الثورة الرقمية في التعليم العالي قد بدأت بالفعل، ولم يشعر بها أحد.

ترجمة بتصرف لمقال:( The digital revolution in higher education has already happened. No one noticed. by midum)

ترجمة: عبدالعزيز البادي- رحاب أحمد

تدقيق: غدير عبدالرحمن- رحاب أحمد

مراجعة: عمار محمد

 

الثورة الرقمية في التعليم العالي بدأت بالحدوث. تم أخذ إحصائية من أكثر فصلٍ دراسي غنيٍّ بالبيانات في الولايات المتحدة، كان هذا الفصل في خريف عام (2012). وتشير البيانات في الإحصائية إلى: أن أربعة ملايين طالبًا غير متخرجين بعد؛ قد سجلوا -على الأقل- في دورةٍ واحدةٍ على الإنترنت، من أصل ستة عشر مليون طالبًا لم يتم يتخرجوا. والعدد في ازدياد منذ تلك الإحصائية. هذه الأرقام، تعني أن عدد الطلبة الذين يأخذون حصصًا عبر الإنترنت، أكثر من الذين يحضرون مباراة كرة القدم لفريق الجامعة. وأكثر من الضعف، يأخذون حصصًا عبر الإنترنت، أثناء تواجدهم في حرم الجامعة. عدد الطلبة الجامعيين المسجلين في حصص عبر الإنترنت؛ أكثر من عدد الخريجين في تخصصات الماجستير و الدكتوراة مجتمعين. في ظل معدل النمو الحالي نصف الطلبة الجامعيين في الدولة سيحصلون على مادة دراسية واحدة على الأقل عبر الإنترنت في سجل درجاتهم في نهاية العقد. هذا هو الوضع الطبيعي الجديد.

ظهرت أول محاضرات معتمدة عبر الإنترنت عام (1980).  ولكن، بعد عدة عقود اُقتصرَ هذا النوع من الحصص الدراسية على عدد قليل من المؤسسات التعليمية. تلك الفترة قد انقضت، أما الآن فإن أكثر من (95%) من الكليات والجامعات التي تملك ما يزيد عن خمسة آلاف طالب؛ توفر حصصًا دراسية معتمدة عبر الإنترنت. وبنفس الطريقة، تحولت المواعدة عبر الإنترنت من كونها مقززة وغريبة، إلى كونها مواعيدًا اعتيادية كتذكرتين لفيلم. لقد توقف التعليم عبر الإنترنت من كونه “المستقبل” وأصبح طريقة تعلّم مثالية واعتيادية.

ما كنتَ لتعرفَ هذا من محادثة عامة، حيث يُناقش هذا الموضوع كموضوع مُحتَمل أن يكون ذا شأنٍ كبير في يومٍ ما، عوضًا عن كونه واقعًا اعتياديًا لطالبٍ واحد، من كل أربعة طلاب. تم تجاهل التوسع الهائل للحصص التعليمية عبر الإنترنت بشكل كبير، لأن من يُقْبِل على هذه الحصص التعليمية هم طلبة غير تقليديين. إن صح القول: الطلبة الأكبر سنًا، والذين لديهم مسؤوليات أكثر من المراهقين ميسوري الحال، الذين تستهدفهم الجامعات.

 

إن كنت تقرأ هذا فقد كنت في الغالب طفلًا ذكيًا أبلى حسنًا في مدرسة جيدة، وهذا الوصف ينطبق على كل من تعرف تقريبًا. توجد فجوة بين الحديث عن الكلية، وبين حقيقتها. لأن الاشخاص الذين يقودون هذا الحوار (أنا وأنت وأصدقاؤنا) غالبًا ما نتحدث عن صفوة المدارس وأفضلها.

مع زيادة الاهتمام بالموضوع في بداية هذا العقد؛ كان هناك حديثٌ عن كيف أن التعليم عبر الإنترنت، سيكون رائعًا لدرجة تدفع الطلبة لتفضيله على الدراسة التقليدية، والمكوث في الجامعة لأربع سنوات. هذه المحادثة متوقعة منا نحن الطلبة ذي التعليم العالي، فلكي نتصور أن الشيء جيدٌ لابد أن يكون جيدًا لنا نحن. إلا أن التعليم عبر الإنترنت في الوقت الحاضر في أميركا، يحقق نجاحًا ليس لأنه أفضل من كلية (Oberlin). ولكن، لأنه أفضل من لا شيء. واللا شيء هو ما يقدم حاليًا لملايين البشر.

 

 

للمقارنة ما بين كلية (Sweet Briar) المهددة بالإغلاق وكلية (City College of San Francisco)؛  فعدد المسجلين في كلية (Sweet Briar)؛  يصل إلى (530)، بالإضافة إلى أنها توفر مقررات تختص بركوب الخيل. أما عدد المسجلين في (City College of San Francisco)؛ فيصل إلى (85000). وتوفر الكلية، مقررات تختص بإصلاح الدراجات النارية. مهما يحدث لكلية (Sweet Briar) فسيكون طلابها بخير، أما طلبة (City College) فهم  في الأغلب ليسوا صغارًا في السن، ولن يكونوا بخير إذا أغلقت الكلية أبوابها. بينما كلية (Sweet Briar) مهددة بقلة الاهتمام من الطلبة المستقبليين. فإن (City College) تناضل لاستيعاب طلبات الالتحاق. فقرابة (10000) طالب لا يمكنهم التسجيل في المقررات التي يحتاجونه.٬ عشرة آلاف رقم يعادل عدد الطلبة المسجلين في كلية (Sweet Briar) لمدة (75) عامًا ومع ذلك فهي من تصدّرت عناوين الصحف. أما التهديد الذي يواجه (City College)  فقد تم التعامل معه كمشكلة محلية.

هاجسنا المشترك تجاه النخبة من الطلبة والمعاهد، يعني وجود تزايد في المحادثات العامة الغير معنيّة بحياة الكثير من الطلبة الفعليين. ويتضح هذا عندما تنظر إلى القائمة التي تحتوي على ثمانية أشياء تزيد من خطر ترك الطلبة للكليات:

 

  • الطالب لم يسجل بشكل مباشر بعد المرحلة الثانوية.
  • عمر الطالب (25) سنة أو أكبر.
  • لدى الطالب أطفالٌ أو أبناء كبار.
  • الطالب متزوج أو أب عازب/ أم عزباء.
  • الطالب يدرس بدوام جزئي.
  • الطالب يعمل بدوام كامل.

 

أحد التعليقات القاسية بخصوص القائمة أعلاه: “عوامل الخطر هذه مرتبطة بشكل قوي. والطلبة بطبيعة الحال لديهم عدة عوامل خطرة”. ما يعني أن البالغين لديهم حياة أكثر تعقيدًا من المراهقين.

نفس الدراسة قد سُجِّل فيها أن “الطلبة الذين لديهم مؤشر خطر أعلى يفضلون التعليم عن بعد بشكل كبير”.  إن نصف الجامعيين الذين يأخذون كل حصصهم عبر الإنترنت متزوجون. تمت مقارنتها بأقل من 1 من كل 5 جامعيين بشكل عام. النصف منهم أيضًا لديه أطفال٬ عدد الطالبات الأمهات يفوق عدد الطلاب الآباء اثنين لكل واحد. اثنان من ثلاثة يعملون، واثنان من خمسة يعملون بدوام كلي. الثلث منهم يعيش في مناطق ريفية، وهو ما يشكل نسبة أكبر من النسبة العامة للسكان. أربعة من خمسة أعمارهم (25) سنة أو أكثر٬ النصف منهم تقريبًا يقول “ظرف شخصي منعني من الاستمرار” للحضور لحرم الجامعة. 

كان “حرم الجامعة العالمي” الخاص بجامعة (ولاية بنسلفانيا) والذي كان متاحًا فقط على الإنترنت هو مثال مبكر لفصول أكثر مرونة٬ كما يشير الاسم؛ فقد صُمِّمَ (حرم الجامعة العالمي) ليستوعب الطلبة الجدد من كل مكان، لكن المؤسسة قد وجدت أن أغلب طلبة (حرم الجامعة العالمي) قد سجلوا قبل ذلك في جامعة (ولاية بنسلفانيا) نفسها٬ حتى أن الطلبة التقليديين يستخدمون هذه الحصص لزيادة فرص تخرجهم.

     

إحدى الملاحظات الشائعة بخصوص التعليم عبر الإنترنت أنه سيعني: “التواجد الفعلي داخل الحرم الجامعي للأغنياء، والدراسة عبر الإنترنت للفقراء”.  شيء من هذا القبيل قد حدث فعلًا. على الرغم من أن “الدراسة عبر الإنترنت مقابل خدمات متدنية” لنكون أكثر دقة. الطلبة الذين يأخذون حصصًا عبر الإنترنت لا يبحثون عن صفقات رابحة، فالأغلبية لا يأخذون حصصًا من المزوّد الأقل تكلفة٬ هم يبحثون عن المرونة. لأنهم لا يستطيعون الاستقالة من أعمالهم، أو التوقف عن الاهتمام بأبنائهم أو والديهم فقط لحضور الكلية. لكن لأن العالم يخبرهم بحاجتهم إلى شهادة لكي يتحول مردودهم من 7 دولارات في الساعة من أجل عملهم في تعبئة الأكياس في بقالة، إلى 13 دولارت في الساعة من أجل عملهم في سحب عينات الدم.

 

طالما أننا نناقش موضوع التعليم عبر الإنترنت كثورة تعليمية بدلًا من كونه ثورة تنظيمية؛ نحن لم نختر المحادثة الصحيحة حتى. التبني الدرامي للتعليم عبر الإنترنت -غالبًا- ليس تغييرًا في محتوى الحصص الدراسية٬ بل هو تغيير في الشكل المؤسسي للكلية. حاجة ملحة للمزيد من المرونة، للطلبة الذين يجب عليهم معالجة تزايد التعقيد في مثلث العمل والعائلة والمدرسة.

خارج مجموعة صغيرة من المؤسسات السكنية الانتقائية، وظيفة المسؤول في الكلية هي تدريب الناس على العمل. إن الحصول على درجة الزمالة، أو البكالوريوس، لم يعد أحد الطرق للحصول على وظيفة بعد الآن. لكنه الطريقة الوحيدة لتجنب الأجور المنخفضة أو البطالة. إن العلاوات التي يحصل عليها أصحاب الشهادات الجامعية سابقًا قد قلت نوعا ما الآن، لكن عواقب عدم الحصول على شهادة يتزايد بشكل مستمر. إن الثورة الإلكترونية تحصل الآن بسبب أن الشهادة الثانوية تذكرة لشيء ضئيل، بينما أسلوب الجامعات التقليدي لم يعد خيارًا مناسبًا لمن هو بحاجة شهادة للحصول على فرصة عمل.

  

 عندما عملت ستاربكس استفتاءً لعيّنة من العاملين لديها عن المصالح المحتملة؛ (80%) أشاروا لحاجتهم للمساعدة لإنهاء الدراسة الجامعية. ذلك ما قاد ستاربكس لإنشاء برنامج بالتعاون مع جامعة (ولاية أريزونا)، يهدف لمساعدة الموظفين لإنهاء دراستهم عن طريق الإنترنت٬ ما تصدر الصحف هو الدعم المالي لمصاريف الدراسة ولكن ما يهدف إليه البرنامج في الحقيقة هو توفير الدعم والنصيحة وهو ما يفتقر إليه الطلبة عند محاولة تحديد خياراتهم.

   

أدركت ستاربكس أن الحصول على شهادة الدبلوم يتطلب مهارتين. وهما: القدرة على النجاح في المواد الدراسية. والقدرة على إدارة بقية الأمور الجامعية -وهو الأصعب-٬ هذا الأمر قاد لإحدى المفارقات في الجامعات؛ وهي أن الطلبة الذين يأخذون دروسًا عبر الإنترنت يحصلون على درجات سيئة ولكن تخرجهم ممكن٬ في حين أن الطلبة الذين يحضرون الحصص الدراسية احتمال حذفهم لأي مادة أكبر.

 

إنه لأمر عجيب كيف أن مؤسساتنا تجعل إدارة كل شيء خارج القاعات الدراسية أمرًا صعبًا وكيف أنه يتطلب القليل ليكون أسهل.

   

عندما قررت مجموعة من الكليات التي توفر حصصًا دراسية عبر الإنترنت في ولاية (كونيتيكت) الأميركية، توجيه أسئلة المساعدات المالية إلى مركز اتصال تقنية المعلومات المشترك لديهم، اتصل آلاف الطلاب. لكن، غالبية أسئلتهم كانت من نوع “كيف أقدم طلبًا للتسجيل؟ ما هي حالتي؟ أو لماذا حصلت على هذا المبلغ؟”.  كان الموظفون قد تدربوا على كيفية الرد على الأسئلة السهلة مباشرة، ورفع الأسئلة المعقدة فقط. وهكذا؛ انخفض ضغط العمل، وقلت المصاريف، وارتفع مستوى رضى الطلاب بشكل كبير. لم يتطلب التغيير ذلك القدر الكبير من المال، بل تطلب الأمر الاستعداد لرؤية المؤسسات من وجهة نظر الطالب.

    عندما دشنت جامعة (Franklin) أداة إلكترونية لكي تسمح للطلبة، أن يعرفوا أيًّا من موادهم السابقة يمكن أن تتم معادلتها لهم، ازدادت نسبة التسجيل لديهم بمعدل (13%)، يعد رقمًا كبيرًا لعملية واحدة من العمليات الأساسية بالنسبة لجامعة٬ إمكانية نقل الساعات الدراسية يعتبر قضية رئيسية للطلبة الغير تقليديين. في المقابل؛ ما زالت هناك مدارس تنتهج  طلب كشف الدرجات عبر الفاكس، مع التأثير المعتاد للوقت المستهلك٬ (“يتم إنهاء طلبات ورقة كشف الدرجات الأصلية الرسمية خلال 10 أيام  من استلام المبلغ”).

عندما كان يسمح للطلبة الذين يخضعون لاختبار (ACT) التمهيدي للقبول في الكليات بإرسال (4) نسخ من نتائجهم بدلًا من (3)، كان الطلبة الفقراء يخضعون للاختبار الإضافي للتسجيل في الجامعات. رغم أن قبولهم غير مؤكد. غالبا ما ينتهي بهم الأمر في هذه الجامعات “الواسعة”٬ لأن تكلفة الاختبار الإضافي هي (6) دولارات، حيث كان يفترض على الطلبة التفكير بأن “الالتحاق بمدرسة جيدة على المدى البعيد أعلى من قيمة من (6) دولارات” بدلًا من هذا كانوا يفكرون: “لدي فقط ثلاثة اختبارات مجانية، لذا من الأفضل لي ألا أهدرها على جامعات ربما لا تقبلني”.

 

إذا قمت بتصنيف الدول بمعدل تسجيل الطلبة في الكليات لديها، ستحتل الولايات المتحدة المركز الأول. أما إذا قمت بتصنيف الدول بمعدل تخرج الطلبة من الكليات، فنحن لسنا في المراكز العشرة الأولى حتى. هذه الفجوة تجعلنا من أقل الدول المتقدمة في معدل التخرج٬ ليس لدينا أي مشاكل في القبول، بل في الإكمال. إدراك هذا الأمر يجعلنا نعيد التساؤل: لمن أنشئت الجامعات؟ تدار الكلية عن طريقنا نحن، الذين أبلينا حسنًا فيها، لذلك نحن نقلل من شأن الأذى الذي نقوم به تجاه الطلبة الذين تختلف حياتهم عن حياتنا. ذاك الأذى لم ينشأ من باب الخبث، ولكن من باب العادة.

بعض العوائق يمكن أن تكون مخوفة للذين هم بأمس الحاجة للكلية. والتخويف يعني عدم التسجيل، أو عدم التسجيل في مدارس جيدة، أو عدم الحصول على تعويض الساعات المدروسة. حتى فكرة خوض تجربة الدراسة كلها في مدرسة واحدة أصبحت غير شائعة٬ (60%)  فقط من طلبة البكالوريوس يتخرجون من نفس الجامعة التي بدؤوا فيها٬ (لو كان هذا المعدل منخفض فلأنني وإياك التحقنا بمدارس نسبة التخرج فيها أكبر من (90%). التفكير في كيفية عمل الكليات في الولايات المتحدة الآن طريقة أخرى خبرتنا تجعلها صعبة علينا.

 

لقد أصبحنا نعرف كيف ستكون الكليات في المستقبل، لأن الطلبة غير التقليديين هم من صنعوها الآن. إنها هجين ما بين حصص عبر الإنترنت، وحصص في القاعات الدراسية. وهي تركز على الطالب وليس المؤسسة. حيث يتم جمع الساعات الدراسية التي أخذها الطالب من عدة جامعات، وإضافتها في درجة جامعية واحدة، في فترات متناوبة ما بين الحضور والغياب.

 

سيظهر هذا الأمر جليًا للطلبة على المدى البعيد مع استراحات أكثر مقارنة بالوضع التقليدي للجامعات، سنتين وأربع سنوات كما تقترح الكلية. ليست هناك ولاية معينة في الاتحاد حيث يمكن القول أن قرابة النصف من الطلبة تقريبًا يتخرجون من كلية ذات نظام 4 سنوات في 4 سنوات٬ الأمر أسوأ لأولئك الذين يطمحون لدرجة الزمالة في تخصصهم٬ يتخرج أقل من الثلث من أي مؤسسة بشكل عام. لم يعد مصطلح سنتين وأربع سنوات محفزًا لغالبية الطلبة بعد الآن، بل إنه نظام غير مناسب لهذا الزمان.

نظرًا للوضع السيء بين الافتراضات المؤسسية والحياة الفعلية لمعظم الطلاب؛ يجب علينا أن نشيد بابتكاراتهم في استخدام الخيارات الرقمية، كأداة لجعل الجامعات تعمل لصالحهم٬ لكن علينا أن ندرك تواطؤنا في خلق نظام يعمل بشكل سيئ للغاية في المقام الأول٬ لم تعد الحصص عبر الإنترنت شيئًا مفاجئًا أو تجريبيًا أو نادرًا. بتبنّينا لهذا النهج؛ يخبرنا الطلبة كيف يريدون لمؤسساتنا أن تغدو.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *