لماذا نسوّف؟ التفسير العلمي للتأجيل.

ترجمة بتصرّف لمقال:(Why we wait: the neuroscience of procrastination By Anne-Laure Le Cunff)
مصدر الصورة:(Unsplash, @jasonstrull)

كتابة: Anne-Laure Le Cunff
المترجمة: ريم ريحان reemrayhan@
المدققة: أمينه عبدالرحمن Ameigner@
المراجعة النهائية: أسامة خان.

لقد أردت كتابة مقالٍ عن التسويف منذ فترة، لكن … حسنًا لقد أجّلت الموضوع، نسوّف عندما نؤجل أو نماطل في إنجاز مهامنا العالقة، التسويف أمر شائع جدًا فجميعنا يسوّف بين الحين والآخر.

يماطل بعض الناس خوفًا من ألّا يستطيعوا إتقان عملهم لذلك يتجنبون القيام به من الأساس، والبعض الآخر يستمتعون بالإثارة التي تأتي مع سباقهم لإتمام المهام في آخر لحظة.

التسويف مشكلة عالمية، مما يطرح السؤال التالي: ما الذي يفكر به دماغ العقل البشري عندما يدفعنا إلى تأجيل مهام مهمة جدًا؟ 

التسويف عبر التاريخ

لطالما كافح البشر مع التسويف، تعود المشكلة على الأقل لحقبة اليونان القدماء، في سؤال بروتاغوراس لسقراط عن كيف يمكن للمرء فعل أي شيء ما عدا أهم عمل عليه إنجازه؟

استخدم أرسطو كلمة أكراسيا (akrasia) والتي تعني “ضعف الإرادة” لوصف هذه الحالة من التصرفات المخالفة لمصلحة الفرد الأولى.

عندما نعلق في حفرة ضعف الإرادة (akrasia) نعلم أننا “يجب” أن نفعل شيئًا لكننا نماطل في فعله، واشتقت كلمة “المماطلة” بالإنجليزية procrastination من الكلمة اللاتينية “pro” والتي تعني “إرسال” و “crastinatus” والتي تعني “حتى اليوم التالي”.

التسويف يزيد صعوبة ووطأة إنهاء مهام معينة أو الالتزام بالمواعيد النهائية، فلماذا نعذّب أنفسنا؟

التفسير العلمي للتسويف

يعتقد الكثير من الناس أن التسويف ناتج عن الكسل أو قلة كفاءة الشخص نفسه، لكن في الواقع يوجد سبب علمي في تكويننا البشري يؤدي للتسويف، إذ أنّه أنه نتيجة معركة مستمرة في أدمغتنا بين الجهاز الحُوفِيّ وقشرة مقدمة الفص الجبهي.

يعد الجهاز الحُوفِيّ -الذي يُطلق عليه أيضًا دماغ الثدييات القديمة- أحد أقدم أجزاء الدماغ وأكثرها سيادة وهو مسؤول عن ردات أفعالنا، فالجهاز الحُوفِيّ هو المسؤول عن خاصية الهروب عند الخطر، وهو مرتبطٌ بإحكام بقشرة مقدمة الفص الجبهي.

تعد قشرة مقدمة الفص الجبهي حديثة وأقل تطورًا لذلك هي نوعًا ما أضعف جزء في الدماغ، وهي مسؤولة عن تخطيط السلوكيات المعقدة وتعبيرك عن شخصيتك واتخاذ قراراتك، كما وضّح الدكتور تيم بيشيل -أستاذ علم النفس ومؤلف كتاب «خلاصة التسويف: دليلك لحل معضلته»«إن قشرة الفص الجبهي هي جزء الدماغ الذي يميّز البشر عن الحيوانات الذين يتصرفون بناءً على غرائزهم فقط»، وأضاف: «نظرًا لأن الجهاز الحُوفِيّ أكثر سيادة فإنه غالبًا ما يفوز بالمعركة، مما يؤدي بنا إلى التسويف، فأدمغتنا تفضّل المتعة الحالية. وفي الواقع يمكنك اعتبار التسويف نتيجة معركة بين واقعك الآن وذاتك المستقبلية».

“لدينا عقل يفضّل المكافأة الفورية، التسويف هو تفضيل ذاتك الحالية للملذات المؤقتة، لذلك نحن نؤجل إنجازنا للأعمال حتى لو كانت عواقبها وخيمة”.

الدكتور تيم بيشيل، كاتب وطبيب نفسي.

والمشكلة هنا هي العواقب الوخيمة، يمكن أن يكون التسويف مدمّرًا ليس فقط مهنيّا ولكن أيضًا في حياتك الشخصية.

من المحتمل أنك سمعت شخصًا يقول «أعلم أنني أؤجل، لكن ذلك لأنني أنجز بكفاءة أفضل وأنا مضغوط» لكن من المرجح أنه مخدوع بكون أداءه أفضل تحت الضغط.

تتبعت دراسة أجراها الدكتور ديان تايس والدكتور روي باوميستر كفاءة الأداء ومدى التوتر ومستوى الصحة العامة لمجموعة من طلبة الجامعة على مدار الفصل الدراسي، أظهر المسوفون بداية مستويات توتر أقل، ولكن في نهاية الفصل الدراسي لم يكونوا أكثر توترًا فحسب؛ بل حصلوا أيضًا على درجات أقل، وهذا أكبر إثبات لخطأ عبارتهم «أداؤنا أفضل ونحن مضغوطين».

كيف تنجز لأجل ذاتك المستقبلية

في حين أنه من الرائع أن نفهم بشكل أفضل التفسير العلمي للتسويف -والتوقف عن جلد ذاتك- فإنه من الأفضل مساعدة قشرة مقدمة الفص الجبهي في كفاحها ضد نظامنا الحُوفِيّ الكسول.

ولدي خبر جيد: بفضل المرونة العصبية لأدمغتنا يمكننا التغلب على الرغبة بالتسويف، وسأضع لك خمس حِيَل بسيطة يمكنك البدء بتجربتها اليوم.

  1. ابدأ بالمهمة الأكثر سوءًا: سيؤدي تأجيل المهام المزعجة إلى استنزاف طاقتك الذهنية، في حين إنجازها وشطبها من قائمتك سيشعرك بالانتاجية.
  2. قسّم المهام: قسّم المهمة الكبيرة لمهام أصغر، والتزم بتنفيذ مهمة واحدة كل مرة وراقب كيف يتحسن شعورك وانجازك.
  3. جرب خدعة العشر دقائق: اضبط مؤقتًا والتزم بالعمل على المهمة لمدة عشر دقائق فقط، واعمل بجد قدر المستطاع خلال تلك الدقائق.
  4. العمل علنًا: استفد من قوة الضغط الإيجابي من خلال الالتزام علنًا بأهدافك، يمكن أن يكون الأمر بسيطًا مثل إخبار صديق أو نشر تغريدة.
  5. كافئ نفسك: اختر شيئًا يجعلك تطير من السعادة وكافئ جهازك الحُوفِيّ به، هذه هديتك لنفسك لقاء إنجازك -ولو قليلاً- في مهمة صغيرة من هدفك الذي أجّلته.

بيئتك مؤثرة للغاية في مدى إنجازك، اختر مكان عمل يساعدك على تقليل المشتتات، سواء كانت مادية أو رقمية، وهذا يتضمن إبقاء هاتفك بعيدًا عنك أثناء عملك وفتح المواقع الضرورية لعملك فقط وإيقاف الإشعارات على لابتوبك.

إذا كنت تعمل من المنزل اختر العمل على مكتب مرتب، إذا كنت تعمل من مكتب أو مساحة عمل مشتركة  ففكر في الاستثمار في شراء سماعات عزل الصوت، إذ أنها تمنع الازعاج وتوضح لزملائك أنك لا ترغب بأن يقاطعوك.

يمكنك أيضًا تطبيق مفهوم «الجهود الإضافية» بحيث تصبح المماطلة تتطلب منك بذل جهد بسيط، مثل الاضطرار إلى استخدام كمبيوتر محمول منفصل للألعاب، وبهذا يمنح التأخير الإضافي وقتًا كافيًا لقشرة مقدمة الفص الجبهي لتتدخل وتساعدك على الالتزام بالعمل.

إختبر بحثٌ من جامعة ستوكهولم استراتيجية المساعدة الذاتية هذه مع مجموعة من مئة وخمسين شخصًا مما أدى إلى انخفاض في معدلات المماطلة، وإذا كنت تعاني من التسويف المزمن فقد تكون هناك مشكلة أساسية أكبر يجب معالجتها، يقول الدكتور تيم بيشيل: «قد تحتاج إلى علاجٍ لفهم سبب تأجيلك بشكل أفضل وكيف أنك تختار المماطلة بدلًأ من مواجهة مسؤولياتك».

وبينما يتفق معظم العلماء على أنه يمكن التغلب على التسويف من خلال إعادة تدريب أنفسنا وشحذ قوتنا العقلية وتطبيق تقنيات المساعدة الذاتية فلا تضغط على نفسك كثيرًا إذا ماطلت أحيانًا، إذ أنّك تعلم الآن أنه طبعٌ متأصلٌ في تكوين أدمغتنا!

المصدر
تمت الترجمة بإذن من الكاتب
أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *