مفارقة الفيل الوردي: كيف تؤثر الأفكار المزعجة على عواطفنا وقراراتنا

ترجمة بتصرّف لمقال: The Pink Elephant Paradox: how intrusive thoughts impact our emotions and decisions)
مصدر الصورة: Unsplash

الكاتب: د. هانا انجلترا

ترجمة: أفنان الخمشي itranslate0

    آلاء الزهراني

تدقيق ومراجعة: آلاء خوجة 

 

هل يمكنك تخيل فيل وردي؟ هل تخيلته كبير أم صغير الحجم؟ هل ترى لونه وردي غامق أم فاتح؟ هل يبدو لك سعيد أم حزين؟ متعب أم مليء بالنشاط؟ امنح فيلك وردي اللون أكبر قدر ممكن من التفاصيل. والآن وبعد أن كونت صورة واضحة عن شكل الفيل الوردي توقف عن التفكير فيه، فكر بشيء آخر لنصف دقيقة ولاحظ إلى أين ستأخذك أفكارك. 



كم من الوقت استغرقت بالتفكير قبل أن يعاود الفيل الوردي الظهور في عقلك؟ بالنسبة لمعظمنا، فإن الفيل الوردي سيظهر مرة أخرى في أفكارنا في غضون ثواني. ينطبق الشيء ذاته على الأفكار غير المرغوبة والدخيلة: كلما حاولت قمعها زادت حدة ازعاجها وهذا ما يسمى بمفارقة الفيل الوردي. 



يمكن أن يساعدك تعلم التحكم بالأفكار الوسواسية أو الدخيلة على تجنب الوقوع في عثرات المشاعر السلبية والتشتت وصعوبة اتخاذ القرارات. 



من الدب الأبيض إلى الفيل الوردي 

نشرت في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي عام ١٩٨٧ ورقة بحثية بعنوان «الآثار المتناقضة لقمع الأفكار» اشتملت الدراسة على عدد من المشاركين في تجربتين منفصلتين بدءً تحدثوا عن مجرى أفكارهم في هذه اللحظة بصوت مسموع وكجزءٍ من التجربة الأولى، طُلب من المشاركين عدم التفكير في دب أبيض بينما في التجربة الثانية، طُلب من المشاركين التفكير في دب أبيض. 

 

وجد الباحثون أن المشاركون كانوا أكثر انشغالًا بالتفكير بالدب الأبيض في التجربة الأولى على الرغم من نهيهم عن التفكير فيه. تشير هذه النتيجة أن محاولة قمع فكرة ما «لها تأثيرات متناقضة كاستراتيجية لضبط النفس» ويمكن أن تؤدي إلى مرحلة هوس أو انشغال حتى مع محاولة الفرد بذل قصارى جهده في تجاهل الفكرة. 

 

يقول الكاتب فيودور دوستويفسكي في مقاله ملاحظات الشتاء على انطباعات الصيف «حاول أن تفعل الآتي: ألا تفكر في دبٍ قطبي وسترى أن هذا الشيء الملعون سيتبادر إلى ذهنك كل دقيقة».

 

سواءً أكان دبًا أبيض أو فيل وردي أو أي فكرة أخرى، فإن هذه العملية النفسية ومحاولاتنا المتعمدة لقمع أفكار معينة مما يجعلها أكثرعرضة للظهور يطلق عليها العلماء اسم «نظرية العملية الساخرة».

 

على سبيل المثال، عندما تواجه حياتك عثرة في الطريق، قد يوصيك أفراد العائلة أو الأصدقاء «بالتوقف عن التفكير في الأمر». ومع ذلك، فإن نصائحهم لقمع أفكارك لا تجدي نفعًا وقد تزيد من حدة الأفكار المزعجة. 



مفارقة الفيل الوردي لا تزيد من حدة التفكير في الأفكار المزعجة فقط بل قد تؤثر على طريقة تفكيرنا وشعورنا واتخاذنا للقرارات أيضاً. ربما تكون عانيت من هذه الظاهرة إذا ما شعرت سابقًا بأنك أكثر إلهاءً أو أقل إنتاجية في العمل بسبب فكرة مزعجة أو مشكلة لم تجد لها حلًا في عقلك. 



تأثير مفارقة الفيل الوردي 

هناك ثلاثة سبل يمكن أن تؤثر بها مفارقة الفيل الوردي على أفكارنا وعواطفنا. 

 

  • نشر المشاعر السلبية بشكل مستمر: 

وقد تشمل الأفكار المتطفلة «الأفكار أو الصور أو الدوافع المتكررة».

لكن من المؤسف أن الأفكار المتطفلة أو غير المرغوب فيها ترتبط بالاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات الوسواس القهري. ومع ذلك، فإن الأفراد الذين يتمتعون بصحة جيدة بامكانهم أيضا تطوير أفكار متطفلة تشبه اضطراب الهوس السريري.

 هناك دليل على أن التفكير المستمر بالأفكار الدخيلة المزعجة مرتبط بأنماط التفكير السلبي. وغالبًا ما تكون أنماط التفكير السلبي أكثر شيوعًا لدى أولئك الذين لا يمارسون تدريب اليقظة الذهنية. حتى يصبح الشخص يقظًا يجب عليه أن يصبح أكثر وعيًا بالمشاهد والأصوات والأفكار والعواطف بدلًا من محاولة قمعها. 

 

لقد ثبت أن التأمل للوصول لذهن واعي قد يساعد الأشخاص من تأثير الأفكار المزعجة بمعنى آخر الوعي الكامل بالأفكار السلبية أو المشاعر وتقبلها يساعد من تقليل حدة الأفكار المزعجة والقلق المرافق لها. 

 

لا تظهر فرصة التعامل مع الأفكار أو المشاعر الصعبة بدون الوعي التام، ولكن بدلاً من ذلك نحن نحاول قمع المشاعر. محاولة القمع المستمرة بدلًا من الاعتراف بحجم الفكرة الصعبة يغذي مفارقة الفيل الوردي مما يتسبب بظهور مزيدٍ من الأفكار الدخيلة والمزعجة. 



  • زيادة التشتت: وجدت دراسة أن أولئك الذين يعانون من تدخلات الأفكار السلبية، والأفراد الذين يميلون للقلق، يظهر عليهم تشتتًا متزايدًا عند محاولة التركيز على مهمة محددة. وبالإضافة لذلك، كلما زادت معاناة الفرد مع الأفكار المتطفلة، كلما زادت نسبة تشتيت انتباهه. 

 

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ورسائل البريد الإلكتروني وغيرها من أشكال التواصل والترفيه قد تشتت تركيز حتى الشخص المتفاني في عمله. فإذا كنت تتحكم بالأفكار المتطفلة بالإضافة إلى المشتتات التكنولوجية فإن الاستمرار في التركيز يمثل تحديًا أكبر.

 

سرعة التشتت عن أي مهمة تقوم بها بأي شكل من أشكال الإلهاء، يعطل التركيز ويحث الدماغ على القيام بمهام متعددة. أي مصدر للإزعاج سيؤدي إلى الحد من ابداعك المهني وتطورك نتيجةً لذلك فإن كل مهمة قد تستغرق وقتًا أطول مما ينبغي. سرعة تشتت الانتباه بإمكانه أن يصعب عليك إنشاء وتعزيز العلاقات المهنية والشخصية أيضاً.

 

 

  • سوء اتخاذ القرارات: قد تجعل حدة الأفكار الدخيلة المزعجة من الصعب عليك أن تركز على أي شيء آخر. على الرغم من أن هذه الأفكار أو المشاعر يمكن أن تظهر بشكل بارز، إلا أنها من الممكن أن تخفي عوامل أو اعتبارات أخرى أكثر أهمية. 

 

 يمكن أن يصبح اتخاذ قرارك غير دقيق عندما تكون الأفكار المتطفلة محط الاهتمام. وبدلًا من أن تكون قادرًا على إصدار أحكام عقلانية ومدروسة بعناية ستتأثر بتواجد الأفكار المستمرة في عقلك مما يقودك إلى اتخاذ قرار خاطئ.



التحكم في مفارقة الفيل الوردي

هناك أوقات مررنا جميعنا بتجربة تطفل الأفكار المزعجة التي حاولنا قمعها. أثبت علماء النفس أن المحاولة المباشرة لقمع الأفكار من المرجح أن تجعلها أكثر وضوحًا. عوضًا عن ذلك، توجد طرق أخرى للتحكم بتأثير وقوة الأفكار المزعجة وجعلها أقل وضوحًا: 

 

  • استخدم التأمل الذاتي لتقليل تأثير الأفكار الدخيلة: لقد ثبت أن التأمل الذاتي واليقظة الذهنية تحمي الأفراد من التأثير السلبي للأفكار الدخيلة، على وجه الدقة، عندما تكون أكثر وعيًا وتقبلًا للأفكار أو المشاعر السلبية سيكون تردد الأفكار الدخيلة أقل ونتيجةً لذلك يقل تأثيرها عليك. 

 

اليقظة الذهنية تحول التركيز من الفكر المتطفل إلى التفكير بالوقت الحاضر. مما تساعد على تقليل الخوف والقلق المصاحب للفكرة، و عند تقبل الفكرة والتوقف عن النظر إليها على أنها سلبية هذا من شأنه أن يحد من الضيق المتصور عند الفرد في حالة الاندفاع والعاطفة. 



  • الانخراط في عمل نافع: عند ظهور فكرة مزعجة في عقلك، الانشغال بمشتت نافع أفضل من التفكير المطول بها. إعادة تركيز طاقتك على مهمة مختلفة بإمكانه مساعدتك على مشاركة عقلك بنشاط مختلف، جد شيئًا من شأنه أن يستحوذ على كامل اهتمامك مثل القراءة أو الدردشة مع صديق أو الذهاب للجري أو الرسم أو مشاهدة فيلم. من خلال التركيز على شيء آخر، طاقتك الذهنية يتم استخدامها في مكان آخر مما يترك مساحة أقل للأفكار المتطفلة.

 

  • ابحث عن فكرة ايجابية بديلة: إذا ما وجدت أنك تفكر مليًا بفكرة سلبية حاول استبدالها بأخرى ايجابية، على ورقة فارغة ارسم عمودين وعندما تستمر فكرة سلبية في الظهور قم بموازنتها مع استجابة ايجابية في العمود المقابل. على سبيل المثال، إذا كنت تفكر في عبارة «أنا فاشل» يمكنك مواجهة الفكرة ب «لقد ارتكبت خطأ، لكنني أتعلم منه الآن». إذا كان هنالك أمر «صعب للغاية»، يمكن أن يكون البديل الايجابي «سأعمل بجد لأتحسن في هذا الأمر». 



من خلال استبدال التفكير المستمر بالأفكار السلبية إلى تعهدات إيجابية، يفقد التفكير السلبي القوة التي يتمتع بها عليك ويساعد التفكير في الحلول الإيجابية المحتملة أيضًا على إجراء تحسينات مناسبة. 



توضح مفارقة الفيل الوردي أن محاولة قمع فكرة من المرجح أن تجعلها أكثر ثباتًا ووضوح، بالتالي يؤثر ذلك سلبًا على عواطفك و تركيزك وقدرتك على اتخاذ القرار. بدلًا من قمع الأفكار السلبية من الأفضل الاعتراف بوجودها ومواجهتها. 

 

العثور على مصدر إلهاء نافع، والتفكير في البدائل الايجابية، يمكن أن يساعدك على التوقف عن الاستمرار في التفكير في الأفكار الدخيلة وغير المرغوبة. 

 

المصدر

تمت الترجمة والنشر بإذن الكاتب 

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *