رسالةٌ إلى كل مبدعٍ: التسويق مهمتك

ترجمة بتصرف لمقال: Note to All Creatives: Marketing is Your Job. By Ryan Holiday

تدقيق: أحمد عسيري

مراجعة: محبرة

المقالة مقتبسةٌ من كتاب “Perennial Seller: The Art of Making And Marketing Work That Lasts – البائع الدائم: فن صناعة وتسويق الأعمال باستدامةٍ”

في إحدى المقابلات تذمر الروائي “إيوان مكيوان” مازحًاَ عما يبدو عليه تسويق الرواية بعد قضاء وقتٍ طويلٍ في كتابتها بقوله: “أشعر بأني الموظف التعيس لنفسي السابقة التي استمتعت بكتابة النص ثم أرسلتني إلى الشارع كمندوب مبيعات بائسٍ لفرش شعرٍ أو لنوافذ مزدوجةٍ محاولًا بيع هذه الرواية. حصلت نفسي على كل المتعة في كتابتها، وبقيت أنا الشقي المسكين أحاول بيعها”.

هذا حال كل المبدعين، قلةٌ منهم انضموا إلى المجال الإبداعي لأنهم رغبوا في إدارة حسابات وسائل التواصل الاجتماعي أو الموافقة على الحملات الإعلانية. فالكتّاب يصبحون كتّابًا لأنهم أرادوا الكتابة وكذلك الممثلون، أصبحوا كذلك لأنهم أرادوا التمثيل وليس قضاء أسبوعين منهكين في جولةٍ صحفيةٍ. فالمبدع يفضل العمل على ابتكاره وليس قضاء وقته وبذل عصارة جهده وفكره في تحسين مشاركات المدونة لأغراض تسويق المحتوى على سبيل المثال.

إن أخذنا بعين الاعتبار العدد القليل من الأشخاص الذين يكسبون قوت يومهم عن طريق الإنتاج الإبداعي، والجهد والتعب الكبيرين في المهن والصناعات الأخرى، فسيبدو هذا التذمر مميزًا. فمن سيقوم ببيع فيلمك أو تطبيقك الإلكتروني أو عملك الفني أو خدمتك إن لم تكن أنت؟ حتى لو عينت شخصًا آخر نظير مبلغٍ كبيرٍ من المال، فما مقدار الجهد الذي سيبذله فعليًا؟

آفّة المشاريع الإبداعية هو مبدأ أنا صاحب الأفكار وحسب أو كما يعتقد “مكيوان” أن هناك فرقًا بين الفنان ومندوب المبيعات.

كلاهما الشخص نفسه في نهاية الأمر.

إن لم يكن أنت، فمن؟

من غيرك سيبذل وقته لإبداعه؟ فما المعنى إن لم تشمر عن ساعديك وتمضي في إخبار العالم عن منجزك؟ اذكر لنا شخصًا واحدًا غيرك أحقُّ منك بقطف ثمار النجاح المحتمل لمشروعك؟

إن فكرة أن العالم ينتظر فيلمًا أو كتابًا أو تطبيقًا إلكترونيًا آخر على أحر من الجمر فكرةٌ غير سديدةٍ. إذ يفضل الناس عادةً كلاسيكيات الماضي القريب والبعيد. فحين تملك دار النشر ذائعة الصيت “Harper-Collins” مطبعةً لطباعة الكتب الورقية تسمى “Harper Perennial” والتي تعني “أبدي”، أو عندما تنفد مبيعات آخر إصدارٍ من ألبومٍ غنائيٍّ، فهذا يدل على أن الناس ما زالوا يفضلون الأشياء القديمة.

حَمْل الناس على الإعجاب بابتكاراتك ليست بالمهمة اليسيرة. فكرة “إن صنعته سيأتي الناس” قد تحدث، لكن الاعتماد على هذه الفكرة وحدها يعد نوعا من السذاجة. فسّر لي “جاسون فريد” حين سألته عن كيفية تصميمه لتطبيق ((37signals، والمعروف الآن بـ (Bootcamp) وجعله منصةً تحوي ملايين المستخدمين بعد انتقاله من شركة تصميم مواقعٍ إلى شركة تطبيقاتٍ إلكترونيةٍ في عام 2004م، قائلًا حتى يتحدث المنتج عن نفسه، يحتاج شخصًا يتحدث إليه. وشخصًا يتحدث عنه أيضًا.

يقول الوكيل الأدبي “بيرد ليفيل” لعملائه هل تعلمون ماذا يحصل حين تنشرون كتابًا وتفشلون في جذب اهتمام الناس له؟ لا أحد يشتريه“. وهذا ما لا تريدونه بكل تأكيدٍ.

هناك وقتٌ كافٍ

يقر “آل ريس” وَ “جاك تروت” اللذان يُعدان من أباطرة التسويق في العالم بانشغال المديرين التنفيذيين الدائم بالاجتماعات والمكالمات الهاتفية وغداء العمل والمهام اليومية الأخرى التي لا تنتهي، لذا من الطبيعي أن يعهدوا بالتسويق للآخرين. وهم يرون هذا التصرف خطأً جسيمًا ويقولون إن كان عليكم تفويض المهام، ففوضوا رئاسة حملات جمع التبرعات فنائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية هو من يحضر الجنائز الرسمية وليس الرئيس.. أليس كذلك؟. ينطبق الأمر نفسه على أصحاب المشاريع الإبداعية مع إدراكي بوجود مشاريع ومهامٍ أخرى لديك لإنجازها.

وينطبق أيضًا على الفنانين. إن كنا صادقين مع أنفسنا فسنكتشف أن هناك وقتًا كبيرًا ضائعًا خلال الروتين الذي نقضيه في أداء أعمالنا الإبداعية مثل الوقت الذي نقضيه في مشاهدة التلفاز والاجتماعات عديمة الجدوى. يمكنك اقتطاع وقتٍ كافٍ من كل ما ذُكر.

  • استفد من الوقت الذي تقضيه في تصفح حسابك الشخصي في “الفيسبوك” واستخدمه في إنشاء مجتمع افتراضي.
  • استفد من الوقت الذي تقضيه في تخيل نفسك كاتبًا لجريدة “نيويورك تايمز” واقضه في تعزيز علاقاتك مع أشخاصٍ بإمكانهم جعلك كذلك.
  • تجنب التسويف والسلبية، واستفد من تلك اللحظات التي تكون فيها في مستوًى أقل من الطبيعي في التفكير في طريقةٍ لبناء اسمك وإثارة الاهتمام تجاهك.

إن آخر ما تود أن تتجاهله هو التسويق، فمنتجك يحتاج إلى بطلٍ يهتم به. أو كما يقول الكاتب الشهير في مجال الاقتصاد والإدارة “بيتر دروكر“: “كل مشروعٍ يحتاج إلى شخصٍ يعقد العزم على إنجاحه والعمل عليه.

هذا الشخص هو أنت، فالتسويق مهمتك ولا يمكن تكليف شخصًا آخر به. لا وجود لشركةٍ سحريةٍ – ولا حتى شركتي التي كانت محظوظةً بـالكاتب “جيف” باعتباره أحد عملائها، بإمكانه تولي مهمة التسويق عن عاتقك بالكامل – حتى لو كنت شهيرًا ولديك ملايين المتابعين على “تويتر” أو كنت تملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة لإنفاقها على التسويق، فما تزال مهمة التسويق وإيصال ابداعك لأكبر عددٍ ممكنٍ منوطةٌ بك وهي ليست بالمهمة اليسيرة..

لا أريدك أن تنظر إلى لتسويق باعتباره واجباً، بل فرصةٌ تضع فيها مقدارًا مشابهًا للمجهود الذي وضعته في إنتاج تحفتك الإبداعية.

التسويق فنٌ

لا بد أن تتعلم من الحملات التسويقية الذكية مثل قرار الكاتب “باولو كويلو” إتاحة كتابه على مواقع مشاركة الملفات “التورنت” في روسيا لزيادة جمهوره هناك. وانظر إلى ما فعل أيضًا بالتعاون مع ناشره حين نشر إعلانًا يحوي النص الكامل لروايته الشهيرة “الخيميائي” بحجم خط 4.1 ما يجعل قراءة النص غير ممكنة ووضع بجوارها نصًا يقول بذكاءٍ ماكرٍ شكرًا لسبعين مليون شخصٍ قرأوا هذه الرواية، إن لم تكن منهم فاقرأ هذا الإعلان“. وكانت النتيجة أن نُشرت هذه القصة فورًا على مجلة “ADWEEK” المتخصصة بصناعة الإعلان وحظيت بإعجابٍ كبيرٍ على وسائل التواصل الاجتماعي. تلك كانت مهمة الكاتب وقد أنجزها بنجاح.

في عام 2014م نشرت فرقةٌ غير شهيرةٍ تدعى “Vulfpeck” ألبومًا غنائيًا باسم “Sleepify” يحوي 10 أغانٍ، مدة كل أغنيةٍ 31 ثانيةً من الصمت المطلق. أقدمت الفرقة على هذه الخطوة احتجاجًا على سياسة موقع “Spotify” الشهير للأغاني الذي لا يدفع لصاحب الأغنية حين سماعها عن طريق الموقع إلا بعد سماع الزائر 30 ثانيةً على الأقل. فقامت بإنتاج هذا الألبوم الغريب، تناولت الفرقة قضيةً أكبر تتعلق بمدفوعات الملكية الفكرية للفنانين. شجعت الفرقة المحتجين على هذه السياسة بتشغيل الألبوم عن طريق موقع “Shopify” وهم نيام ووضعها على التشغيل التلقائي حتى يستمر الموقع في الدفع. لم تربح الفرقة بذلك 20 ألف دولارٍ فحسب، بل جاء ذكرها في العديد من المجلات ذائعة الصيت مثل “الغارديان” و”بيلبورد” و”فوربس” و”رولنغ ستون” ومجلاتٍ أخرى.

ولا ننسى الخطوة التسويقية للمصمم والرسام “مارك ايكو” الذي قام بإرسال هدايا إلى المؤثرين – من ضمنهم المخرج “سبايك لي”.  فقد أرسل له قميصًا عليه رسمٌ يدويٌّ بالفرشاة الهوائية لصورةٍ من فيلم “Malcolm X” احتفالاً بالفيلم الذي أخرجه “سبايك لي”. كان “مارك” يمارس إبداعه ويسوِّق في الوقت نفسه. بعد مرور عقدين من الزمان، لا زال “مارك” و”سبايك” يعملان مع بعضهما.

ألم تكن تلك الأفكار التسويقية الإبداعية أعمالاً فنيةً خاصةً بهم؟ ألا تتفق معي أن أعمالك ستستفيد من مثل هذه الأفكار إن أعملت إبداعك وجهدك على الأفكار التسويقية؟

أعدك بوجود العديد من الأفكار النيرة والطرق المبتكرة لإيصال أعمالك إلى الناس.

  • افعل ما تراه جنونيًا وغير مألوفٍ. (ذات مرةٍ أعنت شخصًا على إنشاء حملة مقاطعةٍ لأعماله).
  • اتخذ موقفاً وخاطر.
  • إن أردت أن تظهر في الأخبار، فاصنعها.
  • تواصل مع الرواد في مجالك؛ فهم شغوفون بالأعمال المبتكرة أيضًا.

يفرّق “جيف كوينز” بين الفنان الفقير والفنان الناجح. ويرى أن الفرق يكمن في الرغبة والقدرة والمبادرة على إظهار أعمالهم للجمهور. تشمل مسؤولية المبدع رؤية الصورة الكاملة، لا أن يحبس نفسه طوال الوقت داخل الاستوديو أو أمام الحاسب الآليّ أو يبقى على خشبة المسرح.

يمكن للعديد من الأشخاص أداء أعمالٍ جليلةٍ. لكن قلةً منهم ينذرون أنفسهم لإنجاز هذه الأعمال العظيمة وإنجاحها فعليًا. التسويق فرصةٌ لتميز نفسك عن الآخرين وتنتصر على الموهوبين الذين يعيقهم الكسل.

لذا عليك أن تخرج من عزلتك وتخبر العالم بإنجازاتك فأنت الأوحد والأفضل في تسويق عملك.

كتاب “ريان هوليداي” الأخير بعنوان “البائع الدائم: فن صناعة وتسويق الأعمال باستدامة” هو كتابٌ يتشمل على العناصر الضرورية لعمل كتبٍ كلاسيكيةٍ وأعمالٍ وفنونٍ تدوم طويلًا. ُترجمت كتابات الكاتب إلى 28 لغةً وبِيع منها 28 مليون نسخةً حول العالم. كما عملت شركته “براس تشك” مع كبرى الشركات (مثل: “جوجل” و” تيسر” و” أمازن”). انضم إلى 80 ألف شخصٍ يتلقون مقالاته أسبوعيًا.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *