هل فيْرُس كُرُونا نعمة لآكل النّمل الحرشفي؟

ترجمة بتصرّف لمقال:(Covid-19 – a blessing for pangolins? by Michael Marshall)

ترجمة: علا عبدالسلام
تدقيق: ريم الحقيل @iReemih
مراجعة: أسامة خان

إن آكل النّمل الحرشفي (pangolin) هو أكثر الثدييات المُتجَر بها في العالم، ولكن وجدت أدلة على أنها المصدر لفيْرُس كُرُونا الجديد مما يمكن أن يوقِف التجارة بها.

إن فيْرُس كُرُونا كارثة بشرية ولكن له جانب مشرق بالنسبة لنوع واحد من الحيوانات. إن آكل النّمل الحرشفي هو أكثر الحيوانات المُتجَر بها في العالم، وهم معرّضين للانقراض، ولكن خلال الأسابيع القليلة الماضية تم ربطه ببداية تفشي فيْرُس كُرُونا في الصين. إن الدليل غير حاسم ولكنه دفع الحكومة الصينية إلى اتخاذ إجراءات. و إذا اتبعت المزيد من الإجراءات ضد تجارة الأحياء البرية، فإن ذلك يمكن أن يكون نقطة تحوّل في المحافظة على آكل النّمل الحرشفي من الانقراض.

إن السؤال الأساسي هو من أين أتى فيْرُس كُرُونا؟ إن الكثير من الحيوانات تحمل فيْرُس كُرُونا ويمكن أن تكون مصادر محتمَلة للعدوى، وهذا مهم أيضًا معرفته، لأنه من الممكن أن يساعدنا في منع تفشيه مستقبلًا. لقد تم عرض الكثير من الأفكار، ولكن يمكن القول أن الفكرة الأكثر غرابة هي أن آكل النّمل الحرشفي كان مصدر الفيْرُس.

أكثر الثدييات المتجَر بها في العالم

آكل النّمل الحرشفي يشبه آكل النمل لكنّه حرشفيّ، ولعل السمة الفريدة التي تميّزه من بين الثدييات أن جسده تغطيه قشور وقائية صلدة مكونة من الكيراتين، وهي نفس المادة التي تتكون منها أظافرنا. يتغذى آكل النّمل الحرشفي على الحشرات كالنمل والنمل الأبيض، وهو غالبًا حيوان ليلي، ورغم تشابهه مع آكل النمل، إلا أنهما لا يرتبطان ارتباطًا وثيقًا، وأقرب فصيلة له هي آكلات اللحوم، المجموعة التي تحتوي على الذئاب والقطط.

ويوجد ثمانية أنواع من آكل النّمل الحرشفي، أربعة منهم يعيشون في أفريقيا وأربعة يعيشون في آسيا، وجميعهم معرضون للانقراض وفقًا للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة. اثنان من الأنواع الإفريقية معرّضان للخطر، والاثنان الآخران مهددان بالانقراض. أما بالنسبة للفئات الآسيوية، فواحد منها معرّض للخطر، بينما الثلاث فئات الأخرى مهددة بشدّة بالانقراض.

 «إذا تجمّعت الحيوانات بشكل متقارب مع العديد من البشر في ظروف غير صحية، فمن السهل أن ينتقل الفيْرُس من الحيوانات»

يتم اصطياد آكل النّمل الحرشفي والاتجار فيه بطريقة غير قانونية، وذلك لسببين. أولًا، لأن لحومها تُعتبر شهية في العديد من دول جنوب شرق آسيا، خاصة في الصين وفيتنام. ثانيًا، لأن قشورها تُستخدم كدواء تقليدي صيني، ونتيجة لذلك، فهو أكثر الثدييات المُتجر بها في العالم.

إن فكرة أن آكل النّمل الحرشفي هو من نقل إلينا فيْرُس كُرُونا ظهرت في مؤتمر صحفي أقامته جامعة الزراعة في جنوب الصين في جوان جو في ٧ فبراير. قارن العالمان يونجي شين و ليوا شياو بين فيْرُس كُرُونا من آكل النّمل الحرشفي، وفيْرُس كُرُونا من البشر المصابين. وقيل بأن التسلسل الجيني كان متشابهًا بنسبة ٩٩٪. كما أن مؤلفًا مشاركًا، ووي تشين من حديقة الحيوانات (غوانغتشو)، ساعد في إظهار أن آكلات النمل الحرشفية سوندا (Sunda pangolins) تحمل فيْرُس كُرُونا.

لكن النتائج لم تُعلن في تلك المرحلة، ولذلك لم يتمكن علماء آخرين من فحصهم بشكل مفصل. في حين أن هناك احتمالات أخرى، يمكن أن يكون هذا الفيْرُس قد أتى من سوق مأكولات بحرية وحيوانية في وهان، حيث تم رصد فئات هناك. وفي مثل تلك الأسواق، توجد الحيوانات متكدسة في ظروف غير صحية، وبجانبها كثير من البشر، وهذه فرصة مثالية لانتقال الفيْرُس. كما أنَّ الكثير أيضًا وجّه أصابع الاتهام نحو الخفافيش، وذلك لأن جينات الفيْرُس مشابهة لجينات الخفافيش، بالإضافة إلى أنها ليست المرة الأولى التي ينتقل فيها مرض من الخفافيش إلى الإنسان. وكانت هناك دراسة تربط الفيْرُس بجين موجود في الثعابين، ولكن هذه الدراسة الآن تعتبر مستبعدة.

ثم حدث تغيير في القصة، في ٢٠ فبراير نشر الباحثون نسخة أولية من الدراسة على موقع بايوريكس، كانت النتائج مختلفة بشكل جذري عما تم توضيحه في المؤتمر الصحفي. بينما كان الفيْرُس الموجود في آكل النّمل الحرشفي مرتبط وراثيًا بالفيْرُس المعدي للبشر، اتضح أنه من غير المحتمل أن يرتبط مباشرة بتفشي الفيْرُس وذلك بسبب الاختلافات التسلسلية الكبيرة. إن التشابه بنسبة ٩٩٪ كان فقط في منطقة واحدة في الجينوم، أما الجينوم بشكل عام فقد كان التشابه بنسبة ٩٠.٣٪. «لقد كان هناك سوء تواصل بين فريق المعلومات الحيوية وفريق المختبَر في الدراسة»، وعندما تم التواصل بواسطة المراقب، امتنع شياو عن التعليق.

هل تتوقف تجارة الحياة البريّة؟

بالرغم من ذلك، فإن الحكومة الصينيّة مترددة بشأن اتخاذ الإجراءات. ففي ٢٤ فبراير أعلنت الحكومة الصينية حظر عاجل على أكل واتجار الكثير من الحيوانات البرية، بما فيهم آكل النّمل الحرشفي. وبدأ المسؤولون بإغلاق أسواق الحيوانات البرية التجارية في الدولة.

كانت هذه آخر الإجراءات بعد سلسلة من الخطوات التي تهدف إلى تقليل الاتجار في آكل النّمل الحرشفي. عودةً إلى سنة ٢٠١٦، نجد أن هناك ١٨٣ دولة وقعت على اتفاقية دولية في الاتجار بالحيوانات والنباتات المهددة بالانقراض، وكانت كل أنواع آكل النّمل الحرشفي الثمانية موضوعة في الملحق رقم واحد في الاتفاقية، مما أعطاه أكثر حماية ممكنة في الوقت الحالي وبشكل صارم.

وبالرغم من ذلك قال شو لينغ مدير الصين في فريق رقابة تجارة الأحياء البرية بأن ذلك لم ينتج عنه انخفاض شديد في أعداد آكل النّمل الحرشفي المتجر بها، استمرت التجارة ولكن تغيرت طبيعة الشحن. يقول لينغ: «قبل حلول عام ٢٠١٦، كان يمكننا إيجاد آكل النّمل الحرشفي المجمد واللحم المُهرّب من جنوب شرق آسيا إلى الصين» أما الآن فيُشحن آكل النّمل الحرشفي مع قشوره، وغالبًا تأتي من أفريقيا بعدما مُنع شحنها من نيجيريا.

ومؤخرًا في أغسطس ٢٠١٩ أعلنت شركات التأمين في الصين بأنهم سيتوقفون عن التغطية عن الأدوية المصنوعة من قشور آكل النّمل الحرشفي وبدأ العمل بهذا القرار في يناير ٢٠٢٠.

وفي ظل هذه الخلفية، فإنه من غير الواضح كيف سيكون تأثير منع أكل اللحوم البرية على آكل النّمل الحرشفي. قال لينغ: «حتى قبل هذا الحظر، استهلاك لحم آكل النّمل الحرشفي كان ممنوعًا في الصين» لأن حيوانات آكل النّمل الحرشفي في حالة محمية. وانعكس هذا إلى الانتقال إلى استيراد القشور من الخارج، ولكن لم يكن مصرّح بها إلا إذا أتت من مصادر موثوقة، ولكن كما يحدث عادة، فإن التجار يجدون طرقًا للتحايل. وعلى المدى الأطول، فإن خسارة صندوق التأمين يمكن أن يحدّ من حجم السوق.
حقيقة آكل النّمل الحرشفي وفيْرُس كُرُونا

وفي أثناء ذلك، فكرة أن آكل النّمل الحرشفي لعب دورًا في ظهور فيْرُس كُرُونا لم تذهب بعيدًا، ففي ١٧ مارس نشر فريق بقيادة كريستن أندرسين في جريدة ريسيرش سكريبس في لاجولا في كاليفورنيا تحليلًا مفصلًا عن احتمالية أساس الفيْرُس في طب الطبيعة. وقالوا بأن المصدر الحقيقي ممكن أن يكون الخفافيش كما في فيْرُس سارس وميرس وهما نوعان آخران من فيْرُس كُرُونا اللذان تفشيا في السنوات الماضية. والخفافيش معروفة بحفظها لفيْرُس كُرُونا.
علاوةً على ذلك، فإن خفافيش الحدوة المتوسطة معروفة بأنها تحمل فيْرُس يسمى RaTG13 والذي يتطابق الجينوم خاصته مع جينوم SARS-CoV-2 بنسبة ٩٦٪. 

ويقول أندرسين: «إنه من الواضح جدًا أن الخفافيش تعمل كمخزون» ولكن السؤال هو كيف ينتقل الفيْرُس من الخفافيش إلى البشر. «نحن نستعرض مشهدين مختلفين تمامًا» 

والسؤال الأساسي هو كيف اكتسب الفيْرُس تسلسلات محددة من الجينوم، مما يسمح له بأن يرتبط بقوة مع خلايا البشر ويُعديهم. فيْرُس الخفافيش لا يحتوي على تلك التسلسلات.

هناك احتمالية بأن فيْرُس الخفافيش انتقل إلى البشر قبل أن يتم اكتشاف تفشّيه بعدة أشهر، وهذه الفيْرُسات الأولية لم تكن معدية أو خطيرة بصفة خاصة، ولكن يمكن أن تكون تحوّلت وتطوّرت إلى أن اكتسبت تسلسلات الجين التي تجعلها معدية.

«بينما كان فيْرُس آكل النّمل الحرشفي أقل تشابهًا بـ Sars-CoV-2 من فيْرُس الخفافيش، إلا أن الجينوم خاصته يحتوي على التسلسلات المترابطة الأساسية». – كريستيان أندرسين، باحث.

إن الاحتمالات الأخرى هي أنه كان يوجد وسيط. قال أندرسين: «ومن هنا دخل آكل النّمل الحرشفي» وبالرغم من أن فيْرُس آكل النّمل الحرشفي هو بشكل عام أقل تشابهًا بفيْرُس السارس من الخفافيش، إلا أن جينوم فيْرُس آكل النّمل الحرشفي بالفعل يحمل التسلسلات المترابطة الأساسية للفيْرُس، وهذا ما توصل إليه شين وشياو وزملاؤهم وتم تأييدها بدراسات أخرى من مجموعة صينية أخرى.

بالإضافة إلى ذلك، تم نشر دراسة في ٢٦ مارس في نيتشر اكتشفت فيْرُسات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفيْرُس سارس في حيوانات آكل النّمل الحرشفي التي تم تهريبها إلى الصين. وهذه الفيْرُسات كان لديها تسلسلات مترابطة مشابهة للتسلسلات التي توجد في الإنسان.

وقال أندرسين: «إن أكثر ما يهمنا هو تحديد مكان التطابق. وبالرغم من أن فيْرُس الخفافيش هو الأكثر تشابهًا عموما، ولكن المنطقة التي تهمنا بالفعل مختلفة إلى حد ما»

وهذا يشير إلى أن فيْرُس الخفافيش وفيْرُس آكل النّمل الحرشفي قد اجتمعا، قد يكونا في نفس المُضيف، وتم تبادل الجينات. فبعض فيْرُسات الخفافيش حصلت على التسلسلات المترابطة الأساسية من فيْرُس آكل النّمل الحرشفي، مما جعلهم قادرين على أن يصيبا الإنسان بالعدوى وإحداث وباء. ويقول أندرسين: «إن إعادة التركيب معتادة في مثل هذه الفيْرُسات» 

«إن هذا تخمين، ولكنه من المرجح جدًا بأن هذه الطريقة التي انتهى بها الأمر إلى هذا الفيْرُس الجديد»

وظهرت قصة مماثلة قبل تفشي فيْرُس سارس عام ٢٠٠٢-٢٠٠٤ بأن المصدر الأصلي للفيْرُس كانت الخفافيش البرية، و في عام ٢٠١٧ تمكّن الباحثون من تحديد كهف في الصين يوجد به خفافيش تحمل فيْرُسات مطابقة بشكل فعلي لفيْرُس سارس، ولكنه من المحتمل أن يكون قد انتقل الفيْرُس إلى البشر من خلال قط الزباد، وهو مشابه للقطط، مما جعل الصين تفرض حظرًا مؤقتًا على بيع قط الزباد. وبالنسبة لتفشي فيْرُس ميرس فيمكن أن يكون قد انتقل من الخفافيش إلى البشر من خلال الجِمال.

وقال أندرسين، على الرغم من ذلك لا يمكننا الجزم بصحة أي سيناريو، وحتى لو كان يوجد وسيط، فمن المحتمل أنه ليس آكل النّمل الحرشفي. وافقت أرينجاي بانيرجي مختصة الفيْرُسات في جامعة ماكماستر في هاميلتون في كندا على ذلك وقالت: «لا يمكننا الجزم بأن آكل النّمل الحرشفي هو الوسيط بالفعل»

إنهاء الطلب

إن التساؤلات حول آكل النّمل الحرشفي ومساهمته في تفشي فيْرُس كُرُونا لن تُحسم في وقتٍ قريب، حيث قال أندرسين «من المحتمل أن تكون مسألة طويلة وممتدة» حيث أن حلّ مصدر سارس أخذ سنوات عديدة. 

وقد يكون من المهم إنهاء تجارة آكل النّمل الحرشفي، لأن فعل هذا يتطلب شيئين، أولًا تطبيق صارم للقوانين، والذي يبدو أن الصين تريد فعله، فقد كانت تزيد تنفيذ القوانين قبل تفشي المرض. أما الشيء الثاني فهو خاص بالناس بأن يتوقفوا عن شراء منتجات آكل النّمل الحرشفي، فإذا لم يكن هناك طلب عليها، فإن التجارة الغير قانونية سوف تصبح غير مربحة وبالتالي سوف يتركها المموّلون.

وقال ريتشارد توماس رئيس الاتصالات في المرور بجامعة كامبريدج: «الحقيقة أن كل هذه الترويجات التي توجد حول الارتباط الممكن بآكل النّمل الحرشفي من المحتمل أن تؤدي إلى انخفاض الطلب عليها» 

«أكثر من ٩٠٪ من الصينيين يقولون بأنهم سوف يدعمون الحظر الكلي على التجارة في الحيوانات البرية مهما كان الهدف»

يوجد دليل على صحة قوله، فتبعًا ليوهان لي من جامعة أكسفورد فإن منظمات المحادثة الصينية تداولت استبيان على مواقع التواصل الإجتماعي حتى يروا كيف تحوّل سلوك الناس، واستجاب أكثر من مئة ألف، وقال أكثر من ٩٠٪ من الناس بأنهم سوف يدعمون الحظر الكلي على التجارة في الحيوانات البرية مهما كان الهدف المقصود. ولكنه غير واضح ما إذا كان الناس سيلتزمون بذلك إذا انتهت أزمة فيْرُس كُرُونا، ولكن لينج يخطط لحملة لتعزيز المعارضة.

إن إدراك أن المحلات التجارية للحيوانات البرية تسمح بتفشي الأوبئة بين الناس يمكن أن يحفّز العمل. وعندما أعلنت الصين الحظر أطلقت عليها منظمة الطبيعة العالمية بأنها «خطوة ضرورية وحرجة وفي وقتها المناسب» ليس فقط من أجل حماية الحيوانات البرية ولكن أيضًا من أجل صحة الإنسان. «إن هذه الأزمة الصحيّة العامة ينبغي أن تكون نداء للصحوة لإنهاء الاستخدام غير المستدام للحيوانات المعرّضة للانقراض وملحقاتها، سواءً كانت الحيوانات الأليفة الغريبة من أجل الاستهلاك الغذائي، أو من أجل قيمتهم الطبية»

وفي أفضل السيناريوهات، فإنه لن تكون حيوانات آكل النّمل الحرشفي فقط هي المستفيدة، ولكن تقليل الطلب على التجارة الغير قانونية في الحيوانات البرية سوف تساعد العديد من الأنواع، وعلاوةً على ذلك، سوف تحمينا جميعًا من الأوبئة المستقبلية.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *