في هذه المساحة من الجهل يوجد حيز للعمل. فعندما تعيي هذا الجهل، فأنت تعيي أنه يمكنك التأثير في النتائج سواءً كان ذلك بمفردك أو مع قلة من الناس أو ربما مع الملايين منهم. الأمل هو احتواء المجهول بدلًا من ذلك اليقين الذي يدعيه المتفائلون والمتشائمون. فالمتفائلون يعتقدون أن كل شيء سيكون بخير دون أي تدخل منا، بينما يعتقد المتشائمون العكس تمامًا، وكلاهما يسحب نفسه من فكرة العمل. إنه الإيمان أن ما نقوم به يصنع فارقًا، حتى أننا لا نستطيع التنبؤ كيف ومتى سيؤثر؟ أو من وماذا سيؤثر؟.”

رسمة من كتاب قصة السيرة ذاتية المصورة للقتيل هارفي ميلك رائد حقوق المثليين (LGBT)
رسمة من كتاب قصة السيرة ذاتية المصورة للقتيل هارفي ميلك رائد حقوق المثليين (LGBT)

تُبَث الأخبار على مدى أربع وعشرين ساعة مسممة أسماعنا لتوهمنا بفورية ما تنقله، وهذا الاعتراف بالتقدم التدريجي والعواقب المحمولة على المدى البعيد _هو جوهر كل ثورة علمية أساسية لتغيير العالم_ وربما يمثل هذا منبعنا الأساسي للأمل، والذي على أية حال هو عرضة للخطر.

تذكرنا سولينت على سبيل المثال أن صراع المرأة للحصول على حقها في التصويت استمر لسبعة عقود فتقول:

“أحب الناس لفترة من الزمن ترويج فكرة فشل الحركة النسوية، مع أن هذا المشروع شهد سنوات من التقلب في التنظيم الإجتماعي أو مع أنه أوقف إلا أنه من المفترض أن يحقق انتصاراته النهائية في العقود القليلة القادمة. لم يمض على بداية الحركة النسائية الكثير، وتعتبر مظاهراتها مطلب مهم في قرى الهيمالايا الريفية على قدر أهميتها في مدن العالم الأول.”

و تشير سولينت بصدد هذه الحركات التصاعدية إلى مثال بارز بشكل خاص ألا وهو الربيع العربي، “وهو مثال استثنائي يعكس التغير المفاجيء وقوة الشعب المؤثرة”، وهذا هو المعنى التام لما نحاول أن رسمه هنا والنتائج النهائية. وعلى الرغم من أن تقاليدنا الثقافية تمشي على خطى الربيع العربي وحتى اللحظة التي أضرم فيها محمد البوعزيزي النار في نفسه كاحتجاج ضد الحكومة. وتتبع سولينت ما وراء انتشار النار في الهشيم الغير ملحوظ  من حيث التوقيت والمكان فتقول:

“يمكن ملاحظة قصة نشأة الربيع العربي بطرق أخرى، فالتخطيط الهاديء في الظلال قبل الثورة لعب دورًا كبيرًا في ذلك. وهنا نتسائل؛ هل الكتاب المصور عن مارتن لوثر كينغ والتمرد المدني والذي ترجم إلى العربية ووزع في كل أنحاء مصر قبل فترة وجيزة من بدء الربيع العربي له دور في هذه الحركة؟ وأيضًا نستطيع القول أن تكتيكات تمرد كينغ المدني مستلهم من تكنيكات غاندي، كما أن تولستوي وأعماله التطرفية المتمثله في عدم تعاونه وتخريبه لحقوق المرأة الإنجليزية بالتصويت كان مصدر إلهام لغاندي. وعلى هذا فإن خيوط الأفكار تنسج لتربط كل بقاع العالم على مر العقود والعصور.” 

ومن وجهة نظر مخالفة لرؤية مالكوم قلادويل القاصرة عن التغيير الاجتماعي، تنمي سولينت الفطر كاستعارة لتمثيل نمو النفوذ والحيوية في المجتمع بتدرج غير ملحوظ فتقول:

“يظهر الفطر على سطح التربة بعد هطول المطر وكأنه ينمو من العدم، ولكن العديد منها في الحقيقة يبزغ من فطريات ضخمة ظلت مخفية تحت الأرض ومجهولة كليًا. إن ما نسميه فطرًا، يطلق عليه متخصصي الفطريات مسمى الجسم المثمر للفطريات الضخمه المخفية. ومن نفس المنظور فإن الانتفاضات والثورات على الغالب تعتبر عفوية ولكن هناك خطط خفية بعيدة المدى وأعمال تمهيدية عميقة وضعت أساسًا لهذه الحركات. حيث يتم تغيير الأفكار والقيم كنتيجة لأعمال الكتّاب، والباحثين، وعامة المثقفين، والناشطين الإجتماعيين، والمشاركين في وسائل التواصل الإجتماعي. قد يبدو هذا غير مهم أو هامشي حتى تظهر بعض النتائج المختلفة تمامًا من فرضيات متحولة عن من وماذا يهم، عن من يلزم الانصات له والإيمان به، ومن لديه حقوق.

تبدأ الأفكار باعتبارها شنيعة أو سخيفة أو متطرفة، وتدريجيا تتحول لما يعتقد الناس بأنه مسلمات آمنو بها منذ الأزل. أما طريقة حدوث هذا التحول فهي نادرًا ما تذكر، لأنها بشكل جزئي كانت نتيجة مساومة: فتذكرنا الأيام بالتيار الذي كان في حالة من العنصرية بصورة خالية منها، وتذكرنا بالقوة الخفية التي تعمل في الظلال والهوامش على هيئة الأمل في أطراف الظلام، وليس في الأضواء الساطعه وسط المسرح؛ أملنا وغالبًا قوتنا.”

إنه من النادر أن يكون التغيير مباشرًا، بل إنه في بعض الأحيان معقد جدًا أشبه ما يكون بنظرية الفوضى، وبطيئ كما النمو؛ حتى أن الأشياء التي يبدو أنها حدثت فجأة، هي تمتد من جذور عميقة في الماضي أو من بذور قديمة خاملة.

إحدى رسمات بياتريكس بوتر التي تمثل دراساتها العلمية الغير معروفة للفطر.
إحدى رسمات بياتريكس بوتر التي تمثل دراساتها العلمية الغير معروفة للفطر.

ولكن النقطة الأهم التي تتعامل معها سولينت هنا هي تبعات التغير الثوري، ومفهوم النصر باعتباره نقطة بداية لإعادة الالتزام، واستمرارية الازدهار والنمو لمثلنا/قيمنا الناشئة:

“النصر لا يعني أن كل شيء سيكون جميلًا للأبد، ولا يعني أيضًا أن نتمدد ونسترخي إلى أن يشاء الله. يخاف بعض الناشطين أنه عندما يتم الاعتراف بالنصر، فإن الناس لن تناضل وستستسلم على الفور. أما انا فكان كل هاجسي هو أن يستسلم الناس ويعودوا إلى بيوتهم، أو أنهم بالأساس لن يقفوا مجددًا إذا اعتقدوا أن فكرة الإنتصار مستحيلة، أو في حال فشلوا في إدراك الإنتصارت المحققة سابقًا.  النصر هو معلم على الطريق، هو دليل على أننا أحيانًا ننتصر، وإشارة تشجيعية للاستمرار دون توقف.”

تفحص سولينت هذا المفهوم عن كثب في أحد مقالاتها الأصلية في الكتاب والمعنون بـ “تغيير ما نتخيلة عن التغيير”، وهو تأمل عميق في توقيت أكثر حدة مما نحن عليه اليوم، امتدادًا لعقد قادم من الزمن حيث تقول:

“يجيد الأمريكيون التعامل مع الأزمات، وفور انتهائها يعودون إلى منازلهم متيحين المجال لأزمة أخرى أن تتشكل؛ وهذا بسبب خيالنا عن حتمية الموت وإمكانية تتحقيقها في الحياة_ وهذا ما نسميه بـ “عاشوا بتبات ونبات” في الحياة الشخصية، وما نسميه بـ  ” الإنقاذ” في الحياة السياسية_ ولأننا ننظر إلى كل تدخلاتنا السياسية على أنها أمر طاريء أكثر من كونه جزء من متعة يوميه كما يؤمن الكثير في العديد من الدول المختلفة (وأمريكا في وقت آخر)، لما انتقلت المشاكل إلى منازلنا إلا نادرًا.”

تبدو العودة إلى المنزل كوسيلة للتخلي عن الإنتصارات الهشة التي لا تزال في حاجة للحماية والتشجيع. يولد الطفل عاجزًا، ويعتبر وجودهم نصرًا على الرغم من أنهم لم ينخرطوا بعد في صورة الثقافة العامة لما يجب أن يكون. أحيانًا أتسائل لم لا نتخيل النصر فرصة لبناء الخير بدلًا من كونه يتمحور فقط حول القضاء على الشر. إنه بعدما تم إلغاء العبودية في أمريكا، فرض المؤيدون للقضاء على العنصرية وعود إعادة الإعمار بتحقيق عدالة اقتصادية، أو بالمثل، كانت نهاية الفصل العنصري تعني إقامة العدالة الاقتصادية أيضا (أو، كما يقول بعض أفراد جنوب افريقيا، إنهاء الفصل العنصري الاقتصادي).

تستمر أغلب الإنتصارات غير مغلقه، أو منتهية من ناحية عدم إدراكها كليًا فور حدوثها، بل ومن ناحية أخرى في استمرارية انتشار تأثيرها ولذلك فإنه دائمًا ما يكون الوقت مبكرًا على العودة إلى المنزل تحت هذه الظروف. إن ظاهرة كمثل حركة الحقوق المدنية قد كونت حصيلة لغوية وأدوات تواصلية للتغيير الإجتماعي لتستخدم في كل أنحاء العالم حتى تتخطى تجهيزاتها ما حددت له من أهداف أو أنجازات معينة أو حتى السقطات الفاشلة.

وكتبت سولينت استنادًا على ادعاء جيمس بولدوين الذي يقول فيه: ” ليس كل ما يتم مواجهته يمكن تغييره، ولكن لا شيء سيتغير حتى تتم مواجهته” فتقول:

“إنه من المهم أن نؤكد أن الأمل ليس إلا بداية، وليس بديلًا عن العمل، ولكنه أساس يبنى عليه.”

وتضيف سولينت في منقاشتها عن ما يعيق نظرتنا للأمل هو أن هناك أجزاء من ذاكرتنا تراكمت فنسينا مع السنين كم هي المسافات الطويلة التي قطعناها وتجعلنا يائسين تجاه المسافات التي لابد علينا من قطعها لاحقًا. فتقول:

“تقودنا تلك الفجوات المستوطنة في ذاكرتنا بطرق عديدة نحو اليأس. ويجعل الوضع الراهن من السهل عليك أن تؤمن بأنه كل شيء ثابتٌ لا يتغير، ومحتوم، ومنيع؛ ويعزز ذلك ضعف الذاكرة في استرجاع لحظات تغير العالم الحيوي في الماضي. بمعنى؛ إن لم تكن واعيًا بكل تلك التغييرات التي حدثت سابقًا، فأنت لا ترى تغيرها الحالي، أو إمكانية تغييرها.”

 رسمة إيزابيل أرسينالت للعمل Mr. Gauguin’s Heart بقلم الكاتبة ماري دانييل كوتو والذي يدور حول قصة السيد بول جوجان وكيف استخدم الحزن العميق الذي عاشه في طفولته لتحفيز حياة منمقة بالفن.
رسمة إيزابيل أرسينالت للعمل Mr. Gauguin’s Heart بقلم الكاتبة ماري دانييل كوتو والذي يدور حول قصة السيد بول جوجان وكيف استخدم الحزن العميق الذي عاشه في طفولته لتحفيز حياة منمقة بالفن.

خلدت لنا وسائل الإعلام انعدام بعد النظر حيث كانت مادتها الخام هي الأخبار اليومية؛ و فصلتنا بذلك عن استمراية الحياة وركزت اهتمامنا على اللحظة الحاضرة بمعزل عن الصورة الكبرى وبزيف مصطنع. وفي هذه الأثناء، تناقش سولينت على نظير مثير أن فجوات الذاكرة هذه هي ما يسمم ويعيق وعينا الجماعي بنفس الطريقة التي يسمم بها الاكتئاب ويعيق النفسية الفردية_ ومن هنا نصل إلى الاعتقاد بأن آلام الحاضر الحادة هي كل ما سيكون ونتوقف عن الإيمان بأن الأوضاع ستتحسن، فتقول:

“يوجد مرادف شعبي للاكتئاب الفردي،  وهو الإحساس بأن الأمة أو المجتمع كله عالق دون حراك بدلًا من كونه فرد واحدًا فقط. لا تتغير الأشياء إلى الأفضل دائمًا، ولكنها تتغير، ويمكننا أن نلعب دورًا في هذا التغيير إذا عملنا على ذلك، ومن هنا يأتي الأمل، والذاكرة، أو بمعنى أخص الذاكرة الجماعية أو ما نطلق عليه التاريخ.”

وكمجدف متفاني تنهي سولينت مقالها بمجاز مثالي فتقول:

“لابد أن تجدف إلى الأمام بالنظر إلى الخلف، وتحكي التاريخ كجزء من مساعدة الناس في الإبحار نحو المستقبل. نحن في حاجة إلى الصلاة، ومسبحة، وسوترا (نصوص هندية دينية قديمة)، وتعويذة، وأغاني حربية لإعلان انتصاراتنا. إن الماضي قد تأسس في وضح النهار ومن الممكن أن يتحول إلى شعلة نحملها لنضيء ظلام ليل المستقبل.”

الأمل في الظلام هو مرساة قوية للمذهب المثالي وسط عصرنا المضطرب بالإنهزامية_  هو استقصاء حيوي لكيفية التصدي للإغراءات التسويقية لفكرة عدمية الأمل وسرعة اليأس. متممة بذلك ما جاء به الفيلسوف الوجودي كامو في السمو بعقولنا في الأوقات المظلمة، وتعليل الطبيب النفسي فيكتور فرانكل  لرأيه في أن المثالية هي أفضل مذهب واقعي. وفي النهاية تعيد سولينت النظر في فوائد المشي، وتأثير القراءة على الروح البشرية، وكيف لانعدام التواصل في العصر الحديث أن يغيير تجاربنا تجاه الوقت، والعزلة، ومشاركة المشاعر.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *