تَحولات نيتشّه الثلاثة لحياةٍ بِمعنى

ترجمة بتصرّف لمقال: (Nietzsche’s three steps to a meaningful life, By Steven Gambardella)

الكاتب: ستيفن غامبارديلا
ترجمة: ربى الهاجري
تدقيق:ابتسام الحسن
مراجعة نهائية: ندى محمد

قصة الجمل والأسد والطفل. 

سيرافقك نيتشه في رحلتك للبحث عن معنى

كان فريدريك نيتشّه رجلاً يتّوغل اليأس أعماقَهُ.

في عام ١٨٨٢ م. عانى من أمراضٍ صحيّة، و مشاكلٍ بصحتهِ العقلية، و مُتلازمةِ اضطراب ما بعدُ الصدمة – نتيجةً لعملهِ مُنظم طبي في الحرب الفرنسية البروسية- (تلك التي أُصيب خلالها بالدفتيريا والزحار أيضًا)

 كانت القشّة التي قَصمت ظهر البعير عندما تخّلت عنه المرأة التي أحبّها بعمق و تقدم لخُطبتها مراتٍ عديدة . 

وهُو شابٌ موهوب بشكلٍ مُلفت ، درس للحصول على درجة الدكتوراه وهو  شابًا آنذاك ، ونالها بعمر لا يتجاوز الـ٢٤ عامًا.

في أواخر ستينيات القرن التاسع عشر ، بَرع الفيلسوف الناشئ وأصبح فارسٌ وجنديٌ ايضًّا. 

 كان مُتنبأ أن يُصبح قائدًا في الجيش البروسي، ولكن حادثُ ركوب الخيل ونظرهِ الضعيف (مما جعله أعمى تقريبًا) أنهيّا حياته العسكرية و ردتهُ إلى الأوساط الأكاديمية حيث تفوق مرةً أخرى.

فريدريك نيتشه

نيتشّه كاتب موهوب وأكاديمي عبقري، طوّر رؤية غير مألوفة لأكثر الأفكار المدفونة التي تُرسِّخ مُعتقداتنا، فقد أخذ مُحطماً المفاهيم الأخلاقية والفلسفية التي لا تزال حتى يومنا هذا مُسّلمات لا جِدال فيها. 

بـِ كتبٍ مثل “إنساني مفرط بإنسانيته”  و “تأملات غير مواتية”  و “العلم المرح” هُدم صرح الأخلاق والدين والمنطق وكُشف عن خُواءٍ في قلب الحضارة الحديثة. إلا أنه كان أبعد ما يكون عن العدمية، فالفيلسوف يؤمن بشدة بإمكانيات البشر. 

رَغِب بِكتابة كتاب خيّالي شَبِيه بالإنجيل 

 يكون بمنزلة دليل لمن يشاركهُ ازدراءهُ للقيّم التَقليدية والمُحّرمَات والقَداسة، وكان ذلك عام   ١٨٨٢، في أسوأ مرحلةٍ بحياته – مريض بدنيًا وعقليًا بشكلٍ يتَضاعف- ويَعيش شِبه عزلة في رابالو إيطاليا، بعد أن هجرتهُ حبيبتهُ لو سالومي، بدأ نيتشّه في كتابة أكثر الكتب إستثنائية في الفلسفة ” هكذا قال زرادشت“ 

يُعِد الكتاب رواية فلسفية تُدون نزول ناسكٍ حكيم – زرادشت – من سكنه في أعلى جبل إلى أرض خيالية حيث يوزع الحكمة في سلسلة حلقات ذات مواضيع مختلفة، يحمل اسم زرادشت كذلك مؤسس الديانة الفارسية القديمة الزرادشتية، الذي ابتدع الأخلاق الثنائية “الخير”  و “الشر”  اللتّانِ شَقّتا طريقهما للديانات الإبراهيمية وأصبحت اليوم من المُسّلمات. 

مع مضي الوقت انهارت القيم والعادات التي كانت تعتبر أبدية، و يؤمن نيتشه بأن معنى الحياة موجود في أنفسنا.Painting: Caspar David Friedrich ‘The Temple of Juno in Agrigento’).

نادى نيتشه بـ”إثبات الحياة”، وهو التساؤل الصادق والشُجاع لجميع المذاهب التي تقف عائقاً للناس ، بغض النظر عن مدى انتشارها.

ومن منطلق تلك المذاهب طور نيتشه مذهبه الخاص الذي يعتبرهُ مرجعًا لمن أراد أن يصبح 

“Übermensch” – “الإنسان الأعلى”- كما يُطلق عليه نيتشه، وهم أولئك الذين لديهم اليد العليا على مشاعرهم، وتسعدهم بساطة الوجود، والأهم يُبدعون.

زرادشت المتحدث الأنسب لنيتشه لأنه يؤمن بإمكانية تصحيح الخطأ الأعظم بالنسبة له (الأخلاق). 

“إستحدث زرادشت الخطأ الأكثر كارثية “الأخلاق”، وبالتالي وجب عليه أن يكون أول من يعترف به”

وهذا لا يعني أن نيتشه كان يفتقد الأخلاق ولكن  ضد الطريقة التي تمنع فيها الأخلاق الناس من التصرف بدافع الحب والإبداع، فهو ضد القواعد والقيّم المُتوارثة.

لنيتشه قيمهُ الخاصة، عارض بشدةٍ معاداة السامية والقومية بين زملائه الألمان في عصره (مزيجٌ كهذا سيصبح كارثيًا في القرن العشرين).

باعتقاده أن الهوس بمفاهيم هشة مثل “القومية” و”العرق” تمنع الفرد من وصوله لذاته العليا.

 وهذه نقطة شديدة الأهمية: لم يعتقد نيتشه أن العنصرية والقومية على سبيل المثال من الأخلاق “الشريرة” بل أمراض تداولتها الأجيال وسيتحرر منها من يبحث عن ذاتهِ العليا، فأخلاقياتهِ تتمحور حول منع الأفكار السيئة، وليس تصنيفها على أنها شريرة.

يتحدث نيتشه من خلال زرادشت في بداية الكتاب عن التحولات الثلاثة التي يجب على الفرد خوضها ليجد حرية حقيقية ووفرة من القوة الإبداعية، وهو يصف التحولات باستخدام الصور المجازية مثل الجمل والأسد والطفل. 

في المدينة التي زارها “البقرة المرقطة” صُدم زرادشت الحكيم بتجاهل الناس، وهذه إشارة فلسفية ذكية إلى ازدراء أفلاطون لحكم الأغلبية في الديمقراطية، “Motley Cow (البقرة المرقطة)” تعني في الأساس “حكم القطيع”. 

 شخصية زرادشت تزدري القطيع لأن هذا النوع من الحيوانات لا يريد الحِمل هم ببساطة يريدون مرعى آمنًا وفيرًا، وحياة هادئة، بلا مفاجآت، حياة تعد غنية نسبيًا (ولكن ليس كثيرًا). يبقى القطيع مع بعضه بعضًا ولا يُخاطر، جُل إعتمادهم على الراعي ليقودهم لما هو خير لهم.

 الجمل 

على عكس الأغلبية في القطيع، بعض الناس أقوياء ويشرعون برحلةٍ روحيةٍ لتحقيق الذات التي قد يُتِمونها أو لا يُتمونها، أول محطة لتلك الرحلة عندما نتمثل “الجمل”. 

الاستعارة غريبة إلا أنها منطقية للغاية، فالجمل حامل ويمثل الروح “القوية” التي بخلاف حيوان القطيع، سعيد لتحمل الأعباء. 

“هنالك الكثير للروح المكابدة القوية الممتلئة احتراماً ورهبة: فهي تتوق للثقيل، وللأثقل […] وهكذا تجثو على ركبتيها كالجمل وتطلب حملًا جيدًا”.

 الأقوياء روحيًا يريدون خوض أعمق الأشياء، ولكن هذه المهمة تتطلب حمل الكثير من الأمتعة. نريد أن نكون حاملين جيدًا، نريد أن نتحمل العبء الثقيل لأن روح الجمل تسعى إلى “البهجة” في قوتها، لكي “تسرع في الصحراء” مبجلة كل تلك الأعباء الثقيلة العظيمة والجيدة. 

نقرأ ونسافر ونتعلم ونكتشف، ويزداد الثقل فهناك الكثير من المعرفة، والكثير من العقول العظيمة التي ظهرت أمامنا والتي يمكن التمسك بها بتبجيل إننا نبتهج بقوتنا في تحمل أعبائهم. 

رحلة الجمل رحلة وحيدة. (Painting: Caspar David Friedrich, The Monk by the Sea, 1808–1810)

الجمل يحمل ما تلقي به الحياة عليه مهما كان صعبًا، ويجب عليه التغلب على الخوف ومواجهة الحقيقة، وتحمل الحب بلا مقابل وما إلى ذلك. 

ولكن الصحراء موحشة ولم تعد روح الجمل ترغب بحمل عبء الأفكار والمعرفة التي ليست لها، فالعالم الذي اكتشفه الجمل ليس له قيم أساسية أو عالمية، والحياة ليس لها معنى واحد.

 يطور الجمل الرغبة بألا يثقل نفسه، ويسيطر على مصيره بقوله “سأفعل”.

الأسد

 ولكن لِتُخفِف من الثُقل وتخلُق معانيك ومصيرك يجب أن تخضع لتحولٍ جديد.

 في الصحراء الخالية يحدث التحول الثاني: تحتاج الروح السيطرة على الصحراء لتحقق ذاتها، لتصبح سيدة الصحراء و تتولى الحرية. ولكي يتحقق ذلك يجب على الأسد كما يخبرنا نيتشّه أن يشتبك مع السيد الحالي. السيد الحالي تنين يدعى ” (ينبغي عليك!) thou shalt” وهذا التنين هو العائق الكبير أمام الحرية الحقيقية. 

“ينبغي عليك!” هو كل القوانين الأخلاقية والقيم المجتمعية التي ظهرت من قِبلنا تخبرنا من نحن وكيف يجب أن نتصرف. التنين مُغرٍ، يتألق بقشوره الذهبية وعلى كل قشرةٍ تتلألأ مقولة “ينبغي عليك!”.

 تمثل آلاف القشور آلاف السنين من “ينبغي عليك!” التي أتت قبلنا وقرون من القواعد التي تحكم تفكيرنا وتصرفاتنا فالتنين هو عدو سيادة النفس الحقيقة. 

يجب أن تنتصر روح الأسد على التنين، كتب على آلاف القشور اللامعة على التنين مقولة “ينبغي عليك!” بالذهبي فالتنين يمثل كل القيم السابقة.

عند مواجهة التنين يقول الأسد “سأفعل!” ولكن رد التنين هو أن جميع القيم تم وضعها من قبل و كلها تشكل قشوره الذهبية فيقول التنين “لن يكون هنالك المزيد من “سأفعل”. 

يجب على الأسد مجابهة التنين ليصبح سيد الصحراء وينال حريته، وبينما يواجه الأسد التنين، يزأر بما يسميه زرادشت “الرفض المقدس”، وهو رفض لكل القيم التي جاءت قبل الأسد. عندما نتحدث عن الأسد، يُعتقد أن نيتشه كان يكتب من منطلق تجربته، فالإنسان الأعلى بنظره شخص حقيقي يجب عليه بناء سيادته لنفسه وفقًا لشروطه الخاصة، فقد كان بلا جنسية (تخلى عن جنسيته في بروسيا)، وهو عاطل عن العمل وملحد وكان عليه محاربة معارضي توجهاته بالحياة بما في ذلك عائلته.

Caspar David Friedrich, Two Men Contemplating the Moon, 1825–30

الطفل

تملك الروح إرادتها الآن، فأولئك الذين تخلوا عن العالم ما قَبْلَهُم لديهم الآن القوة للانتصار. 

تخيّل حالة الفرد النقّي المُتحرر من قواعد وعادات وأعراف المجتمع، تخيل الشخص الذي يملك مصيره وينشئ قيمه الخاصة (التي لا يفرضها على أي شخص آخر) وهو في حالة من الإبداع واللهو الحر. 

ما الذي يَتجسد ذلك ويوجد أمامنا؟ بالطبع إنه الطفل. 

“الطفل هو البراءة والنسيان، وبداية جديدة، ولعب، ودولاب يدفع نفسه بنفسه، وحركة أولى، و نَعم مُقدسّة”. 

يرى نيتشّه بأن الروح الحرة تشبه الأطفال الذين يلعبون ويكتشفون العالم للمرة الأولى غير مثقلين بما كان قبلهم (ينسون). الطفل فُضولي ومُمتلئ بالعجائب إن القواعد والقيم لا تثقل الطفل، فالطفل يكتشف بنفسه المعنى في الأشياء. 

بعد نطق “الرفض المقدس” لرفض كل ما كان من قبل، يصرخ الطفل بـ”نَعم المقدسة” التي تثبت الحياة.

 نستطيع خلق قيمنا الخاصة، وتحمل المخاطر لإيجاد ما نريده من الحياة. ويخبرنا نيتشّه بأن نَعم المقدسة هي لعبة الإستحداث فتصبح الروح ذات إرادةٍ حرةٍ وتكسب عالمها الخاص. 

بعد كتابته لهذه ،يتحدث زرادشت ويقول ؛ ابتعد نيتشه عن أهله وأصدقائه وأدى الوزن الخانق للقيم الفيكتورية إلى تدهور صحتهِ العقلية.

على الرغم من صعوبة حياته إلا أنه استمر في كتابة المزيد من الكتب المتبصرة الاستثنائية التي تنبأت بصراعات الأفراد والأمم في القرن العشرين، وأصبح نيتشه عملاقًا فكريًا تنبأ عمله بعلم النفس والوجودية والبنيوية وما بعد الحداثة. 

نيتشّه في سنواته الأخيرة

في سنوات نيتشّه الأخيرة وبينما كان يتجول في شارع بتورينو، آلمه رؤية مُدرب يجلد حصانًا فشمّر وأحاط برقبة الحصان بِكلتا يديه لحمايته ثم سقط أرضًا. لم تتحسن حالة نيتشه من هاوية المرض العقلي منذ عمره الـ 44 عاما، و توفي في صيف عام ١٩٠٠ عن عمر يناهز ٥٥ عامًا بعد سكتتين دماغيتين والتهاب رِئة. 

. . .

نعلم جميعًا أن لدينا في ذواتنا نفسًا أعلى، وأن التحولات الرمزية لنيتشه هي مجرد دليل للمساعدة في تجاوز هذه العملية التي تأتي بالضرورة ملازمة للسعي من أجل الحرية الحقيقية وسيادة النفس الإبداعية. كَتب نيتشه في إنساني مفرط بإنسانيته: “إنهم يخشون من ذاتهم العليا لأنها عندما تتحدث فهي تأمر” يحثنا نيتشه لإيجاد الشجاعة للاستماع فإذا كانت لدينا الشجاعة لإيجاد الـ”لماذا” للعيش، فيمكننا تحمل أي “كيف”.

 شكرًا جزيلًا لقرائتكم . 

آمل أن تكون تعلمت شيئًا جديدًا . . . .

المصدر

تمت الترجمة بموافقة كاتب المقال

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *