من أين جاءنا تعبيرا “لوسمحت” و “شكراً”؟!

ترجمة بتصرف لمقال: How We Got “Please” and “Thank You”? Why the line between politeness and bossiness is a linguistic mirage. By Maria Popova

​تدقيق: أحلام حسن

مراجعة: محمد المهندس

ما سبب وجود خيط  لُغوي رفيع  بين التهذيب والتسلّط؟!!

“هنالك شيء ملفت لنفكر به فيما يتعلق بماهية التعبير الذي يظهرعلى وجهك ونوعه عندما تقول “لوسمحت”، فلقد كتبت روث كراوس في تعاونها الساحر الأخير مع موريس سينداك.

بينما تنصح شيريل ستراياد في كتابها: “أشياءها صغيرة جميلة محركة للروح: (نصائح في الحب والحياة من شخص عزيز – Tiny Beautiful Things: Advice on Love and Life from Dear Sugar) “ذاك المعطف سيكون هدية والدتك الأخيرة لك. وستندم على كل الأشياء الصغيرة التي لم تقلها لبقية حياتك. قل شكراً لكِ”

لكن كيف كانت حقيقة نشأة تلك المجاملات الشائعة، “لو سمحت” و”شكراً لك،”؟ هذا ما اكتشفه بالتحديد عالم الانثربولوجيا والناشط ديفيد غرابر في أحد أكثر تعليقاته الجانبية الممتعة جداً في مناقشته المستنيرة أيضا بعنوان الدَّين: الخمسة آلاف سنة الأولى:

الدَّين … إنه مجرد تبادل لا يصل إلى اكتمال أبداً. يتبع ذاك الدَّين كائن صارم من التقلب ولديه قليل ليفعله مع أشكال أخرى من الفناء … لكن أليست هذه نفس القصة القديمة، ابتداءً من الافتراض بأن كل التفاعلات الإنسانية يجب أن تكون –حسب التعريف- نوعاً من التبادل، وهل بعد ذلك فإن أداء أي شيء يعني الحصول على دليل ما ونتائج عقلية نحتاجها لإثبات ذلك؟!

الجواب لا … فليست كل التفاعلات الانسانية شكلا من أشكال التفاعل، إنما بعضها فقط. ويشجع التبادل على تحديد طريقة معينة لتكوين علاقة إنسانية مقنعة، وهذا لأن التبادل يتضمن التساوي، لكنه في الوقت نفسه يفرض الإنفصال.

يستمر غرابر في  إيراد مثال مضاد عبر سرد تاريخ اثنتين من أكثر العادات شيوعا في حضارتنا:

لنعتبر العرف بأن يقال باستمرار “لو سمحت” و”شكراً لك” في المجتمع الأمريكي، والقيام بذلك يعتبر من الأساسات الأخلاقية: نحن نؤنب أطفالنا باستمرار بسبب نسيانهم القيام بذلك، تماماً كما يقوم بها حراس الأخلاق في مجتمعنا –المدرسون والوزراء على سبيل المثال- تجاه الآخرين جميعهم. نفترض غالباً أن هذه العادة عالمية، لكنها ليست كذلك، فحالها كحال الكثير من مجاملاتنا اليومية، إنها نوع من ذيوع ما كان يعتبر عادة إقطاعية: الإصرار على معاملة الجميع كما اعتاد الشخص أن يعامل بها سابقاً لورداً أو شخصا ذو مكانة مرتفعة في السلم الاجتماعي.

لكن ليست كل مثيلات هذه المجاملات مجرد أصداء لا معنى لها في السلم الاجتماعي البائد: تصور أنك في حافلة مزدحمة، وتبحث عن مقعد. بينما راكبة أخرى بقربك  ترفع حقيبتها عن مقعد بالقرب منها لتتيجه للجلوس؛ تبتسم أنت، أو تومئ، أو تقوم بإشارة صغيرة تعبرعن الشكر. أو ربما في الواقع تقول “شكراً لك.” مثل هذه الإشارة هي ببساطة تعبر عن إدراك للإنسانية المشتركة، نحن واعين  أن المرأة التي كانت تحجز كرسياً ليست مجرد عائق جسدي إنما كانت إنسانه، ونشعر بامتنان كبير تجاه أحد ما من المرجح ألا نراه ثانية.

“لو سمحت” بقلم ديبي ميلمان (1993)

أكثر الأشياء جاذبية، مع ذلك، حقيقة تأصيل تعبيرين اثنين: التعبير الانجليزي “فضلاً” هو اختصار لـ “لو تفضلت”، “لو كان يسعدك أن تفعل كذا”- إنه نفس التعبير في كل اللغات الأوروبية الأخرى (بالفرنسية … سيلفوبلي، وبالإسبانية … بورفافور). ومعناها الحرفي هو ” ليست عليك إلتزام لتفعل كذا.” “ناولني الملح. أقول ذلك ليس لأنه يجب عليك فعل ذلك!” هذا ليس صحيحاً؛ هنالك إلتزام اجتماعي، وسيكون مستحيلاً تقريبا ألا تمتثل لذلك الطلب، لكن اللياقة تشتمل بشكل واسع على تبادل خيالات مؤدبة (بتعبير ألطف من المعنى المقصود، أي كذبات). وعندما تطلب من أحد ما أن يناولك الملح، أنت في الوقت نفسه تصدر أمراً عليهم؛ وبإلحاق كلمة “لو سمحت،” أنت تقول بأنه ليس فعل أمر، لكنه في الواقع، فعل أمر.

وفي اللغة الانجليزية … “شكراً لك” تشتق من “فكر،” (thank and think) وتعني في الأصل، “سأتذكر ما فعلته من أجلي”- وهو في الحقيقة ليس من الصدق في شيء أيضاً – لكن في لغات أخرى (في اللغة البرتغالية فتعبير أبريغادو يعتبر مثالاً جيداً) والمصطلح القياسي الذي يتبعه في اللغة الانجليزية هو “ملتزم كثيراً”- وهي في الحقيقة تعني “أنا في دَينك، أنا مدين لك.” والكلمة الفرنسية (merci) لها شكل تصويري حي أكثر: تشتق من “الرحمة،” كما لو في طلب الرحمة؛ وبقولها أنت تضع نفسك رمزياً في صف مرافقي السلطة-بما أن الدائن، بعد كل ذلك، مجرم. القول “على الرحب،” أو “لم أقم بشيء” (بالفرنسية دوغيان، الإسبانية دي نادا) – تحمل الرسالة ميزة أن يكون حرفياً صادقا على الأقل- وهي طريقة للتأكيد من الشخص إلى الشخص الذي طلب بتمرير الملح لك أنك لا تقوم بتسجيل دَين عليه في سجل حسابات أخلاقي. لذا فإن قول “من دواعي سروري”-فأنت تقول، “لا، في الحقيقة، إنه رصيد لي، وليس ديناً-أنك تفضلت وطلبت مني أن أمرر إليك الملح، منحتني الفرصة للقيام بشيء أجده مثل المكافأة نفسها!” … مع ملاحظة أن “الحساب الضمني للديون”ليس” جوهر الأخلاق ولكن جوهر الأخلاق طبقة متوسطة”، ويوضح غرابر أن تاريخ هذه التبادلات، سواءً كانت ذات معنى أو بلا معنى، أنها في الحقيقة تطور أخير مفاجيء:

العادة المتمثلة في أن تقول “لو سمحت” و”شكراً لك” دائماً، وقد بدأت تأخذ مجالاً في الثورة التجارية في القرنين السادس عشر والسابع عشر – وذلك في أوساط الطبقات الوسطى والذين اعتبروا أنفسهم  ملتزمين بها بشكل واسع. إنها لغة الدواوين والدكاكين والمكاتب، وخلال السنوات الخمسمائة الماضية فقد انتشرت عبر العالم بأجمعه. وهي مجرد جزء من فلسفة أوسع بكثير، وسلسلة افتراضات بشأن ماذا على البشر وماذا عليهم تجاه بعضهم البعض، وبات هذا الآن متجذراً وراسخاً بعمق بحيث لا نستطيع أن نراه ونلحظة إلا بعد تأمل.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *