لا شيء حتى الآن يمكنه استبدال المكتبات

ترجمة بتصرف لمقال (Nothing Can Replace Libraries Yet by Lance ulanoff)

 

في تاريخ الأفكار المرعبة، تُعد فكرة استبدال المكتبات بأمازون (Amazon) هي الفكرة المرعبة المتعلقة بالكتب.

 

ترجمة: داليا شافعي

تدقيق: بيادر النصيان 

مراجعة لغوية: فاطمة آل عسكر 

 

  في حمالة مفاتيحي توجد بطاقات بلاستيكية صغيرة لكل متجرٍ أزوره بشكل دوري، والآن أصبح لدي بها أيضًا بطاقة صغيرة خاصة بالمكتبة.

لم أزر مكتبتي منذ وقت طويل، فقد توقفت عن قراءة الكتب الورقية منذ عقدٍ من الزمن تقريبًا، وانقطعتُ عن تفقد الأفلام على أجهزة الفيديو المنزلي   ثم جهاز الدي في دي (DVD) خلال فترة حكم إدارة الرئيس أوباما (Obama)، ولم افتح موسوعة منذ بداية الألفينيّات.

وبالنسبة لي فقد انزلقت مكتبتي المحلية إلى النسيان، ولكن ها أنا الآن أعود إليها لأسأل إن كان بإمكاني الحصول على بطاقة مكتبية جديدة.

وربما إذا قرأتُ للكاتب المشارك يبانوس موردوكوتس (Panos Mourdoukoutas) في فوربس (Forbes) اقتراحه المشوش مؤخراً عن «وجوب استبدال المكتبات العامة بأمازون (Amazon) لتوفير أموال دافعي الضرائب» قبل عدة أعوام؛ لشاركته شعوره هذا وإن كنت أخالف طريقة طرحه.

قد ظل بقاء المكتبات العامة في وجه انتفاضة تكنولوجيا المعلومات لغزًا بالنسبة لي، فلدينا عالم من التكنولوجيا في متناول أيدينا ونحن نشاهد الأفلام من خلاله، ونظام ديوي العشري الخاص بتصنيف المكتبات الذي تعلمته في مكتبة مدرستي، ففائدته للجيل الحالي مثل فائدة عصا العرافة لإيجاد الكتب. فجيل الألفية الثانية وما بعدها يحصلون على ما يحتاجون إليه من خلال الاستعلام بلغة عادية عن ما يريدون على الحاسب الآلي، أو بالبحث بمساعدة صوتية رقمية على هواتفهم الآيفون (Iphone)، أو أجهزة الأندرويد (android)، أو أمازون إيكو (Amazon echo)، ومع ذلك ما زلت أحمل ذكريات عاطفية مع المكتبة.

فعندما كنتُ صغيرًا كانت تأخذني أمي إلى مكتبة كوينز (Queens) العامة لاستعارة كتابين أو ثلاثة من كتب الأطفال، ودائمًا ما كنتُ أسحب كتب د.سيوس (Dr. Seuss) ولم  أكتفِ أبدًا من «قبعات بارثولوميو الخمسمائة» (Bartholomew’s 500 Hats).

ثم كمراهق ينقصه المال، كنتُ أزور المكتبة حتى يمكنني الحصول على نسخة من كتب ستيفن كينج (Stephen King) الأكثر مبيعًا.

وغيرت أجهزة القراءة الإلكترونية حياتي، فقد أصبح متاحًا لي ملايين الكتب فوريًا، ولحسن حظي فقد امتلكتُ مزيدًا من المال لإنفاقه على تلك الكتب. ولكن رغم إنفاقي مزيدًا من المال على الكتب فقد شعرتُ بالتزام أقل نحو تلك الكتب نظرًا لفقدانها عنصر الوجود المادي. فإذا ما كان جهازي الكيندل (Kindle) يحمل خمس أو خمسمائة كتاب سيبقى دائمًا بنفس الشكل والوزن.

ما أعنيه هو أنني ينبغي عليّ أن أوافق موردوكوتس (Mourdoukoutas) الرأي، ولكنني لم أوافق بالكلية.

على عكسي، لم يتضاءل دعم وإيمان زوجتي بمكتبتنا العامة أبدًا. فعضويتها في المكتبة ما زالت مستمرة. إنها مثلي تقرأ الكتب الإلكترونية وتشتري بعضًا منها من موقع أمازون (Amazon). لكن في السنة الأخيرة كانت كل الكتب الإلكترونية التي قرأتها تأتي من مكتبتنا العامة. إن زوجتي لم تزر المكتبة أبدًا، وبدلًا من ذلك فهي تستخدم أوفر درايف (OverDrive) وهي خدمة إلكترونية عبر الإنترنت تمكنها من استعارة الكتب ووضع اسمها في قوائم الانتظار لكتب المكتبة.

وتختلف هذه الخدمة عن أمازون (Amazon) الذي يعد سوقًا عالميًا لثمانية وأربعين مليون كتاب. فخدمة أوفر درايف (OverDrive) لديها آلاف الخوادم الفرعية، كل خادم منها يوصل إلى مكتبة مدرسة أو منطقة. وبداخل كل منها تحصل على الوقت الفعلي الذي تكون فيه الكتب متاحة بنسخها الورقية والصوتية والإلكترونية. ومثل المكتبات العامة فلديها نسخ محدودة من كل كتاب. فإذا أردت استعارة كتاب «جيمس باتيرسون James Patterson» و«بيل كلينتون Bill Clinton» الأكثر مبيعًا «الرئيس المفقود The President is Missing» فقد تجد نفسك الرقم 546 في قائمة الانتظار؛ لكي تقرأ واحدًا من الخمسة والأربعين نسخة إلكترونية المتوفرة في مكتبتك العامة.

وهذه الطريقة هي التي تقرأ بها زوجتي هذه الأيام. فهي تضع نفسها على قوائم الانتظار لبعض الكتب التي تريدها من المكتبة الإلكترونية وتفتحها على جهاز كيندل (Kindle) الخاص بها تقريبًا في اللحظة التي يصل إليها رسالة عبر البريد الإلكتروني تفيد بإن كتابها أصبح جاهزًا. وأقول تقريبًا لإن هناك خطوة جوهرية في المنتصف. فنظام أوفر درايف (OverDrive) للكتب الإلكترونية متصلًا في نهايته بـ«أمازون (Amazon)». وعندما يصبح الكتاب جاهزًا للاستعارة تضغط زوجتي على رابط « اقرأ الإن بواسطة كيندل (Kindle)» والذي يأخذها إلى أمازون (Amazon)، وبدوره يوصله إليها بضغطة زر أخرى الكتاب على جهاز كيندل (Kindle).

الجانب السلبي الوحيد في هذا الأمر؛ هو أن هذه الكتب مثل كتب المكتبة العامة العادية تنتهي صلاحيتها عقب بضعة أيام. فالكتب التي على قائمة الانتظار تظهر وقتما تظهر وفي حالة قراءتك لها أو عدمه فسوف تنتهي صلاحيتها.

وفي هذه الأيام أحاول أن أكون أكثر ذكاءً فيما يتعلق بشؤوني المالية. ولأكون صادقًا فقد شعرتُ ببعض الحرج عندما وجدت زوجتي تستخدم المصادر الإلكترونية المحلية بطريقة أفضل مني بشكل كبير، وهو ما جعلني أعود مجددًا إلى مكتبتي العامة.

عدت منذ شهرين سابقين إلى أرض تناساها الزمن لأسأل عن بطاقة عضوية للمكتبة. كان على يميني منطقة القراءة والبحث والتي كانت غالبًا فارغة، لاحظت مزيدًا من الحواسب الآلية متناثرة هنا وهناك عن تلك التي كانت لديهم منذ عقد من الزمن، وبجوارها كانت هناك الرفوف المكتبية التي لم تتغير فعليًا منذ عام 1982. على يميني هناك منطقة كتب الأطفال وكانت مغلقة مؤقتًا، وأمامي تقف سيدة المكتبة المسنَّة ذات الوجه المبتسم تسألني بدفء عن إمكانية مساعدتها إيّاي.

شرحتُ لها بخجل حاجتي لبطاقة مكتبية جديدة حتى أتمكن من الدخول إلى المكتبة عبر الإنترنت. ولم تترد أو تعاتبني على ابتعادي عنهم طوال هذه السنوات، ولكنها أوضحت أنه لسوء الحظ لا يمكنني الحصول على هذه البطاقة اليوم؛ وذلك لإن كل الحواسب الآلية لديهم لا تعمل. وبدلًا من ذلك طلبت مني أن أخط عنواني واسمي ورقم هاتفي على ورقة نسخة مصورة قديمًا.

وللحظة احترت، هل أقوم بخطأ ما؟ هل هذه تذكرة إلى سفينة أشباح؟

في الحقيقة لا؛ فالسبب في الإغلاق الجزئي ومشكلة الحواسب الآلية هو إجراء المكتبة إصلاحات قدرها 8.9 مليون دولار، وقد وصلت بطاقتي المكتبية تقريبًا في نفس الوقت الذي تم فيه البدء في المشروع.  حصلت المكتبة على المال من سند أقرَّه السكان المحليون لتطويرِها، وهي حقيقة ربما تخيّب ظن موردوكوتاس (Mourdoukoutas) الذي يدور جدله حول رغبة السكان المحليين في الحفاظ على أموال الضرائب بدلًا من صرفها على المكتبات المحلية.

ليس الأمر فقط أن أمازون(Amazon) لا ينبغي أن تستبدل المكتبات، بل ببساطة أمازون (Amazon) لا يمكنها ذلك (على الأقل حتى الآن).

لقد رأيت مكتبات أخرى تخضع لنفس التجديدات (بعضهم انتقل إلى أماكن جديدة كلياً) في الأعوام الأخيرة. فهذه المكتبات تتغير مع الوقت وقد أظهرت بعض الدراسات أن هذه المكتبات أكثر جاذبية لجيل الألفية عمَّا كانت عليه بالنسبة إلى جيلي.

تختلف المكتبات اليوم عن تلك التي كانت موجودة في القرن العشرين، وستصبح مكتبات المستقبل مختلفة عن تلك الموجودة اليوم. وبدلًا من استبدال المكتبات، يكون جعل أمازون (Amazon) شريكًا، خطوة ذكية حيث تشتري المكتبة هذه الكتب الإلكترونية من أمازون (Amazon). وفي كل مرة استعير كتابًا عبر «أوفر درايف (Over Drive)» أمر عبر «أمازون (Amazon)» والذي ألحظ فيه، إلى جانب الكثير من المنتجات، كثيرًا من الكتب الأخرى التي يمكنني استعارتها أو شرائها.

وليس الأمر فقط أن  أمازون (Amazon) لا ينبغي أن تستبدل المكتبات، بل ببساطة أمازون (Amazon) لا يمكنها هذا (على الأقل حتى الآن)، فالكتب الموجودة حاليًا تقدر بـ138 مليون كتاب، تمتلك أمازون (Amazon) ما يقارب 48 مليون كتاب متوفر بكل الصيغ وحوالي 4 مليون منها كتبًا إلكترونية.

وها أنا ذا الآن عضوًا مرة أخرى في المكتبة، ولدي بطاقة مكتبية في حمالة مفاتيحي وتطبيقًا على هاتفي، وأستعير كتبًا إلكترونية على جهازي كيندل(Kindle). النهاية.

 

 

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *