الأشخاص ذوو الشخصيات المبدعة يرون العالم بشكل مختلف

ترجمة بتصرف لمقال: People with creative personalities really do see the world differently. By Luke Smillie and Anna Antinori

تدقيق: محمد المهندس

ماذا عن عمل إبداعي مثل لوحة فنية، أو مقطوعة موسيقية، والتي قد تثير رعبنا، أو إعجابنا؟ هل من التشويق إظهار شيء جديد؟! شيءٌ مختلف؟! شيء رأى الفنان فيه ما لم نره نحن؟!

وكما قال بابلو بيكاسو:

لقد رآه الأخرون وتسألوا لماذا، وأنا رأيت ما يمكن أن يكون، وتساءلت لم لا.

فالفكرة القائلة بأن بعض الأشخاص يرون إحتماليات أكثر من الأخرين هي أمر أساسي بمفهوم الإبداع. وغالباً ما يقيس علماء النفس الإبداع باستخدام مهام التفكير المتباينة، وتتطلب منك هذه المهام استخراج أكبر عدد ممكن من الاستخدامات للأشياء العادية، مثل الطوب، فالأشخاص الذين بإمكانهم رؤية استخدامات متعددة ومتنوعة للطوب (على سبيل المثال، كتابوت لجنازة لمجسم دمية باربي) يتم تصنيفهم على أنهم أكثر إبداعاً من الأشخاص الذين يستطيعون فقط التفكير في عدد قليل من الاستخدامات الشائعة للطوب (مثلاً، لبناء جدار).

يسمى هذا الجانب من شخصيتنا والذي يدفعنا إلى الإبداع بالانفتاح، أو الانفتاح على التجربة، ومن بين السمات الخمسة الرئيسية للشخصية، فإن الانفتاح هو أفضل ما يمكن من خلاله توقع الأداء في مهام التفكير المتباينة، ومن خلال الانفتاح أيضاً يمكن توقع الإنجازات الإبداعية في حياتنا اليومية، فضلاً عن المشاركة في الأنشطة الإبداعية اليومية. وكما يشرح سكوت باري كوفمان و كارولين غريغوار في كتابيهما “ويريد تو كرييت – Wired to Create“، فإن إبداع الأشخاص المنفتحين ينبع من “الدافع الشخصي للاستكشاف المعرفي للعالم الداخلي والخارجي”، وهذا الفضول لاستكشاف الأمور من جميع الزوايا قد يساعد الأشخاص المنفتحين على رؤية أوسع وأكبر من الشخص العادي، أو يمكننا قول ذلك كما صاغها فريق بحثي آخر “لاكتشاف إمكانيات معقدة، مختبئة في ما يسمى بالبيئات ’المألوفة‘”.

الرؤية الإبداعية

في بحثنا الذي نشرناه في مجلة الأبحاث حول الشخصيات وجدنا أن الأشخاص المنفتحين لا يقدمون فقط نظرة مختلفة للأشياء، ولكنهم حقاً يرون الأشياء بشكل مختلف عن الفرد العادي، وقد أردنا أن نختبر ما إذا كان الإنفتاح مرتبطاً بظاهرة في الإدراك البصري تُدعَى “التنافس ثنائي العينين”، وهذا يحدث هذا عندما يتم عرض صورتين مختلفتين لكل عين في آن واحد، مثل بقعة حمراء للعين اليمنى، وبقعة خضراء للعين اليسرى. تبدو الصورتان بالبنسبة للمراقب متقلبتان بشكل متقطع من واحدة إلى آخرى، ففي لحظة تشاهد البقعة الخضراء فقط، و في اللحظة التالية تشاهد الحمراء فقط، فيبدو كل لون ينافس الآخر (انظر التوضيح أدناه).

مهمة التنافس ثنائي العينين.

من المثير للفضول أن المشاركين في دراسات تنافس ثنائي العينين يرون أحياناً إندماج او تشوش في تركيبة كلا الصورتين (انظر الإطار الأوسط بالأعلى)، هذه تعتبر لحظات من “قمع التنافس”، عندما تصبح كلا الصورتين يمكن الوصول إليهما بوعي في آن واحد، ويبدو تقريباً مثل حل “إبداعي” للمشكلة التي قدمها اثنين من المحفزات غير المتوافقة.

وعلى مدى ثلاث تجارب، وجدنا أن الأشخاص المنفتحين رأوا الصورتين المندمجتين، أو المشوشتين لفترات أطول من الشخص العادي، وعلاوة على ذلك، أفادوا بأن رؤيتهم دامت لفترة أطول عندما يكونوا بحالة مزاج إيجابية مماثلة لتلك المعروفة بتعزيز الإبداع.

كما تشير النتائج التي توصلنا إليها إلى أن الميول الإبداعي للأشخاص المنفتحين يمتد وصولاً إلى الإدراك البصري الأساسي، و يمكن أن يكون لدى الأشخاص المنفتحين تجارب وخبرات بصرية أساسية مختلفة عن الشخص العادي.

رؤية الأشياء التي لا ينتبه لها الآخرين

تعتبر ظاهرة العمى غير المقصود إحدى الظواهر الإدراكية المعروفة، وتحدث عندما يكون الشخص مسلطاً تركيزه على شيء واحد، مما يجعلهم لا ينتبهون لرؤية أشياء أخرى والتي تكون أمام أعينهم مباشرة، وفي مثال مشهور على هذا الخلل الإدراكي، فقد طُلِبَ من المشاركين مشاهدة فيديو قصير لأشخاص يرمون كرة السلة لبعضهم البعض، وتتبع العدد الإجمالي للتمريرات بين اللاعبين الذين يرتدون اللون الأبيض. جرب هذا بنفسك، قبل قراءة المزيد!

خلال الفيديو، يتجول شخص في زي غوريلا في وسط المسرح، ويقوم بضربات خفيفة على الصدر، ومن ثَمَّ ينسحب ببطأ خارجاً مرة أخرى، فهل رأيته؟ إذا لم تره، فلست أنت الوحيد، حيث أن نصف المشاركين تقريباً البالغ عددهم 192 مشاركاً في الدراسة الأصلية فشلوا تماماً في رؤية الشخصية التنكرية.

ولكن لماذا حدث لبعض الأشخاص العمى غير المقصود في هذه الدراسة بينما لم يحدث ذلك للآخرين؟! جاء الجواب على هذا السؤال في دراسة تابعة حديثة، والتي تبين أن قابليتك للعمى غير المقصود يعتمد على شخصيتك، فالأشخاص المنفتحين تزداد احتماليتهم لرؤية الغوريلا في مقطع الفيديو.

مرة أخرى، يبدو أن مزيداً من المعلومات المرئية تظهر لأولئك الأشخاص الذين على درجة عالية من الإنفتاح، فهم يرون الأشياء التي لا يراها الآخرون.

هل يكون الانفتاح أفضل بكثير لعقولنا؟!

قد يبدو وكأن الأشخاص المنفتحين قد تمت معاملتهم باهتمام بشكل أفضل من بقيتنا، ولكن هل يمكن للأشخاص الذين لا يملكون شخصيات إبداعية توسيع آفاقهم المحدودة، وهل سيكون هذا امراً جيداً؟

هناك أدلة متزايدة على أن الشخصية طيَعة، وقد لوحظ زيادة الانفتاح في تداخلات التدريب المعرفي، ودراسات آثار السايلوسايبين (مركب مخدر في فطر عيش الغراب السحري)، كما يزداد الإنفتاح أيضاً لدى الطلاب الذين يختارون الدراسة في الخارج، مما يؤكد فكرة أن السفر يسهم في انفتاح العقل، وتوسع الآفاق.

ولكن هناك أيضاً الجانب المظلم لــ “نفاذية الوعي” الذي يتميز به الأشخاص المنفتحين، فقد وُجِدَ أنَّ الانفتاح مرتبط ببعض الأمراض العقلية، مثل التعرض للهلوسة، فعلى الرغم من جاذبية الانفتاح، إلا أنه قد يكون هناك منحدر زلق بين رؤية المزيد من الأشياء، ورؤية أشياء غير موجودة.

لذا، من خلال الشخصيات المختلفة تظهر تجارب مختلفة، ولكن يجب أن نتذكر دائماً أن وجهة نظر شخص واحد ليست بالضرورة أفضل من وجهة نظر الآخرين.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *