أنت في حاجة هؤلاء الأشخاص في حياتك ولكنك تتجاهلهم

ترجمة بتصرّف لمقال: (You Need These People In Your Life)

ترجمة: ريم الحارثي

تدقيق: سارة العنزي

مراجعة: أسامة خان

كانت الرحلة عصيبة، وكنت أشعر بالقلق والفزع مع كل دفع لمحركات الطائرة، حيث السفر جوًا يُعتبر أمرًا جديدًا بالنسبة لي. كنت مسافرا لحضور اتفاقية رسامي كاريكاتير الرأي في مينيسوتا، وكنت متحمسًا للجلوس مع رسامي كاريكاتير آخرين ولكن أدخلتني هذه الرحلة في حالة قلق شديدة.

كان هناك شخصا ينظر لي بهدوء، فأي شخص قد يفهم أني رجل أخاف من الطيران. 

سألني متبسمًا: ألا تسافر كثيرا؟

فأجبته بلا، فهذه ثالث رحلة لي وأني لا أحب المرتفعات وكما أني أكره المطبات الهوائية! وتمسكت بمساند المقعد بإحكام.

فقال لي: إن أردت، يمكنني مساعدتك قليلًا، أعطني يدك اليمنى.

فقلت: سعيد بأي تسلية. 

ثم بدأ يدلك راحة يدي بإبهاميه قائلا بأنه معالج تدليك متخصص في سحب الطاقة السلبية، فلتحاول أن تسترخي وتتنفس واستشعر خروج التوتر منك.

كوني إنسانا واقعيا، فكنت متشككا من أي شخص يدّعي بقدراته الغامضة لكن سايرته على أي حال. 

ثم انتقل الى تدليك أصابعي، وكلما وصل إلى أعلى الأصبع يتركها ثم يهز يده كما لو أنه يحرر الطاقة السلبية التي «سحبها» من كل إصبع. 

لقد كان الأمر مريحا على نحو غريب، وطلب يدي الأخرى كي يفعل نفس ما فعل بيدي اليمنى.

كان يقول لي أن الأشخاص يتحملون الضغوطات، ولا يعرفون كيفية التخلَص منها. عليك بتعلم التنفس جيدًا وتصفية ذهنك وتهدئة نفسك وتدع التوتر يخرج منك.

فقلت له متبسمًا: أعتقد أن التوتر سيختفي بمجرد هبوطنا.

فقال: كلا، لديك توتر آخر في يديك؛ بإمكاني الشعور به، فعليك أن تعمل على ذلك أيضًا. 

عندما قال ذلك، فكرت فيما مررت به وعملت عليه من علاقات وتحديات مرتبطة بالعمل. ذهلت مما فعله بي وكيف هدأ من روعي على أني ما زلت لا أصدق القدرات الغامضة.

 وعندما انتهى، تحدثنا قليلًا عن العمل والسفر حيث كانت الطائرة تستعد للهبوط قبل انتباهي لذلك، و شكرته على مساعدته لي. 

تقنّع قناع السعادة

في عصرنا الحالي، عصر الملهيات الرقمية فإننا نميل إلى التخفي خلف شاشات أجهزتنا المحمولة بدلًا من التحدث إلى الغرباء.

اذهب إلى أي مقهى وانظر حولك، سترى أغلب الناس ينتظرون في الطابور وهم مشغولين بهواتفهم، قد ترى البعض يشارك في حوارٍ ما ولكن الأغلب كالأصنام على أجهزتهم.

يتجنب الأشخاص المحادثات مع الغرباء سواء في مقهى ما أو المواصلات العامة. 

ويخشى كثيرون من قول شيءٍ محرجٍ أو القلق من التحدث مطولًا مع الآخرين، بينما في الواقع هناك منافع عدة لتبادل أطراف الحديث مع غريب ما.

غالبا ما نختصر الحديث مع أحباءنا أو أصدقائنا والتي تميل للسطحية. ولكن التحدث مع الغريب مختلف حيث أننا نُظهر أفضل ما لدينا، وكما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز: 

«الجميل في الموضوع أننا نرتدي قناع السعادة عندما نتحدث مع الغرباء ونتحفظ على جانبنا الغريب للأشخاص الذين نعرفهم ونحبهم. فهناك واحدة؛ ألا وهي لِيز خرّيجة جامعة، لاحظت أن صديقها بينجامين حاد الطباع معها ولكن يتغير سريعا في حال أُجبر على التفاعل مع غريب أو قريب ما، وغالبا سلوكه المستحب يغلب مزاجه السيء….» 

من الممكن أن الحديث مع الغرباء يغير آفاقا، حيث تعد مقابلتهم وسيلة رائعة لتوسيع الآفاق وتبديد بعض التحيز، وأفضل ما فيه أنه يعزز المزاج. 

أخلاقيات الغرباء

لقد زاد أملي وسعادتي عند التحدث مع الغرباء، واكتشفت أن الأشخاص ليسوا مختلفين عن بعضهم البعض.

«تعتمد حياتنا كثيرا على أخلاقيات الغرباء وكما أن الأغلبية دائما ما يكونوا غرباء لأشخاص آخرين»

– بيل مويرز

دائمًا ما أجد موضوعا كي أتحدث مع المحاسب عند زيارتي للمتجر، لأنّ حتى المحادثات البسيطة تشعرنا بالارتياح قليلًا

أقدم قائلًا: يبدو أنكم مشغولون كثيرًا اليوم.

فيرد: فعلًا، هذا ما يحدث قبل الإجازة الأسبوعية.

فأقول: ولكنها تجعل المناوبة تنتهي بسرعة. 

وهذا ما يحصل بالفعل، مجيبًا بابتسامة.

فسأقول حينها: حسنًا، شكرا جزيلا، أراك في المرة القادمة. 

بعدها وجدت أنُه سيتذكر كلًا منا الآخر في الزيارات القادمة وغالبا سنبدأ بالتحدث مباشرة حيث هناك معرفة وصداقة مما يعزز مزاجنا.

حدثتني زوجتي مرة عن شيئًا يدعى علاج «جري هاون» وشرحته لي عندما نظرتُ إليها نظرات التساؤل.

«عندما تكون في حافلة ما ثم تبدأ محادثة مع شخص لا تعرفه أبدًا، فسرعان ما تجد نفسك تشاركه أفكارا ومشاعرا ربما لم تشاركها مع أصدقائك المقربين قط» 

الجميل في الغرباء أنهم لا يعرفوننا، فنكون أحرارا من التظاهر والانخراط في الحديث على نحو صادق ومباشر. إنه من السهل أحيانا أن تتحدث مع الغريب الذي لا تربطه علاقة بك بشفافية وتكون آراءه أكثر شفافية. 

«يشعر المرء أحيانا بحرية التحدث مع الغريب أكثر من الذين يعرفهم».

ولمَ ذلك؟ 

غالبًا ما ينظر لنا الغريب على ما نحن عليه، وليس متمنيًا أن نكون ما يعتقده. كارلوس رويز زافون – كتاب ظل الريح 

عندما نعبر عن أنفسنا بمجاملات بسيطة مع الغرباء مثل «أهلًا» أو «كيف الحال؟» فنحن لا نبحث عن الإجابة؛ بل المغزى من التحية هو اختبار حضورهم وإنسانيتهم، فيُنبئ عن حسن النية والسلام والمشاركة. 

مقاطعات جميلة 

ترعرعنا على أن نكون حذرين بل خائفين من الغرباء، بينما في الحقيقة لا يمكننا معرفة نية كل غريب، فليس كل الذين نقابلهم يريدون إيذائنا. 

تكمن الخدعة في قراءة سلوك الآخرين أكثر من التصنيفات الموجودة في رؤوسنا، فنستخدم هذه التصنيفات لتبسيط كيفية تصورنا للعالم. فرجل بزيّ رسمي هو «شرطي» ورجل طاعن في السن تملؤه التجاعيد حاملًا عصا للمشي فهو «رجل عجوز».

تعد هذه التصنيفات مشكلة حيث أنها تكون مجالًا للتحيَز، لكن دون التحدث معهم لا يمكننا معرفتهم حق المعرفة، لذا قد ننحرم من الحكمة أو معرفة شخصية فريدة. 

قد يكون هذا الشرطي محبًا لموسيقى الجاز مثلك تمامًا. وقد يملك ذلك العجوز ذو العصا نصائح لك عن كيفية التعامل مع الوِحدة أو خسارة الشريك.

لقد قدم المؤلف حديثا مفيدا في تيد (TED) بعنوان كيفية التحدث إلى الغرباء، فيقول:

«عند تحدثك مع غريب ما، فأنت تصنع قصص غير متوقعة تجمِّل حياتك اليومية وحياتهم»

عالمٌ جديدٌ

كان ابني في صغره يقود الدراجة عائدًا من مدرسته، وفجأة فقد السيطرة عليها و سقط.

عندما كان ممددًا على قارعة الطريق، أتى بعض الغرباء يهرعون لمساعدته، فساعدوه وسألوه إن كان بخير، وتحققوا مما إذا كانت دراجته قد تعرضت للتلف. ولحسن الحظ، كبرياء ابني فقط الذي أصيب.

أتذكر ما شعرت به عندما أخبرني عن الحادثة، شعرت بالفخر من مجتمعي والأشخاص الطيبين الذين ساعدوا ابني.

كوني ضابط شرطة، غالبًا ما أساعد ضحايا الحوادث، فكنت دائمًا ما أرى الامتنان بأعينهم والارتياح بأن هناك من يهتم بهم وهم في شدّة خوفهم أو عدم قدرتهم على الكلام. مساعدة الغرباء لبعضهم هو شعور يجدد الأمل. 

نحن بحاجة للغرباء في حياتنا أكثر مما نعتقد، ولكننا نتجاهلهم. الخوف من الجريمة أو الإحراج أو المجهول يجعلنا نتجنب التواصل البصري معهم، فنحاول إلهاء أنفسنا بهواتفنا.

ماذا لو أجبرنا أنفسنا قليلا على التفاعل مع الغرباء؟ ماذا لو بدأنا بعض المحادثات الودية؟ في السوق أو المقهى أو محطة الحافلة؟ 

عندما تفعل ذلك قد يفتح لك عالما جديدًا بالكامل، فكل شخص تقابله يحمل تاريخًا من حياته وخبراته. أنت لا تعرف تماما مالذي ستتعلمه أو كيف ستلهم قصتك أحدهم.

يُشير البحث إلى أن التفاعل مع الغرباء يحسن مزاجك و يومك، لذا في المرة القادمة تحدث مع شخص لا تعرفه في السوق أو طابور الانتظار في ستاربكس، ستتفاجأ بما ستشعر به من سرور و رضا. 

قبل ذهــــــابك 

أنا جون ويس، أرسم رسومًا متحركة ومناظر طبيعية وأكتب عن الحياة. شكرا لمروركم! 

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *