اضطراب الوسواس القهري في زمن كُوفِيد-١٩

ترجمة بتصرّف لمقال: (OCD in the Age of COVID-19)

المخاوف من فيروس كُورُنا تخلط بين بقائك آمنًا وإصابتك بالوسواس القهري.
مقال: د. روين شيريبوغا ود. ديفيد روزنبرغ.
ترجمة: أسماء نشمي الشمري
تدقيق ومراجعة: لمى سلمان الجريّد
المراجعة النهائية: أسامة خان
في ظل هذه الجائحة الفتاكة، أصبحت سلوكيات الوسواس القهري طبيعية.
 المصدر: Brust/ Pexels 

 

إن الغسل المفرط لليدين والخوف من التلوث من سمات اضطراب الوسواس القهري. وقد زارني في مكتبي منذ سنوات مريضٌ باضطراب الوسواس القهري الحادّ مرتديًا كمامًا وقُفازين، ورفض الجلوس على أيّ من المقاعد «الملوثة». لكن في وقتنا الحالي أصبحت مثل هذه السلوكيات مقبولةً بل ومشجِّعة للحفاظ على صحة الجميع.

وفي مواجهة هذه الجائحة الفتّاكة سادت الأوضاع الجديدة في ثقافتنا وسوف تستمرّ في التأثير عليها. كما أن ارتداء الكمامات وتعقيم اليدين وتقليص عدد المتسوقين داخل المتجر أصبحت الآن من أهم القوانين التي فرضتها متاجرُ عدة. ويعبُر ممارسو رياضة المشي والجري الطريقَ بلباقةٍ للحفاظ على التباعد، حيثُ كانت هذه السلوكيات في الأشهر القليلة الماضية غير صحية ومبالغٌ فيها.

فكيف يمكن للأطباء توضيح الفرق بين توخي الحيطة والحذر من فيروس كُورُنا، وبين اضطراب الوسواس القهري الذي قد يكون مؤذيًا؟

كَوني طبيبة نفسية، فهذا سؤالٌ مهمٌ يتردّد على مسامعي كثيرًا أنا وزميلي المؤلف مدرب الصحة النفسية والتربية.

تكيّفٌ أم إدمانُ للإنترنت؟

مُذ بدأت الجائحة أصبح من الصعب تقييم ما عُدَّ في السابق سلوكياتٍ مبالغٍ فيها، حيث أن العديد من السلوكيات المرضيّة سابقًا أصبحت الآن ضروريّة لحماية صحة الإنسان ويُشاد بكونها ذكيّة وتكيفيّة.

كما تزايدت المخاوف قبيل كُوفِد-١٩ فيما يتعلق بإدمان الإنترنت والاستخدام المفرط له. حيث يتّسم هذا الإدمان بالاستخدام المفرط والاعتماد الزائد على الأجهزة الرقمية.

وعلى الرغم من ذلك، قام المجتمع سريعًا بتكييف الفرص عبر الانترنت في ظلّ الجائحة. حيث يعمل الناس من منازلهم ويحضرون الحصص الدراسية عن بعد ويتواصلون بين بعضهم البعض من خلال نوادي الكتب عبر الانترنت. حتى فيما يخصّ الحاجات الصحيّة الخاصة، فقد أصبحت تُلبّى على نحوٍ متزايد عبر الخدمات الصحية والتطبيب عن بعد.

وبين عشيةٍ وضحاها شاع استخدام الاتصالات الرقمية وشعرنا بأننا محظوظون لامتلاكنا إمكانية التواصل هذه. وعلى غرار مخاوف التلوث أضحت العديد من السلوكيات الرقمية التي أثارت تساؤلنا يومًا سلوكياتٍ تكيفية -البعض منها- يُبقينا أصحّاء.

أوسواسٌ قهريّ أم وقاية؟

وبالرغم من أن سلوكيات عصر كُوفِيد-١٩ قد تبدو وسواسًا قهريًا سريريًّا، إلا أنه ثمة فرقٌ جوهريّ بين السلوكيات الوقائية لمواجهة هذا الخطر الحالي والواضح كهذه الجائحة، وبين ما يُشخّص باضطراب الوسواس القهري السريري.

وتستهلك تلك السلوكيات والأفكار والطقوس المتكررة المصاحبة لهذا الاضطراب وقت من يعانون منه بشكل كبير، كما تتسبب بعرقلةٍ لنواح عدة من حياتهم الشخصية بما في ذلك العمل والمدرسة والتفاعلات الاجتماعية.

ويملك بعض الأشخاص صفاتَ الوسواس القهري بحدّة أقل. وغالبًا ما تُلاحَظ هذه السمات غير المنهكة سريريًّا لدى الأشخاص المنجزين. كما يلُاحظ أن قرابة 20% من السكان يمارسون السلوك المستند على مقولة «ابقِ تركيزك على الهدف». ومن الممكن أن يُشار للعديد من الأشخاص بالوسواس القهري كطاهٍ موهوب أو مهندسٍ يهتمّ بتفاصيل بناء جسر أو محاسبٍ يحسب الضرائب عن طريق فحص الملفات من زوايا مختلفة.

ويكمن الفرق الأساسي في استيلاء الأفكار والطقوس المتكررة والسلوكيات الظاهرة على حياة من يعانون اضطراب الوسواس القهري.

وعندما يتحقق مُعظمنا من إغلاق الأبواب مرةً أو مرتين، أو نغسل أيدينا أو نعقمها بعد ذهابنا للمتجر، أو بعد استخدامنا دورة المياه، فإن الدماغ يرسل لنا إشارة «الوضع آمن» ليشعرنا بأنها آمنة للانتقال لأشياء أخرى.

ولأن المصاب باضطراب الوسواس القهري لا يتلقى هذه الإشارة، فإنه من الطبيعي أن يقضي عدة ساعات يوميًا في غسل يديه حتى تتقرّح وتنزف. ولمصابين آخرين طقوسٌ يمارسونها تمنعهم من مغادرة منازلهم.

تجنّب مسببات الوسواس القهري أصبح أكثر صعوبة

وتنطبق قواعد الغسل القهري لليدين نفسها على الاستخدام القهري للإنترنت والأجهزة الإلكترونية أيضًا. حيثُ أنه من الممكن أن يتداخل هذا الاستخدام المفرط مع المدرسة والعمل مسببًا أضرارًا على الأداء النفسي والاجتماعي. كما قد تتسبب هذه السلوكيات بمشاكل صحية مثل آلام الظهر والرقبة والسمنة وإجهاد العين إلى جانب المشاكل العائلية والاجتماعية.

وتوصي الجمعية الأمريكية لطب الأطفال أن يقضي المراهقون ما لا يزيد عن ساعتين يوميًا على الأجهزة الإلكترونية والإنترنت. حيث يقضي بعض مدمني الإنترنت من المراهقين ما يقارب 80-100 ساعة أسبوعيًا على الإنترنت رافضين أداء أي شيء آخر بما في ذلك مهامهم الدراسية ونشاطاتهم الخارجية وتفاعلهم مع عائلاتهم. كما أصبح هذا العالم الرقمي أشبه بثقبٍ أسود يصعب عليهم تدريجيًا الهروب منه.

ومن الممكن أن تتسبب المطالب الجديدة المتزايدة باستخدام المنصات الرقمية للعمل والدراسة والتسوق والأنشطة اللامنهجية بفتح ذلك الثقب الأسود بشكلٍ أكبر لأولئك الذين يعانون من الاستخدام القهري للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

ووجد بعض من يعاني من مخاوف التلوث قبل هذه الجائحة أو من لم يستطع تنظيم استخدامه للتكنولوجيا أن هذه الأوضاع المحفّزة التي تجنبناها يوما أصبحت أكثر انتشارًا الآن.

سيطر على التصدي للخطر

ومع تطور المعايير السلوكية الجديدة بسبب الظروف الاجتماعية المتغيرة، فقد تتطور أيضًا طريقة وصف وتعريف تلك السلوكيات. وكما شاع غسل اليدين المتكرر والتواصل عبر الإنترنت، فمن الممكن أن تكتسب كلمات مثل «مدمن على الإنترنت» أو «موَسوِس» معنىً مختلفًا.

ومن الهامّ أن يدرك أولئك الذين تكيفوا على الأوضاع الجديدة أنه من الصحيّ اتباع مبادئ توجيهية جديدة فيما يخص التباعد الاجتماعي وغسل اليدين وارتداء الكمامات، ومع هذه القيود المفروضة على التعاملات الشخصية فإنه من الطبيعي قضاء وقت إضافي على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى. كما يتوجب عليك طلب يد العون من أخصائي الصحة العقلية في حين تسببت الأفكار «الوسواسية» حول العدوى والنظافة في مشاكل أو أصبح استخدام الإنترنت أو غسل اليدين «قهريًا» أو خارجًا عن السيطرة.

أُعيد نشر هذه المقالة من (The Conversation) بموجب رخصة المشاعات الإبداعية. 

اقرأ المقال الأصلي

 المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *