أيها الوالِدان: دعوا أبنائكم يفشلون، فبذلك تسدون إليهم معروفاً

ترجمة بتصرف لمقال: Parents: let your kids fail. You’ll be doing them a favor. By Jenny Anderson

تدقيق: علي الضويلعمراجعة: محمد المهندس

مُتوجِّب على ابنك تسليم مشروع لمادة العلوم، ولكنه يكره هذه المادة ويكره المشاريع أيضاً (كما تكرهها أنت)، فهل:

  • تضع له وقتاً محدداً وتوفر له كل المواد اللازمة، ثم تضعها على الطاولة أمامه مع بعضٍ من قطع بسكويت الشوكولاته المصنوعة منزلياً.
  • تطلب من جارك الكيميائي المنعزل أن يزوركم ليحدث ابنك بكل حماس عن مباهج الجدول الدوري.
  • أن تبتعد عنه وتدعو له.

إذا اخترت الخيار الأول أو الثاني بدافع الحب والرغبة في تعزيز احترام طفلك لذاته، فالمربية والكاتبة جيسيكا لايهي تعتقد أنك مخطئ.

“هل أود لأبنائي أن يكونوا سعداء غير خائفين ولا قلقين على المدى القصير أو هل أرجو بعد عام من الآن أن يكونوا أقل خوفاً وأقل قلقاً ويصبحوا على كفاءة أعلى ولو قليلاً؟!”.

يقع هذا السؤال في قلب كتابها الأفضل مبيعاً “هدية الفشل” (The Gift of Failure). فأدركتَ بأنه يوجد شيءٌ ما غير صحيح في تربيتها لأبنائها ووجود خلل في طلاب المرحلة المتوسطة الذين قامت بتدريسهم. فلم يعد الطلاب متحمسين للتحديات وكرهوا التعلم بالطريقة الإعتيادية. وكان الأباء يأخذون درجات أبنائهم الضعيفة بشكل شخصي، فكان كلا الطرفان غير راضيين.

لم أستطع تحديد أساس المشكلة حتى أدركت ما يلي:

نحن نقلق بشأن تنشئة أبناء سعداء أكثر من قلقنا من كونهم أكفياء ومستقلين.

استشهدت لايهي بعمل الأخصائية النفسية ويندي جرولنيك التي قامت بوضع عدد من الأمهات مع أطفالهن في غرفة (كل اثنتين مع أطفالهن) وقامت بتصويرهم وهم يلعبون. ثم صنفت جرولنيك الأمهات إلى “متحكمة” أو “داعمة للاستقلال الذاتي” والأخيرة تعني أن الأمهات سمحن لأطفالهن بحل الأشياء بأنفسهم. بعد ذلك دعت جرولنيك الأمهات مرة أخرى ووضعت الأطفال في غرفة لوحدهم لتأدية مهمة أخرى، فكانت النتيجة “مدهشة” كما قالت جرولنيك في الكتاب، فأطفال الأمهات المتحكمات استسلموا حينما واجهوا مهام لم يكن بإستطاعتهم إتقانها بخلاف أطفال المجموعة الأخرى. فكتبت لايهي:

الأطفال الذين تكون تربيتهم من قبل والدين متحكمين أو والدين يقدمون توجيهات لأبنائهم لن يكونوا قادرين على إنهاء مهامهم بأنفسهم، بخلاف الأبناء الذين تتم تربيتهم من قبل والدين داعمين للاستقلال الذاتي، فأبنائهم يعلقون بالمهام ويتعرضون للإحباط. فالأطفال القادرون على المتابعة و المثابرة حتى وإن وجدوا هذه المهام صعبة فسيقل اعتمادهم على إرشادات والديهم بشأن التركيز والدراسة والتنظيم حتى يكونوا قادرين على إدارة حياتهم لاحقًا.

وبالرغم من أن نصيحة مثل “دعهم للتجربة والفشل” بديهية وواضحة للعيان إلا أنه تنفيذها صعب جداً، ففي كل فعالية لكتاب “هدية الفشل” يتحدث والدان بحزن دامع إلى لايهي، حيث يقول الوالدان أن ابنهما ذا الستة عشر ربيعاً لا يعرف جمع أغراضه في حقيبة ظهر، أو أن ابنتهم التي في سن الثامنة عشر ليس بإمكانها التعامل مع أي صراع.

وتقول لايهي: “نحن نقول لأنفسنا ((لدينا الوقت الكافي لتربيتهم))، وفجأة نجدهم في سن السابعة عشرة من عمرهم”.

إذن، ماذا الذي يُفترض فعله على والدين يقصدان تطبيق أسلوب الفشل (للوصول إلى النجاح)؟

تحدثت لايهي لمجلة كوارتز عن بعض الطرق التي تكبح السلوك في داخلنا جميعاً عن تدخلنا بأولادنا لبناء ذرية قادرة على تحمل الضغوط بمرونة.

حدد هدفك المرحلي: بعيد المدى أم قريب المدى؟

قالت لايهي: “نحن نقدم المساعدات لأنه ذلك يشعرنا بالإرتياح،”

أقرت لايهي أنها هي أيضاً مُدانة ومع ذلك حاولت التغيير. فقد وجدت لايهي ذات صباح واجب ابنها على الطاولة وقررت تركه هناك على الرغم من أنها ستوصله معها إلى المدرسة على أية حال. لكنها كانت مُصرَّة على أن يصبح ابنها أكثر اعتمداً على نفسه وأفضل تنظيماً. وشاركت لايهي قراراتها عبر الفيسبوك فسألتها صديقتها: “ماذا لو نسي زوجك هاتفه هل ستأخذينه إليه؟”

فكان ردها “ليس علي تربية زوجي”.

ستشعر لايهي بأنها أم مثالية حين تسعى لإنقاذ ابنها بمساعدته في مثل تلك الحالات، لكنها بذلك لا تسديه أي نفع فيما يتعلق بتنظيم ذاته، ففي تركها عمداً لواجب ابنها على الطاولة فمن المحتمل أن يجعلها ذلك هي وابنها في دوامة من المعاناة قليلًا ولكن هذا هو قصد التربية على المدى البعيد.

وكما تبين لاحقًا، زادت المعلمة في حصة ابن لايهي من الواجبات وأسدت له النصح حتى يتفادى نسيان واجباته في المستقبل، وقالت لايهي أن هذه النصائح نفعته كثيراً.

افسح المجال لهم:

هل سبق وأن انتزعت إسفنجة التنظيف من بين يد طفلة لأنها لم تقم بالأمر كما يجب؟ وهل ذلك لأنها تسببت بالفوضى بدلًا من التنظيف؟

قدرة الأطفال تفوق توقعاتنا وهذا هو السر الغائب عن وعي الوالدين، والأمر يعود لنا في إيجاد طريقة لاكتشاف قدراتهم. ( ويبدو أن الفرنسيين توصلوا إلى الطريقة وهي متعلقة بالأطفال والطبخ، فتركوا أبنائهم يستخدمون حتى السكاكين الكبيرة كما في هذه المقالة.) فالأطفال قادرون على غسل الصحون وتنظيف الغرفة بلا إغراءات من قبل الوالدين، لكن قبل أن نحصل على مطابخ وغرف مرتبة يترتب علينا أن نواجه فكرة وجود مطابخ في حالة فظيعة من عدم الترتيب، وملابس الغسيل التي لم تفرز بشكل صحيح وأدراج ممتلئة بالملابس، وذلك حتى يتمكنوا من التجربة والمحاولة للتحسن أكثر وأكثر.

واستشهدت لايهي بطالب كان يعاني في مدرسة ممتازة، حيث كانت الأم تتدخل في المشكلات التي يواجهها لسنوات عديدة أثناء وجوده في تلك المدرسة، فباتت تدير مشاكله مع المعلمين وتلح عليه لينهي واجباته، وكان البديل حينها أن ينتقل إلى مدرسة محلية عامة سيئة.

طفح كيل الأم وقررت أخذ ابنها إلى المدرسة ومنحه الخيار الوحيد المتاح له، وهو أن تتوقف عن العمل لتبقيه في مدرسة الموهوبين، فكان ابنها مصدومًا من هذا القرار، وبناءً على ذلك قرر بأن يضاعف عمله وبدأ يلجأ لمعلميه حينما يواجه مشكلات – دون تدخل والدته _ وقام بتأدية المزيد من الواجبات، وهو الشخص ذاته الذي لم يكن طالباً مجتهداً قط.

اثنِ على الجهود المبذولة وليس على النتائج:

نحن نحب أن نثني على أبنائنا ولنقل أن السبب هو مخلفات حركة تقدير الذات في السبعينيات (حركة قام بها بعض الأطباء النفسيين وفكرتها الأساسية هي أن كل المشاكل النفسية متعلقة بتدني الثقة بالنفس لدى الأطفال) لكن الثناء على ذكاء أطفالنا بدلاً من الثناء على عملهم بجد يدفعهم لما تسميه الباحثة كارول دويك في جامعة ستانفور بالعقلية المحدودة وينتج عنه هروب الأطفال من التحديات، وبالنظر لهذه الدراسة التي أجرتها دويك لسنوات، نجد ما يلي:

قدم الباحثون اختبارات سهلة لمجموعتين من طلاب الصف الخامس. قيل للمجموعة الأولى أن إجابتهم كانت صحيحة لأنهم أذكياء وقيل للمجموعة الثانية بأن إجاباتهم كانت صحيحة لأنهم بذلوا جهداً كبيراً، ثم قدموا لهم اختباراً أصعب يفوق قدراتهم واتضح بعد ذلك أن المجموعة الأولى “الأطفال الأذكياء” لم يعجبهما الاختبار ولم يريدوا إجراء المزيد من الاختبارات، أما المجموعة الثانية ” الأطفال الذين بذلوا جهداً” فهم يظنون بأن عليهم بذل جهد أكثر ورحَّبوا بخوض هذه التجربة مرة أخرى.

وقام الباحثون بتقديم اختبار ثالث سهل، وقد واجهت المجموعة الأولى صعوبة وكان أدائهم أسوأ من الاختبار الأول (الذي كان بنفس مستوى السهولة)، فنرى أن أطفال المجموعة الثانية في الاختبار الأول تفوقوا على نظرائهم “الأطفال الأذكياء”.

أخبر الباحثون الأطفال بأنهم سوف يجرون هذا الاختبار في مدرسة أخرى وطلبوا منهم إرسال الدرجات التي حصلوا عليها. وكان المخيف في الموضوع أن 40% من طلاب المجموع الأولى “الأذكياء” تلاعبوا في درجاتهم بالمقارنة بـ 10% من طلاب المجموعة الثانية “الذين بذلوا جهداً”. فكانت لايهي ترى أن نتيجة هذا البحث تنطبق على الفصول التي تقوم بتدريسها، فكتبت أن الأطفال المبالغ بمدحهم لكونهم أذكياء “يحققون أقل من المستوى المطلوب لمجرد تخطي المرحلة؛ ويرفضون  الأعمال الإضافية الصعبة ويترددون في الاعتراض على أي شيء يشكون بصحته.”

فنصيحة دويك السهلة هي:

اثنِ على الجهود المبذولة وليس على النتائج. وأضافت لايهي لهذه النصحية: دعوا أبنائكم على علم بالمصاعب التي تواجهونها. فإذا شَهَدوكم تفشلون و تنجون بعد ذلك فسيدركون أن الفشل في أداء أي عمل لا يعني أن الشخص فاشل.

شجعهم تشجيع الجد لأحفاده وليس الوالد لأولاده:

يقوم معظمنا بتسجيل أبنائهم في صفوف رياضية لأسباب مختلفة، فمنها ليتجولوا قليلًا وليستنشقوا الهواء النقي وليتعلموا معنى العمل ضمن فريق وليستمتعوا، وكل هذه الأسباب وجيهة. ويصاب الوالدان بالجنون عندما يشهدون مواهب أبنائهم وقت المباريات فيصرخون بتوجيه التعليمات الرياضية وليس لهم أي خبرة فيها، ويسألون المدربين بمستوى أصواتهم المرتفع والذي هو في الواقع ليس مسموحاً به في المنزل، حتى قامت بعض نوادي كرة القدم بتطبيق نظام يلتزم فيه جميع الحضور (الوالدان والمدربون) الصمت في كل يوم سبت في محاولة لإطلاق العنان للأطفال اللاعبين.

قام بروس براون وروب ميلر المدربان السابقان بتشكيل نظام التدريب الإستباقي، فسألوا الطلاب الرياضيين “ما هي أسوأ ذكرياتكم في مرحلة شبابكم وفي مرحلة الثانوية عند خوض المباريات؟” وكان الجواب هو: “مشوار العودة إلى المنزل بعد المباراة” لأن الآباء يقدمون الكثير من النصائح بدلاً من تقديم الدعم.

لذا تقترح لايهي أنه عند حضورك للمباريات شجع أبنائك كما يشجعهم الجدان والسبب هو أن الطلاب الرياضيون يفضلون وجود الجدين في المباريات لأن دعمهم يكون قائماً على أساس الإنجاز.

وكتبت لايهي:

“لا ينتقد الجدان استراتيجية المدرب أو قرار الحَكم. وحتى في مواجهة أحفادهم لفشلهم الذريع في الملعب فهم يدعمونهم بلا دوافع خفية أو تخطيط مسبق”.

المعلم هو بمثابة الرفيق وليس عدوّاً:

يمكن تجنب الكثير من المشاكل إذا تحدثنا إلى المعلمين، ولكنه يسهل علينا قول هذا عن فعله.

تروي لايهي قصص مؤلمة عن آباء يطالبون بتحسن درجات أبنائهم ويرفضون التحديات كفرص للتعلم. وكتبت لايهي” أصبح التعليم حديثاً مثيراً للجدل بين القوتين المتعارضتين وهو أن يطلب الوالدان من المعلمين تعليم أبنائهم بصرامة أكثر ولكن المعلمين يرفضون تقديم الدروس الصارمة لأنها “صعبة جدًا” أو “محبطة للغاية” وليس بوسع أبنائهم أن يتحملوها”.

لذا فإن لدى لايهي قائمة مطولة بالإقتراحات عن كيفية بناء علاقة أفضل بين الأباء والمعلمين وبعض هذه الاقتراحات بديهية وكان من المؤسف أن يتوجب عليها كتابتها مثل: كن لطيفًا ومحترماً؛ واعط التعليم قدره من الاحترام.

وهنا بعض الاقتراحات الأخرى:

  • انتظر يوماً قبل إرسال رسالة للمعلم من أجل النظر في حالة طارئة أو أزمة.
  • دع المعلم على علم بأي حدث مهم يحدث في المنزل.
  • ليكن لابنك رأي؛ مارس لعبة الأدوار معه ليكون لديه الاستعداد لخوض محادثات صعبة قبل أن يخوضها.

بعض الكتب الأخرى الجيدة لنفس الموضوع والتي تتعلق بإبعاد نفسك كأب أو أم عن حياة أطفالك:

الأول كتاب مادلين ليفين بعنوان قم بالتدريس لأبنائك جيدًا: التربية لنجاح حقيقي (Teach Your Children Well: Parenting for Authentic Success والثاني كتاب ويندي موجيل بعنوان بركة جرح الركبة (The Blessing of a Skinned Knee).

وجهة النظر المتناقضة نوعاً ما والموجودة في جميع هذه الكتب هي أن: الفشل = النجاح.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *