الاِلتزامات الخيالية للعادات الصباحية

ترجمة بتصرّف لمقال: (The False Promise of Morning Routines)

لماذا تبدو صباحات الجميع مثمرة أكثر من صباحك

الترجمة: أسماء عبدالقادر@somaabdulkader

التدقيق والمراجعة: رزان العيسى @raleesa

صباحي هو أكثر جزء يتسم بالفوضى في يومي كله، فبدلًا من النهوض بنشاط وحيوية، اضغط المنبه على زر الغفوة وأختفي تحت لحافي. بينما يتسلل إلى مسامعي من خلف النافذة صوت الحافلة وهي تستعد للوقوف، يبقى عقلي مشغولًا بالتفكير بأحداث الليلة السابقة، اِلتزاماتي وجدول مهامي. يعود المنبه إلى الرنين مرة أخرى، وأعيده إلى حالة الغفوة مرتين، وحين انهض من على السرير أخيرًا أكون قد أقحمت نفسي في حالة من القلق.

لا يعاني الآخرين من هذه المشكلة، لأن نوع العادات هذه أصبح منتشرًا في كل مكان فلدينا سلسلة مقالات (قطعًا) (كيف أنجز أموري)، وفي النيويورك تايمز (صباح الأحد)، وفي تحديثات التقارير الإخبارية من (السي إن إن) إلى مجلة (فوج)، وفي وُسوم الإنستجرام متبوعة بصورة قهوة برغوتها ونباتات كخلفية. معظم تلك المقالات للعادات الصباحية هي للمشاهير وغيرهم من الأشخاص المعروفين بنجاحهم. في السادسة صباحًا، يلعب ريتشارد برانسون مباراة شاقة للتنس، وترقص إليزابيث جيلبرت وتُعد الشاي الهندي في المنزل.

تعتبر قصص العادات الصباحية موجة جديدة في مجال الإعتماد على الذات. لو أخذنا نظرة سريعة على حياة الناس الخاصة فسنكتشف أن للأثرياء والمشاهير طاقة فوق طاقة البشر. فهم يتأملون ويركضون لعدة أميال، يعدون شاهي الماتشا ويمارسون اليوجا، كل ذلك قبل الساعة الثامنة. بعضهم يغوصون بين رسائل الإيميل وآخرون يغلقون هواتفهم أثناء الإفطار. لكن الجوهر هو نفسه: أن العادات الصباحية المصممة بدقة هي المفتاح ليوم منتج. يتفق هؤلاء الأشخاص على نفس هذه الرؤية، قصصهم تدل على ذلك، ويمكنك أن تكون مثلهم، إذا تمكنت من الاستيقاظ فى الخامسة والنصف صباحًا!

قرأت هذه التجارب بنَهَم كأيّ شخص يواجه تحديًا في الصباح، تبنيت عادات الآخرين الصباحية بحثًا عن نصائح من شأنها أن تلهمني فيتحسن مستوى معيشتي لأطور نفسي أكثر وتزيد كفاءتي وتتحسن صحتي. لكن بدلًا من ذلك ينتهي الأمر بشعور فظيع، وأتسائل بداخلي لماذا تعظم هذه الثقافة التي وجدت لأشخاص معينين.

على الرغم من تباين الأبحاث حول أفضل وأنسب أوقات وظروف الإنجاز، إلا أن ساعات الصباح الأولى ترتبط بالبركة والصحة أكثر، غالبًا مايرجع سبب ذلك إلى كلمات السيد بنيامين فرانكلين: «النوم مبكرًا والاستيقاظ مبكرا يجعل الشخص سليمًا وغنيًا ومفكرًا». وهذه الفكرة ظهرت في أشكال مختلفة في الأدب منذ القرن الخامس عشر. كانت نصيحة موفقة للمجتمعات التي تشكلت إبان الثورة الصناعية، التي قامت بتوحيد أسابيع العمل وأملت على كثير من الناس متى يستيقظون ويذهبون إلى أعمالهم. على الرغم من أن وضع الاقتصاد الحالي قسّم المواعيد بطرق جديدة إلا أن تلك النصيحة مازالت بصمتها حاضرة في أذهان العديد من الأشخاص.

نظريًا، يمكنك قضاء الأوقات التي تسبق بدء الدوام في أعمال أخرى، خاصة وأن التقنية قد طمست الحدود بين حياتنا على الشبكة وخارجها. لكن العمال المعاصرين ترجموا الفلسفة القديمة إلى فكرة أن الصباح هو وقتهم الخاص الذي عليهم حمايته من أيام عملهم المزدحمة. تقول لورا فاندركام مؤلفة كتاب «ما يفعله الناجحون قبل إفطارهم» وغيرها من الكتب حول إدارة الوقت والاِنتاجية: بالنسبة للعديد من الناس هذا هو الوقت الذي يقضونه لأنفسهم قبل أن يضيعوا بين مطالب الآخرين. بعبارة أخرى الصباح الباكر هو وقتك الخاص قبل أن يراسلك مديرك أو يحتاج صغارك لإفطارهم.

أحد أبرز المتمسكين بهذه الفلسفة مارك ويلبرغ، ممثل وأب لأربعة أطفال، الذي كانت عاداته الصباحية في العام الماضي خارقة بعض الشيء. على صفحته في الانستغرام: زعم أنه يستيقظ في الثانية والنصف صباحًا، يتناول إفطاره في الثالثة والربع، ثم يقوم بتمارينه لبضع ساعات بما في ذلك لعبة الغولف في السابعة، وبحلول التاسعة والنصف يكون بداخل غرفة العلاج بالتبريد، واضعًا الثلج على عضلاته. على الرغم من أن توقيت مكانه متخلفًا عني بثلاث ساعات إلا أنه صلّى وتعرق واستحم قبل أن استيقظ.

معظم العادات الصباحية تكون أقل شدة من روتين السيد ويلبرغ، لكن قد يكون أدائها أعلى.

يفضل جاك دورسي، الرئيس التنفيذي لشركة تويتر، حمامات الثلج صباحًا. تستيقظ مارلا بيك (المؤسس المشارك في متاجر التجزئة لمستحضرات التجميل بلومير كيري) في السادسة صباحًا كل يوم وتمشي مسافة أربع أميال. يشرب تايلر هاني (المدير التنفيذي لماركة ملابس أوت دور فويسيس) كوبًا باردًا من ماء الليمون ويقوم بـ 30 تمرين تنفس استرخائي. تشعرك هذه القصص بالبهجة وبالإنتعاش. الاِنضباط موجود، ولكن يتبعه برنامج حيوي يجعل الأمر يستحق العناء. الروتين الصباحي المثالي قد يكون طاحن، على الأقل هذا ما نراه من القصص، لكن يمكن لأي شخص القفز من السرير والقيام به إن حاول ذلك فقط.

قضى بنيامين سبيل ومايكل اكزاندر أكثر من ست سنوات في إجراء مقابلات مع مئات الأشخاص من أجل كتابهم (عاداتي الصباحية: كيف يبدأ الأشخاص الناجحين أيامًا ملهمة) وللنشرة الإخبارية الأسبوعية بالإيميل التي تحمل نفس الاسم. تراوح مدى المقابلات من الكاتبة أريانا هافينجتون إلى معلمي المدارس الإبتدائية. يقول السيد سبيل: رأيت بأن الناس أصبحوا يهتمون بأنفسهم أكثر. فبعدما كان احتساء القهوة ثم الركض نحو العمل أمرًا فاتنًا، أصبح التمتع بالهدوء ووضع قناع مرطب على الوجه هو الأكثر جذبًا.

في جوهر الأمر، يتعامل الناس مع العادات الصباحية كطقوس مقدسة يجب حمايتها من ضغوط وأحداث باقي اليوم. كلمة «عادات صباحية» كعنوان قد لا تعبر عن الروحانية التي توفرها طرق الاهتمام بالنفس. تقول دافني جافيتش المدرِّبة في مجال التغذية ونمط الحياة من خلال شركتها (دوونج ويل): الروتين غير جذاب، فهو لايعطي إيحاء أنك تعيش أفضل أيام حياتك، بل يبدو وكأنه شيء لا فائدة مرجوة منه. عندما أفكر في كلمة طقوس أتخيل نفسي ذاهبة إلى مدينة (سانتا مونيكا) وأقوم بتسخين بعض حليب الماعز من عنزتي المفضلة في فنائي.

سواء كان شُربَ حليب ماعز أو غيره، يمكن أن يبدو التوجه نحو الطقوس الصباحية للعناية بالنفس مجرد محاولة لطيفة لتحقيق التوازن بين العمل والحياة الخاصة. من المنطقي أن تستيقظ مبكرًا بنصف ساعة من أجل ممارسة رياضتك التي تستمتع بها مثل اليوجا. لكن يبدو أن هناك شعور غير مريح يجتاحك حين تكون مجبرًا على الاستيقاظ مبكرًا بنصف ساعة لتحسين حالتك الصحية، حتى تتمكن من العمل 60 ساعة في الأسبوع وإعداد العشاء وإنجاز مهامك وقضاء بعض الوقت مع عائلتك. في الثقافة المهووسة بالتحسين الذاتي، كتبت الكساندرا شوارتز في مجلة (ذا نيويوركر) العام الماضي «تتملكنا الحاجة إلى ترقية كل شيء فينا دفعة واحدة، بما في ذلك الأجزاء التي لم نعلم مسبقًا أنها بحاجة إلى تحسين».

في كل إصدار من رسائل سبيل واكساندر الإخبارية روابط في أسفل الصفحة بمنتجات مثل آلات تحضير القهوة الباردة والعصائر والوسائد. توحي لك هذه الإعلانات أن العادات الصباحية ستصبح أكثر كفاءة وأقل مللًا مع بعض مشتريات أمازون. يرد سبيل: آمل أن لا تكون هذه هي الرسالة التي نقوم بإيصالها، كان لدينا راعٍ إعلاني أسبوعيًا لنحصل على دخل مادي. تأثر الناس بهذه الإعلانات، ففي العام الماضي اشتريت أنا وصديقي ساعة باهظة الثمن موصى بها في موقع تقييم المنتجات (واير كيوتر) والتي صممت لمحاكاة شروق الشمس بشكل بطيء ولطيف، ولكنها أفادت فقط واحدًا منا.

فكرة أننا نحن الذين لا نضاهي المشاهير في عاداتهم الخارقة أن نتعلم بعضًا من عاداتهم المثالية تُقلق غوردن فليت، باحث في جامعة يورك في كندا ويدرس (الظهور المثالي) الذي يعنى بدراسة ميل الناس إلى تقديم صورة مثالية لأنفسهم خصوصًا على مواقع التواصل والطريقة التي يتفاعل بها الآخرون معهم تجعلهم يصفون صباحهم بمثالية بعيدة عن الواقع. تذكرون حين أخبرتكم أني أترك المنبه على وضع الغفوة مرتين ، حسنًا لقد كذبت عادة ما يصل لثلاث أو أربع مرات.

بهذه الطريقة، هذه الحسابات الممتعة عن الروتين الصباحي تسبب ضغطًا لبعض الأشخاص وتؤثر على صحتهم. يقول فليت بهذا الشأن: أشعر بالقلق إزاء الأشخاص الذين يرون حياة الآخرين ويظنون أن عليهم فعل المثل، ولا يأخذون في اعتبارهم بعض القيود والحقائق التي سيتعين عليهم التعامل معها حين تطبيقه. ويُكمل: يجلس الناس مفكرين بالأمر: أنا بحاجة لأكون مثاليًا، هناك أشخاص قاموا بذلك، في حين أنني لم أقم به، أستطيع تحقيقه، لكني لست بمستواهم. ومن ثم ينغلقون ويبدأون في نقد أنفسهم.

أن تكون منتجًا في الصباح ليس مجرد مسألة قوة وتصميم، على الرغم من أن الجميع لديه نفس عدد الساعات في اليوم، إلا أنه ليس كل شخص لديه ثروة لتوفير ساعة يقضيها على جهاز الجري من خلال تفويض مهامه الأساسية إلى المساعدين الشخصيين والمربيات والطهاة. ولا يستفيد الجميع من جعل عاداتهم الصباحية المقدسة جزء من صورتهم العامة. تقول فاندر كام: الاستيقاظ في الثالثة والنصف للقيام بماراثون وشرب عصير أخضر وجلسة تأمل لمدة ساعة، هو روتين لن نتمكن من تطبيقه أبدًا نحن الذين لدينا حياة وظروفًا خاصة وهذا يشمل الأطفال والاِلتزامات الأخرى!

حتى بالنسبة للأشخاص الذين هم في وضع يسمح لهم بتحسين حياتهم بشكل جيد، مازال لدى البشر اختلافات بيولوجية التي تجعل بعضنًا كسولًا صباحًا ونشيطًا مساءً. البقاء يقظًا لوقت متأخر قد يكون مفضلًا لدى البعض، لكن العمل إلى مابعد منتصف الليل مرتبط بكونك في الصفوف الخلفية لا الأمامية.

يقول بوب بوزن، أحد كبار المحاضرين في معهد (ماساتشوستس) للتكنولوجيا ومؤلف كتاب (الاِنتاجية القصوى): أحد الطرق الثابتة لعدم الالتزام بالعادات الصباحية هي محاولة تجربة ما لا تهتم به فعلًا، زِد الاِنتاج وقلل ساعات التفكير فيه، أنا لا أهتم حقًا بما سأتناوله في الإفطار، لذلك لا أريد قضاء وقتٍ كثير للتفكير في تناول الفطائر المحلاة أم العجة؟ أو شيء من هذا القبيل. آكلُ نفس الإفطار كل يوم، حبوب الفطور وموزة وحليب خالِ الدسم. الأشياء غير المهمة لك يمكنها أن تصير عادةً، هذه آليّة جيدة لتصبح أكثر انتاجية.

وفقًا لمنطق بُوزن، يمكنني ترتيب صباحي المبعثر وتحديد أجزائه التي بإمكاني تبسيطها، بدلًا من محاكاة العادات الصباحية لشخص آخر مهما بدت لطيفة، بالإضافة إلى أن هناك أجزاء أخرى من اليوم يمكننا أن نحول الضغط إليها. قبل عام، أطلقت مجلة دومينو (الاِسترخاء) وهي سلسلة من المقابلات مع ناجحين حول عاداتهم المسائية.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *