قوة؟ لا شكرًا أنا بخير

ترجمة بتصرّف لمقال: (Power? No, Thanks, I’m Good)

الحرية هي أن أقول ما أفكر فيه ويكفيني أن أدير وقتي.
كتبها: تيم كريدر (Tim Kreider)
السيد تيم كريدر كاتب ورسام كاريكاتير
21 مايو 2019

ترجمة: لمى العنزي @Lama_3nzi

تدقيق ومراجعة: رهف الفرج

 تمني القوة أو السلطة على الآخرين فكرة غريبة تمامًا بالنسبة إلي لأنني لا أفهمها مثلما لا أفهم سبب رغبة البعض بإنجاب الأطفال أو لعب مستوطنات كاتان وحتى الأوهام الجنسية التي تستند على ديناميكية السلطة لا تروق لي، لماذا أود أن أكون رئيسًا على الناس من حولي؟ وماذا سأجعلهم يفعلون؟ ربما ضرائبي؟ يبدو الأمر غريبًا ومزعجًا نوعًا ما، حتى أني لا أحب أن ينتظرني الناس حتى أشرب معهم، ولا أحب أن أتمسك بدرجات طلابي فهي بالأغلب وهمية.

وعلى كلٍ: فإن من أولوياتي الرئيسية أن أفعل ما أريد وأن لا أجبر على فعل ما لا أريده – بنيت حياتي على هذا المبدأ.

أود أن أعرف السلطة أو القوة بأنها القدرة على جعل الناس يفعلون ما تريد، والحرية هي القدرة على فعل ما تريده، مثل الجاذبية والسرعة كلاهما قوتان تبدوان مختلفتان ولكنهما في الحقيقة شيء واحد، تعد الحرية من أشكال السلطة الدفاعية أو الاستباقية وهي القوة الضرورية للتصدي لمحاولات العالم بالسيطرة عليك ويا لها من قوة هائلة ومنتشرة ويلزم لمكافحتها قوة مضادة للمحافظة على الاستقلالية واِستعادتها. ومن بالتالي الأقوى: هل هو الفاتح الكسندر (Alexander) الذي حكم العالم؟ أم هو الفيلسوف ديوجينيس (Diogenes)؟ والذي لم يستطع الكسندر أن يهدده بأي شي؟ (وقيل عن  الكسندر إنه قال إذا لم يكن الكسندر فإنه يود أن يكون ديوجينيس وقال ديوجينيس أنه إذا لم يكن ديوجينيس فإنه سيرغب بأن يكون ديوجينيس أيضًا). 

أن تطمح إلى أشكال السلطة أو القوة الواضحة سياسيّة كانت أم مالية، لا يعد دائمًا شر بطبيعته؛ ولكنه غالبًا تكون له أعراض جانبية مؤسفة بأشكال الفقر وعمل الرقيق والمذابح العرقية والتقدم الإقليمي غير المرحب به، يتخذ طموحي شكلًا لطيفًا من الطموح الفني (مخلوط حتمي من الشوائب المختلفة – رغبةً بالتقدير ورغبة بالمنزلة الجيدة والمال الكافي لأعيش رغيدًا وأن ترغب النساء صحبتي) وحتى أكون صادقًا فإن هذا الشكل اللطيف من الطموح قد يخفي رغبة ديكتاتورية ماكرة مقصدها تغيير فكر الناس ورؤيتهم للأشياء. 

كما هو الحال مع معظم الفنانين، هدفي الأعز في الدنيا هو أن أكون وحيدًا: أحلم بإمبراطورية بحجم شقتي وقد يبدو ذلك الحلم بمتناول اليد ألا أنه أبعد مما تظن، منذ كنت مراهقا كان المخرج ستانلي كوبريك (Stanley Kubrick) هو قدوتي في المجال الفني كانت عبقريته الفنية نادرة ولكن قدرته على تأمين مكان مناسب لإدارتها القصوى بإقامة استقلالية مالية ودرجة تحكم في هذا النظام الإيكولوجي الوحشي في هوليوود، لم يسمع بها من قبل. الاستقلالية والتحكم هاتان الصفتان ضروريتان لأي فنان، إذ أني أفتقر إما دهاءً في الأعمال القاسية أو الشخصية النابوليونية لستانلي كوبريك، حاولت حل هذه المشكلة عبر إبقاء النفقات العامة التي تتعلق بجهودي الفنية قليلة والابتعاد عن التعاونات وأيضا البقاء بعيدًا عن التدخلات التحريرية قدر المستطاع.

كما كُتب على ملصق سيارةٍ ما: الحرية لا تأتِي بالمجان. قررت منذ فترة طويلة بأن أعظم حرية هي حرية التحكم بوقتك، ونتيجة هذا الأمر حصلت على راتب منتظم وبيت ملك وخطة تقاعد وبإمكاني الحصول على أي تصنيف ائتماني على الاطلاق وقيود العائلة مريحة وفي أغلب الأيام، إن الأمر يستحق العناء.

إذن، الحرية هي نوع من أنواع السلطة ولكن هناك نوع آخر من الحرية يأتي مع العجز، لم أشعر بذلك النوع عندما كنت أرسم  لـ الصحيفة الأسبوعية البديلة، بلغ راتب تلك الوظيفة عشرين دولارًا في الأسبوع ولأن لا أحد يولي اهتمامًا بما أفعله بإمكاني أن أسمي الكذبة في وقت كانت فيه بقية الصحافة لا تزال تغامر بشكل مؤقت مع مصطلح «مضلل» وبإمكاني استخدام النكت الجنسية ولن يبالي أحد، فور بدئي نشر المقالات في أكثر المجلات قراءة وشهرةً، فجأة لم أعد أستطع الكتابة بصراحة أو التحدث عن الأشياء كما هي.

كلما زادت سلطتك أصبحت مقيدًا، كثيرًا ما كنت أعتقد أن وظيفة رئيس الولايات المتحدة من أقل الوظائف حرية فهي وظيفة من الصعب الحصول عليها من دون أن تكون مديونًا لمتبرعي الحملات وجماعات التأييد ورؤساء الحزب و المصلحين المخفيين ويجب على خيارات سياسات المنتخب أن تكون مقيده إلى سياسات أمريكا ذات النطاق الضيق، بإمكان أي سائق أجرة أو حلاق أو أي شخص على الانترنت أن يتحدث عن أي فرضية مجنونة ولكن عندما يزلّ الرئيس دون قصد ويقول فكرة أصلية دون رقابة وتسمى بـ”الزلة” قد تكلفه نقاط شعبيته. 

ولكن أهمية الحرية تكمن في تأمين القوة للتفكير دون حواجز، فعل ما تريده يستند على معرفة ما تريده، تتسلل القوة الأخبث في العالم إلى عقلك وتضيق النطاق وتشوه ما يجب أن تفكر به، ويكاد يكون مستحيلًا أن تخرج من عبء التوافق الثقافي والإيديولوجية والدعاية والحكمة التقليدية وآراء الناس الآخرين التي تصم الآذان، وحتى تأوي أفكارك كما وصفت فرجينيا وولف (Virginia Woolf) الفنانة في رواية “إلى المنارة” “الصراع ضد الاحتمالات المريعة للحفاظ على شجاعتها وقول «ولكن هذا ما أرى، هذا ما أرى» وحتى تتمسك في البقايا التعيسة من رؤيتها في صدرها الذي حاولت آلاف القوات فعل ما بوسعها لأخذه منها”. 

ما يكمن خلف ذلك السعي -المثير للشفقة- نحو القوة هو الخوف ويعنى بذلك الخوف من الموت، بعض أصحاب المليارات يبنون مجمعات نجاة فاخرة ويمولون برامج أبحاث فرانكنستانية للتغلب على التدهور الجيني والموت، كل شيء من الممكن قوله عن هذا الطموح الذي تغمره الغطرسة – الغطرسة من ناحيتين من ناحية الغرور وناحية عدم الجدوى – وكما قال الشاعر بيرسي شيلي (Percy Shelley) في قصيدة “أوزيماندياس” (الغافل) الأمل بأن تُذكر بوضع اسمك على كتاب أو على حجر أساس أو أن يسمى مرضَا ما باسمك أو صنف جديد من الكائنات أو معادلة ما أو حتى نجمة، وليست هنالك طريقة سخيفة وتعيسة أكثر من ذلك للتغلب على الموت من إنجاب الأطفال إلى غزو الأمم. ونسبةً إلى ما قاله وودي آلين (Woody Allen) ” لا أريد العيش في قلوب محبي، أريد العيش في شقتي”. 

أعتقد أن أعقل الناس هم غير الطموحين – سواء كان للسلطة أو الثروة أو السمعة أو الإنجاز – اللذين يريدون فقط العمل بوظيفة نافعة وحب شخص ما والعيش في مكان جميل مع هبوب الرياح على الشرفة وربما منصة غذاء الطيور، إحدى صديقاتي وهي كاتبة تعرضت ذات مرة لهلوسة ملهمة أدركت بعدها أن طموحها كان عبارة عن رغبة ملحة في المودة والقبول من الغرباء -والتي لم تعد بحاجة إليها بعد أن أصبح لديها أسرة محبة- لكن تلك الرغبة المضللة جعلتها كاتبة وهذا ما ستبقى عليه حتى بعد أن أصبح دافعها الأصلي بالٍ تماماً كما تفوق البارثينون على الاعتقاد الذي بناه. 

قادني الطموح إلى قضاء عشرين عاماً من حياتي في مدينة قذرة صاخبة لا أستطيع تحمل تكاليفها وتكريس الاهتمام الكبير إلى أعمال الترويج الذاتي والتي تمتص الروح، مثل الكثير من الفنانين في نيويورك أظل أتخيل أن هذه ستكون آخر سنة لي هنا أحلم بالتخلي عن كل هذا وأعود إلى الريف وأقرأ الكثير من الكتب وأكتب فقط عندما أريد. أتطلع إلى أن أكون -يومًا ما إذا كانت لدي الشجاعة لذلك- أقل طموحًا.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *