حقيقة ما حدث للطائرة الماليزية المفقودة

ترجمة بتصرّف لمقال: (What Really Happened to Malaysia’s Missing Airplane)

كتبَ القصة: وليام لانجويش

ترجمة: ياسمين كوكش

تدقيق: درة سعد @Dorrah235

مراجعة: أسامة خان

١. الاختفاء

في الساعة ١٢:٤٢ ليلة الثامن من آذار ٢٠١٤ الهادئة والمُقمرة، أقلعت طائرة بوينج ٧٧٧-٢٠٠ER التي تديرها الخطوط الجوية الماليزية من كوالالمبور متجهة نحو بكين، وحلّقت إلى ارتفاعها المقدر بـ ٣٥٠٠٠ قدم. تُعرف شركة الخطوط الجوية الماليزية اختصارًا بـMH. كان رقم الرحلة ٣٧٠. وكان يقود الطائرة الضابط الأول الفريق حميد، في الـ ٢٧ من العمر. كانت هذه إحدى رحلاته التدريبية، كما أنها الأخيرة. كان مدربه هو قائد الرحلة، ويدعى زهاري أحمد شاه، الذي كان في سن ٥٣ عامًا، وهو من كبار القادة في الخطوط الجوية الماليزية. في الثقافة الماليزية، كان معروفًا باسمه الأول زهاري، وهو متزوج ولديه ثلاثة أولاد بالغين. عاش في حي سكنيّ مُسوّر، ويملك منزلين. في منزله الأول، قام بتثبيت محاكي طيران متقن من Microsoft. وقد طيّره مرارًا، وغالبًا ما كان يكتب في منتديات الانترنت حول هوايته. في قمرة القيادة، كان من المفترض أن يكون الفريق حميد مقدرًا لرغبات زهاري، لكن زهاري لم يُعرف عنه أنه كان مُستبدًا.

في المقصورة كانت هناك عشر مضيفات وجميعهن ماليزيات. وكنّ يرعين ٢٢٧ مسافرًا، من بينهم خمسة أطفال. كان معظم الركاب صينيين، أما البقية فقد كان من بينهم ٣٨ ماليزيين، وأيضًا ركاب آخرين بأعداد أقل من إندونيسيا وأستراليا والهند وفرنسا والولايات المتحدة وإيران وأوكرانيا وكندا ونيوزيلندا وهولندا وروسيا وتايوان. في قمرة القيادة في تلك الليلة، بينما كان الضابط الأول الفريق حميد يُحلّق بالطائرة، اهتمّ الكابتن زهاري بأجهزة الراديو – اللاسلكي (الاتصالات). كان التدابير المُتخذة اعتيادية، أما إرسالات زهاري كانت غير اعتيادية بعض الشيء. في الساعة ١:٠١ صباحًا، أبلَغ عن طريق اللاسلكي أن الطائرة قد استقرت على ارتفاع ٣٥٠٠٠ قدم، وهو تقرير لا لزوم له في المجال الجوي الخاضع للمراقبة بالرادار، حيث يتمثل المعيار في الإبلاغ عن تغيير ارتفاع، وليس الوصول إلى ارتفاع. عند الساعة ١:٠٨ عبرت الرحلة الساحل الماليزي وانطلقت عبر بحر الصين الجنوبي باتجاه الفيتنام. وأفاد زهاري مرة أخرى أن الطائرة على ارتفاع ٣٥٠٠٠ قدم.

بعد مرور ١١ دقيقة، وحالمًا اقتربت الطائرة من بداية المجال الجوي لحركة الطيران الفيتنامية، أعلن المراقب في مركز كوالالمبور قائلًا: «الماليزية ثلاثة سبعة صفر، اتصلت بـ «هو تشي مِن» واحد اثنان صفر فاصِلة تسعة. ليلة سعيدة». وأجاب زهاري: «ليلة سعيدة، الماليزية ثلاثة سبعة صفر». لم يقرأ التردد مرة أخرى، كما ينبغي، ولكن بخلاف ذلك بدا الإرسال عاديًا. كان ذلك آخر ما سمعه العالم من الطائرة MH٣٧٠. ولم يرد الطياريَن على «هو تشي مِن»، ولم يجيبا على أي محاولة من محاولاته اللاحقة لإثارة انتباههم.

يعتمد الرادار الأساسي على التنبيهات البسيطة والبعيدة التي تُنبئ عن وجود أجسام في السماء. تستخدم أنظمة التحكم في الحركة الجوية ما يُعرف بالرادار الثانوي الذي يعتمد على إشارة جهاز الإرسال والاستقبال التي ترسلها كل طائرة، وتحتوي على معلومات أكثر مما يقدمه الرادار الأساسي؛ مثل هوية الطائرة ومقدار ارتفاعها. بعد خمس ثوانٍ من عبور الطائرة طائرة الرحلة ٣٧٠ إلى المجال الجوي الفيتنامي، اختفى الرمز الذي يمثل جهاز الإرسال والاستقبال من شاشات مراقبة الحركة الجوية الماليزية، وبعد ٣٧ ثانية اختفت الطائرة بأكملها من الرادار الثانوي. كانت الساعة ١:٢١ صباحًا، أي بعد ٣٩ دقيقة من الإقلاع. كان المراقب في كوالالمبور مُنشغلًا بحركة مرور أخرى في مكان آخر على شاشته، ولذا لم يلاحظها. وعندما لاحظها أخيرًا، افترض أن الطائرة كانت تحت انتباه «هو تشي من» في مكان ما خارج نطاقه.

وفي الوقت نفسه رأى المراقبون الفيتناميون طائرة الرحلة ٣٧٠ تعبر مجالهم الجوي ثم تختفي عن الرادار. ويبدو أنهم أساءوا فهم الاتفاق الرسمي الذي كان من المفترض بموجبه أن يبلغ «هو تشي من» كوالالمبور على الفور إذا تأخرت الطائرة المستلمة أكثر من خمس دقائق في تسجيل دخولها. حاولوا مرارًا الإتصال بالطائرة، ولكن دون جدوى. وعندما أمسكوا بالهاتف لإبلاغ كوالالمبور، كانت قد مرت ١٨ دقيقة منذ اختفاء طائرة الرحلة ٣٧٠ عن الرادار. وما أعقب ذلك كان تدريبًا على الارتباك وانعدام الكفاءة. كان من المفترض تنبيه مركز تنسيق الإنقاذ الجوي في كوالالمبور في غضون ساعة من الاختفاء. ولم يحدث ذلك حتى بحلول الساعة ٢:٣٠ صباحًا. انقضت أربع ساعات اخرى قبل بدء الاستجابة للطوارئ في النهاية عند الساعة ٦:٣٢ صباحًا.

الغموض المحيط بالطائرة الماليزية ٣٧٠ محط اهتمام التحقيق المستمر، ومصدرًا لتكهنات العامة المحمومة أحيانًا.

في تلك اللحظة، كان من المفترض أن تهبط الطائرة في بكين. تركز البحث عنها في البداية في بحر الصين الجنوبي، بين ماليزيا وفيتنام. لقد كان جهدًا دوليًا تشترك فيه ٣٤ سفينة و٢٨ طائرة من سبع دول مختلفة. لكن طائرة الرحلة ٣٧٠ لم تكن بأي مكان هناك. في غضون أيام، كشفت سجلات الرادار الأولية التي وجدت في أجهزة الكمبيوتر المُتحكمة بالحركة الجوية، والمدعومة جزئيًا ببيانات القوات الجوية الماليزية السرية، كشفت أنه بمجرد اختفاء طائرة الرحلة ٣٧٠ من الرادار الثانوي، تحولت بحدة إلى الجنوب الغربي، وعادت إلى الوراء عبر شبه جزيرة الملايو، ودارت حول جزيرة بينانغ. من هناك، حلقت شمال غرب مضيق ملقا وعبر بحر أندامان، حيث تلاشت خارج نطاق الرادار إلى المجهول. استغرق هذا الجزء من الرحلة أكثر من ساعة لإتمامه، وأُشير إلى أن هذه لم تكن حالة اختطاف عادية، ولم يكن الأمر أشبه بحادثٍ أو فرضية طيار انتحاري التي شهدها الجميع. منذ البداية، كان الرحلة ٣٧٠ تقود الباحثين إلى أماكن مجهولة.

وكان الغموض المحيط بالطائرة الماليزية ٣٧٠ محط اهتمام التحقيق المستمر ومصدرًا لتكهنات العامة المحمومة أحيانًا. دمرت الخسارةُ العائلات في أربع قارات. تبدو فكرة أن تلك الآلة المتطورة، بأدواتها الحديثة واتصالاتها المُتطورة يمكن أن تتلاشى ببساطة خارج نطاق الاحتمالات. حذف البريد الإلكتروني نهائيًا أمر صعب، والعيش في البريّة شيء لا يمكن تحقيقه حتى لو كانت المحاولة جادّة. من المفترض أن تكون طائرة بوينغ ٧٧٧ متاحة إلكترونيًا في جميع الأوقات. أوجد اختفاء الطائرة عددًا من النظريات. والكثير منها منافٍ للعقل. وكل هذا أنعش حقيقةً مفادها أن الطائرات التجارية في هذا العصر لا تختفي هكذا.

لكن هذه الطائرة اختفت، وبعد أكثر من خمس سنوات لا يزال مكان وجودها مجهولًا. ورغم ذلك، فإن قدرًا كبيرًا من الحديث عن اختفاء الطائرة ٣٧٠ الماليزية المفقودة أصبح الآن أكثر وضوحًا، ومن الممكن أن نُعيد سرد جزء كبير مما حدث في تلك الليلة. قد لا نستطيع استرداد مسجل الصوت في قمرة القيادة ومسجل بيانات الرحلة، ولكن الذي ما نحتاج إلى معرفته مصدره ليس من الصناديق السوداء، بل من ماليزيا.

٢. مستكشفو السواحل

ليلة اختفاء الطائرة، كان رجل أمريكي في منتصف العمر يدعى بلين جيبسون جالسًا في منزل والدته الراحلة في كارميل، كاليفورنيا، ويقوم بتصفية أمورها استعدادًا لبيع المنزل. ثم سمع خبر طائرة الرحلة ٣٧٠ على CNN.

إنّ جيبسون، الذي التقيت به مؤخرًا في كوالالمبور، هو محامٍ بالتدريب، عاش في سياتل منذ أكثر من ٣٥ عامًا، ولكنه لا يمضي وقتًا طويلًا هناك. كان والده، الذي توفي قبل عقود من الزمن، من المحاربين القدامى في الحرب العالمية الأولى، تعرض لهجوم بغاز الخردل في الخنادق، وحصل على وسامٍ الشجاعة الفضي، واستمر في العمل كرئيس قضاة في كاليفورنيا لأكثر من ٢٤ عامًا. تخرجت والدته من كلية الحقوق بجامعة ستانفورد وهي نصيرة متحمسة للبيئة.

كان جيبسون طفلًا وحيدًا. كانت والدته تحب السفر عالميًا، وتأخذه معها. وفي سن السابعة قرر أن هدف حياته يتلخص في زيارة كل دولة في العالم مرة واحدة على الأقل. في نهاية المطاف، اُستثنيَ من هدفه كلمتي: «زيارة» و«بلد»، لكنه تمسك به، زاهدًا في أي فرصة يحصل من خلالها على مهنة دائمة، ويعيش بميراث متواضع. حسب روايته، انخرط على طوال حياته في بعض الألغاز الشهيرة؛ نهاية حضارة المايا في غابات غواتيمالا وبليز، وانفجار نيزك تونغوسكا في شرق سيبيريا، وموقع تابوت العهد في جبال إثيوبيا. لقد طبع بطاقات يُعرف فيها عن نفسه كمغامر ومستكشف وباحث عن الحقيقة. ارتدى قبعة الفيدورا، مثل إنديانا جونز. عندما وصلته أنباء عن اختفاء طائرة الرحلة ٣٧٠ كان مهتمًا بالأمر.

على الرغم من إنكار المسؤولين الماليزيين، والتعتيم الصريح من قبل القوات الجوية الماليزية، بدأت الحقيقة حول مسار الرحلة الغريبة للطائرة تظهر. اتضح أن الرحلة ٣٧٠ واصلت الاتصال بشكل متقطع مع قمر صناعي للمحيط الهندي الثابت بالنسبة للأرض تديره شركة إنمارسات -موّرد تجاري في لندن- لمدة ست ساعات بعد اختفاء الطائرة من الرادار الثانوي. هذا يعني أن الطائرة لم تتعرض فجأة لبعض الأحداث المأساوية. خلال تلك الساعات الست، يُفترض أنها بقيت في رحلة بحرية عالية السرعة والارتفاع. إن اتصالات انمارسات، والتي يُعرف بعضها باسم «المصافحات»، كانت عبارة عن شيفرات إلكترونية؛ وهي اتصالات متكررة تصل إلى درجة الهمس؛ لأن محتوى النظام المستهدف -ترفيه الركاب ونصوص قمرة القيادة وتقارير الصيانة الآلية- عُزِل أو أُوقِف تشغيله. أخيرًا، كان هناك سبعة اتصالات؛ اثنان منها أجرتهما الطائرة تلقائيًا، وخمسة أخرى أجرتها محطة إنمارسات الأرضية. كما كانت هناك اتصالان هاتفيان بالأقمار الصناعية، ولم تتلقى المكالمات أي رد، ولكنهما قدما بيانات إضافية. يرتبط معظم هذه الاتصالات بقيمتين سجلتها إنمارسات مؤخرًا.

وتعرف القيمة الأولى والأكثر دقة باسم توقيت الاستجابة (BTO)، أو ما سأسميه «قيمة المسافة»؛ إنه مقياس لوقت الإرسال من وإلى الطائرة، وبالتالي مسافة الطائرة من القمر الصناعي. وهي لا تحدد موقعًا واحدًا، بل تحدد جميع المواقع المتساوية؛ مجموعة دائرية تقريبًا من الاحتمالات. بالنظر إلى حدود نطاق طائرة الرحلة ٣٧٠، يمكن اختصار الدوائر القريبة إلى أقواس. إن القوس الأكثر أهمية هو القوس السابع والقوس الأخير، ويُعرف بمصافحة نهائية مرتبطة بطرق معقدة لاستنفاذ الوقود وفشل المحركات الرئيسية. يمتد القوس السابع من آسيا الوسطى في الشمال إلى جوار القارة القطبية الجنوبية. وقد عبرتها الرحلة ٣٧٠ عند الساعة ٨:١٩ صباحًا بتوقيت كوالالمبور. تضع حسابات مسارات الرحلة المحتملة تقاطع الطائرة مع القوس السابع -وبالتالي نقطة نهايته- في كازاخستان إذا تحولت الطائرة شمالًا أو في جنوب المحيط الهندي إذا تحولت جنوبًا.

انطلاقًا من الأدلة الإلكترونية، لم تكن هذه محاولة مُتحكَمة لهبوط مائي. يجب أن تكون الطائرة قد تحطمت على الفور إلى مليون قطعة.

يشير التحليل الفني بثقة إلى أن الطائرة قد تحولت جنوبًا. نحن نعرف ذلك من خلال القيمة المسجلة الثانية لإنمارسات وهي إزاحة تردد التكرار. من أجل تبسيط الأمر، سأشير إلى هذه القيمة باسم «قيمة دوبلر»، لأنها تتضمن، في المقام الأول، مقياسًا لنوبات دوبلر التردد اللاسلكي المرتبطة بالحركة عالية السرعة فيما يتعلق بموقع القمر الصناعي، وهي جزء طبيعي من الاتصالات عبر الأقمار الصناعية للطائرات في الرحلة. يجب التنبؤ بنوبات دوبلر وتعويضها بواسطة الأنظمة المحمولة جوًا حتى تعمل اتصالات الأقمار الصناعية. لكن التعويض ليس كاملًا، لأن الأقمار الصناعية -خاصة مع قِدمها- لا تنقل الإشارات بالطريقة التي بُرمجت الطائرات بها بالضبط. قد تتغير مداراتها قليلًا. كما تتأثر بدرجة الحرارة. هذه العيوب تترك آثارًا فاضحة. على الرغم من أن سجلات نوبات دوبلر لم تُستخدم من قبل لتحديد موقع الطائرة، فقد تمكن فنيو إنمارسات في لندن من اكتشاف تشويه كبير يشير إلى تحول إلى الجنوب في الساعة ٢:٤٠ صباحًا. كانت نقطة المنعطف غربيّ شمال سومطرة، أقصى جزيرة في إندونيسيا. من المفترض عند بعض المخاطر التحليلية، أن الطائرة حلقت بعد ذلك بصورة مستقيمة ومستوية لفترة طويلة للغاية في الاتجاه العام للقارة القطبية الجنوبية، والتي تقع خارج مداها.

بعد ست ساعات، أشارت بيانات دوبلر إلى هبوط شديد الانحدار، وهو أكبر بمقدار خمس مرات من معدل الهبوط الطبيعي. في غضون دقيقة أو دقيقتين من عبور القوس السابع، سقطت الطائرة في المحيط، وربما ألقت بعض أجزائها قبل التصادم. انطلاقًا من الأدلة الإلكترونية، لم تكن هذه محاولة مُاحكّم بها لهبوط مائي. يجب أن تكون الطائرة قد تحطمت على الفور إلى مليون قطعة. ولكن لا أحد يعرف أين وقعت الآثار، ناهيك عن السبب. ولم يكن لدى أي شخص أدنى عدد من الأدلة المادية لتأكيد صحة تفسيرات الأقمار الصناعية.

بعد أقل من أسبوع من الاختفاء، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال التقرير الأول عن بث القمر الصناعي، مشيرًا إلى أن الطائرة ظلت على الأرجح لساعات بعد الصمت. اعترف المسؤولون الماليزيون في نهاية المطاف أن الحساب كان صحيحًا. وقيل إن النظام الماليزي هو أحد أكثر الأنظمة فسادًا في المنطقة. كما أثبت أيضًا أنه كان ماكرًا وخائفًا ولا يمكن الاعتماد عليه في التحقيق الذي أجراه بشأن الرحلة. صُدم محققو الحوادث الذين أرسلوا من أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة من الفوضى التي واجهوها. نظرًا لأن الماليزيين حجبوا ما عرفوه، فقد تركزت عمليات البحث الأولي في البحر في المكان الخطأ -بحر الصين الجنوبي- ولم يجدوا أي حطام عائم. ولو كان الماليزيون قالوا الحقيقة على الفور، فلربما عُثر على مثل هذا الحطام واُستخدم لتحديد الموقع التقريبي للطائرة؛ وربما كان من المحتمل أن يستردوا الصناديق السوداء. وتركز بحثهم تحت الماء -في النهاية- على مساحات ضيقة من المحيط على بعد آلاف الأميال. ولكن حتى مساحة ضيقة من المحيط تعتبر مكانًا كبيرًا. إن العثور على الصناديق السوداء من الخطوط الجوية الفرنسية ٤٤٧، التي تحطمت في المحيط الأطلسي على متن رحلة من ريو دي جانيرو إلى باريس في عام ٢٠٠٩ استغرق عامين، وكان الباحثون يعرفون بالضبط أين يبحثون.

انتهى البحث الأولي في المياه السطحية في أبريل ٢٠١٤، بعد ما يقرب من شهرين من الجهود غير المجدية، وانتقل التركيز إلى أعماق المحيطات، حيث لا يزال اليوم. أصاب الإحباط بلين جبسن في البداية. وباع منزل والدته وانتقل إلى المثلث الذهبي في شمال لاوس، حيث كان هو وشريكه التجاري يشرعان في بناء مطعم على نهر الميكونج. انضم إلى مجموعة مناقشة على موقع فيس بوك خاصة بفقدان الرحلة ٣٧٠. كانت مليئة بالتكهنات، ولكن مليئة أيضًا بالأخبار التي تنم عن التفكير المثمر حول ما يمكن أن يحدث للطائرة وأين يمكن العثور على الحطام الرئيسي.

على الرغم من أن الماليزيين كانوا مسؤولين -اسميًا- عن التحقيق بأكمله، إلا أنهم افتقروا إلى الوسائل والخبرات اللازمة للقيام بجهود البحث والاسترداد تحت سطح البحر؛ أخذ الاستراليون زمام المبادرة بصفتهم مواطنين دوليين صالحين. كانت مناطق المحيط الهندي التي أشارت إليها بيانات الأقمار الصناعية -حوالي ١٢٠٠ ميل جنوب غرب بيرث- كانت عميقة ومجهولة إلى الحد الذي يجعل التحدي الأول يتلخص في رسم خريطة لتضاريس قاع البحر بالقدر الكافي للسماح بسحب المركبات التي تعمل بالموجات الصوتية من خلال المسح الجانبي بأمان تحت السطح. كان قاع المحيط محاطًا بالتلال وغارقًا في ظلمة حيث لم يخترقه الضوء أبدًا.

بدأ جيبسون يتساءل عما إذا كان حطام الطائرة قد يصل يومًا ما إلى الشاطئ في مكان ما، على الرغم من البحث المضني تحت الماء. أثناء زيارته لأصدقائه على ساحل كمبوديا، سألهم إذا كانوا قد عثروا على أي شيء. لا لم يجدوا. لم يكن من الممكن أن يصل الحطام إلى كمبوديا من جنوب المحيط الهندي، ولكن إلى أن يُعثر على حطام الطائرة -وهو ما يثبت أن المحيط الهندي الجنوبي كان مكان قبرها حقًا- كان جبسون عازمًا على أن يبقي عقله يقظًا.

في آذار ٢٠١٥، في كوالالمبور أقام أقارب الركاب حفل تأبين لهم بسبب مرور عام واحد على اختفاء الرحلة ٣٧٠. قرر جيبسون الحضور مع أنه مجهول بالنسبة لهم كما أنه ليس مدعوًا. ولأنه كان مجهولًا، أثار وصوله استغرابهم. لم يعرف الناس كيف يتصرفون مع هذا الهاوي. أقيم حفل الذكرى في مكان في الهواء الطلق في مركز للتسوق، وهو مكان مثالي للفعاليات في كوالالمبور. كان الغرض هو العزاء الجماعي، بالإضافة إلى الضغط على حكومة ماليزيا لتقديم تفسيرات. حضر مئات الأشخاص، كثير منهم من الصين. شُغلت بعض الموسيقى على المسرح. في الخلفية، أظهر ملصق كبير صورة ظليلة لطائرة بوينج ٧٧٧، إلى جانب الكلمات: «أين»، «من»، «لماذا»، «متى»، «أين»، «كيف»، وأيضًا: «مستحيل»، «غير مسبوق»، «مختفٍ»، «لا أدلة». وكان المتحدث الرئيسي امرأة شابة ماليزية تدعى غريس سوبثيراي ناثان، وكانت والدتها في الرحلة. ناثان محامية دفاع جنائي متخصصة في قضايا عقوبة الإعدام الموجودة بكثرة في ماليزيا بسبب القوانين الصارمة. وقد برزت بوصفها الممثل الفعّال لأقرب الأقارب. صعدت إلى المسرح مرتدية قميص كبير الحجم مطبوع برسوم كاريكاتورية عن الرحلة ٣٧٠ وعبارة «ابحثوا عنها»، ثم شرعت في وصف والدتها، وحبها العميق لها، وصعوبة تحمل اختفائها. في بعض الأحيان كانت تبكي بهدوء، كما فعل البعض في الجمهور، بما في ذلك جيبسون. بعد ذلك، اقترب من ناثان وسأل عما إذا كانت تقبل عناقًا من شخص غريب. وقد قبلت، وأصبحوا أصدقاء.

ترك جيبسون الحفل مصممًا على المساعدة من خلال معالجة الفجوة التي كان يتصورها؛ والتي هي عدم وجود عمليات بحث ساحلية عن الحطام العائم. سيكون هذا مكانه المناسب. وقال أنه سيصبح مستكشف السواحل الخاص بالرحلة ٣٧٠. كثّف المحققون الرسميون، وهم أساسًا من أستراليا وماليزيا، بحثهم تحت الماء. لقد سخروا من طموح جيبسون، تمامًا كما سخروا من احتمال أن يجد قطعًا من الطائرة على الشواطئ التي تبعد مئات الأميال.

٣. الجزء الأهم

المحيط الهندي يمتد عشرات الآلاف من الأميال من الساحل، وهذا يعتمد على عدد الجزر التي تُشملُها في العدّ. عندما بدأ بلين جيبسون بالبحث عن الحطام، لم يكن لديه خطة. لقد سافر إلى ميانمار لأنه كان يعتزم الذهاب إلى هناك على أي حال، ثم توجه إلى الساحل وسأل بعض القرويين عن الشاطئ الذي ينجرف إليه الأسطول عادةً. أشاروا إلى العديد من الشواطئ، وأخذه صياد إلى هناك على متن قارب. وجد بعض الحطام، لكن لا شيء ينتمي إلى طائرة. ونصح القرويين بأن يبقوا مستعدين، وترك رقمه للاتصال به، وتابع سيره. وبالمثل، زار جزر المالديف وجزر رودريغز وموريشيوس دون أن يجد حطامًا جديرًا بالاهتمام. ثم جاء يوم ٢٩ تموز ٢٠١٥. بعد حوالي ١٦ شهرًا من اختفاء الطائرة، عثر طاقم محلي لتنظيف الشاطئ في جزيرة ريونيون الفرنسية على قطعة ممزقة من الجنيح يبلغ طولها حوالي ستة أقدام و يبدو أنها قد وصلت للتو إلى الشاطئ. أدرك رئيس الطاقم، وهو رجل يدعى جوني بيوغ، أنه ربما جاءت من طائرة، لكن لم يكن لديه فكرة عن أي طائرة بالتحديد. لقد فكر لفترة وجيزة في أن يُحولها إلى نصب تذكاري -ويضعها في حديقة مجاورة ويزرع بعض الزهور حولها-، لكنه بدلًا من ذلك اتصل بمحطة إذاعة أخبار محلية. ظهر فريق من رجال الدرك وأخذوا القطعة بعيدًا. حُدد سريعًا على أنه جزء من طائرة بوينج ٧٧٧، وهي عبارة عن سطح تحكم يسمى قلاب الجناح يتصل بالحافة الخلفية للأجنحة. لكن أظهر الفحص اللاحق للأرقام التسلسلية أنه جاء من طائرة الرحلة ٣٧٠.

كان هنا الدليل المادي الضروري للذي اُعتُقِد على الشبكة الإلكترونية؛ وهو أن الرحلة قد انتهت رحلتها بعنف في المحيط الهندي، وإن كان مكانها ما زال مجهولًا وعلى بعد آلاف الأميال إلى الشرق من ريونيون. اضطر أسر الذين كانوا على متن الطائرة أن ينبذوا أية أوهام تنبئهم أن أحبائهم ما زالوا على قيد الحياة. ولقد كان ذلك بمثابة صدمة، بصرف النظر عن مدى عقلانيتهم وواقعيتهم. غريس ناثان صُعقت. وأخبرتني أنها بالكاد استطاعت العمل طوال عدة أسابيع بعد العثور على قلاب الجناح.

سافر جيبسون إلى ريونيون ووجد جوني بيوغ على شاطئه. كان بيوغ ودودًا، وأخبر جيبسون عن المكان الذي وجد فيه قلاب الجناح. بدأ جيبسون في البحث عن حطام آخر، ولكن دون أن يظن أنه سيجد شيئًا، لأن الحكومة الفرنسية أجرت بالفعل بحثًا دون جدوى. يستغرق الحطام بعض الوقت لينجرف عبر المحيط الهندي، ويتحرك من الشرق إلى الغرب عند خطوط العرض الجنوبية السفلية، وقد يصل قلاب الجناح في وقت أقرب من الحطام الآخر لأن أجزاء منه قد ترتفع فوق الماء وتعمل عمل الشراع.

أجرى مراسل صحيفة في ريونيون مقابلة مع جيبسون لمعرفة قصة زيارة هذا المحقق الأمريكي المستقل. ارتدى جيبسون قميص (ابحثوا عنهم) لهذه المناسبة. ثم سافر إلى أستراليا، حيث التقى اثنين من علماء المحيطات؛ شاريثا باتياراتشي، من جامعة أستراليا الغربية في بيرث، وديفيد جريفين، الذي عمل في مركز أبحاث حكومي في هوبارت وكُلفَ بتقديم المشورة للمكتب الأسترالي لسلامة النقل، الوكالة الرائدة في البحث عن طائرة الرحلة ٣٧٠. وكان كلا الرجلين خبيرين في تيارات ورياح المحيط الهندي. قضى جريفين على وجه الخصوص سنوات في تتبع العائمات، وبذل جهدًا لتصميم خصائص الانجراف المعقدة لقلاب الجناح أثناء رحلته إلى ريونيون؛ على أمل تضييق النطاق الجغرافي للبحث تحت سطح البحر. كان التعامل مع متطلبات جيبسون أسهل؛ فقد أراد معرفة المواقع الأكثر احتمالًا، والتي من الممكن للحطام العائم أن يأتي منها إلى الشاطئ. كان الجواب هو الساحل الشمالي الشرقي لمدغشقر، وبالتحديد، ساحل موزمبيق.

اختار جيبسون الموزمبيق لأنه لم يذهب إلى هناك من قبل، ويمكن أن يصبح البلد رقم ١٧٧ الذي يزوره. اختار مدينة تدعى فيلانكولوس، لأنها بدت آمنة وشواطئها جميلة. وصل إلى هناك في فبراير ٢٠١٦. طلب المشورة من الصيادين المحليين، وأخبروه عن ضفة رملية تدعى بالوما تقع خارج الشعاب المرجانية، حيث يذهب الصيادون لجمع الشباك والعوامات التي استخرجت من المحيط الهندي. دفع جيبسون لسائق قوارب يدعى سليمان كي يصطحبه إلى هناك.حيث وجدوا جميع أنواع القمامة، ومعظمها من البلاستيك. نادى سليمان على جيبسون. وسأل وهو يحمل خردة مثلثة رمادية يبلغ طولها قدمين: «هل هذه الـ ٣٧٠؟» كان للخردة هيكل خلية النحل وعلى سطحها عبارة «ممنوع الوقوف». كان الانطباع الأول لجيبسون أنها من غير الممكن أن تعود لطائرة كبيرة. قال لي: «كان عقلي يخبرني أنها ليست من الطائرة، لكن قلبي كان يقول لي العكس. ثم كان علينا أن نُعيد القارب. وهنا صار الموضوع شخصيًا؛ ظهر اثنان من الدلافين وساعدنا في الخروج من هذا الشاطئ الرملي، هذا حيوان أمي الروحي. عندما رأيت تلك الدلافين، قلت لنفسي: هذا من الطائرة».

و تبين أن جيبسون كان على صواب. حُدد نوع الخردة -من لوحة استقرار أفقية- وهي تعود بالتأكيد إلى الطائرة ٣٧٠. سافر جيبسون إلى العاصمة مابوتو وسلم الحطام إلى القنصل الأسترالي. ثم توجه إلى كوالالمبور، في الوقت المناسب لإحياء الذكرى السنوية الثانية. هذه المرة كان موضع ترحيب كصديق.

في يونيو ٢٠١٦، حوّل جيبسون انتباهه إلى الشواطئ الشمالية الشرقية النائية لمدغشقر. وظهر أن هذا هو الجزء الأهم. يقول جيبسون أنه عثر على ثلاث قطع في اليوم الأول، وأخرى بعدها ببضعة أيام. في الأسبوع التالي، على الشاطئ على بعد ثمانية أميال، سُلمت ثلاث قطع أخرى إليه. وهكذا حدث الأمر. لقد تلقى «وورد» معلومات تفيد بأنه سيدفع ثمن حطام الطائرة ٣٧٠. يقول أنه دفع ذات مرة مبلغًا كبيرًا مقابل قطعة – ٤٠ دولارًا – حتى أن قرية بأكملها ذهبت لتبحث في يوم واحد. من الواضح أن شراب «الرّم Rum» المحلي رخيص.

جرفت الأمواج الكثير من الحطام الذي لا علاقة له بالطائرة. ولكن من بين عشرات القطع التي قيل حتى الآن أنها تعود للطائرة ٣٧٠ أو أنها من المحتمل أن تكون منها، كان جيبسون مسؤولًا عن اكتشاف ثلثها تقريبًا. بعض القطع لا تزال قيد التحقيق. كان تأثير جيبسون كبيرًا لدرجة أن ديفيد جريفين، رغم امتنانه له، خاف أن يكون نمط سير الحطام المتوقع قد انحرف -حسب الإحصائيات- نحو مدغشقر، وربما لحساب نقاط أبعد شمالًا. وقد أعطى هذا القلق اسمًا: «تأثير جيبسون».

تظل الحقيقة أنه و بعد خمس سنوات، لم يتمكن أي شخص من تحديد الموقع الذي جُرف منه الحطام إلى الشاطئ، وتتبعه إلى نقطة المنشأ في جنوب المحيط الهندي. في إصراره على الحفاظ على عقل متفتح، لا يزال جيبسون متمسكًا بالأمل في العثور على حطام جديد يفسر الاختفاء -كأسلاك المتفحمة التي تشير إلى نشوب حريق، أو أدلة مملوءة بالشظايا تشير إلى وجود ضربة صاروخية- على الرغم من أن ما يعرف عن ساعات الرحلة الأخيرة تستبعد إلى حد كبير مثل هذه الاحتمالات. ما تأكد لجيبسون من أجزاء الحطام الكثير أن تحليل الإشارات كان صحيحًا. حلقت الطائرة لمدة ست ساعات حتى انتهت الرحلة فجأة. لم يُبذل أي جهد من قبل شخص ما في القيادة للهبوط بالطائرة بلطف. قد تدمرت. يعتقد جيبسون أنه لا تزال هناك فرصة للعثور على ما يشابه رسالة في زجاجة؛ مذكرة من اليأس خربشها شخص ما في اللحظات الأخيرة له على الطائرة المنكوبة. على الشواطئ، عثر جيبسون على عدد قليل من حقائب الظهر وعدد كبير من المحافظ، وكلها كانت فارغة. ويقول إن أقرب ما عُثر عليه كهذه المذكرة، كان رسالة مكتوبة بلغة الملايو على الجانب السفلي من قبعة بيسبول. تقول «إلى من يهمه الأمر. صديقي العزيز، قابلني في دار الضيافة لاحقًا».

أ) في ١:٢١صباحًا، ٨ آذار/مارس ٢٠١٤: فوق بحر الصين الجنوبي، بالقرب من نقطة طريق ملاحية بين ماليزيا وفيتنام، اختفت الطائرة ٣٧٠ من رادار مراقبة الحركة الجوية وانعطفت بإتجاه الجنوب الغربي عبر شبه جزيرة الملايو.

ب) بعد ساعة تقريبًا: بعد الطيران باتجاه الشمال الغربي فوق مضيق ملقا، قامت الطائرة بما يطلق عليه المحققون «المنعطف الرئيسي الأخير» واتجهت جنوبًا. سيعاد بناء المنعطف والمسار الجديد لاحقًا من بيانات الأقمار الصناعية.

ج) نيسان/أبريل ٢٠١٤: تُرك البحث السطحي، وابتدأ بحث في أعماق المحيطات. وقد حدد تحليل بيانات الأقمار الصناعية «المصافحة» الإلكترونية الأخيرة لـلطائرة على طول القوس.

د) يوليو ٢٠١٥: اُكتشِفت أول قطعة من الحطام من قلاب الجناح الخاص بالطائرة ٣٧٠ في جزيرة ريونيون. ثم عُثِر على قطع أخرى مؤكدة أو محتملة على شواطئ منتشرة على نطاق واسع في غرب المحيط الهندي (مواقع باللون الأحمر).

٤. المؤامرات

ثلاثة تحقيقات رسمية أُجريت في أعقاب اختفاء الرحلة ٣٧٠. الأول كان الأكبر والأكثر صرامة والأكثر تكلفة؛ جهود البحث تحت الماء الأسترالية المتقدمة تقنيًا، والتي ركزت على تحديد موقع الحطام الرئيسي لاستعادة بيانات الرحلة ومسجلات الصوت في قمرة القيادة. وقد تضمن ذلك حسابات أداء الطائرات، وتحليل سجلات الرادار والأقمار الصناعية، ودراسات الانجراف المحيطي، وجرعات التحليل الإحصائي، والفحص الفيزيائي للحطام في شرق إفريقيا، ومعظمها جاء من بلين جيبسون. كانت تتطلب عمليات بحرية صعبة في بعض أعنف البحار في العالم. وساعد في البحث مجموعة من المهندسين المتطوعين والعلماء الذين عثروا على بعضهم البعض عن طريق الإنترنت، وأطلقوا على أنفسهم «المجموعة المستقلة»، وتعاونوا بفعالية حتى أخذ الأستراليون عملهم في الاعتبار وانتهى بهم المطاف أن شكروهم رسميًا على حنكتهم. لم يحدث هذا من قبل في سجلات التحقيق في الحوادث. وبالرغم من ذلك، وبعد أكثر من ثلاث سنوات وبد إنفاق حوالي ١٦٠ مليون دولار، أُغلق التحقيق الأسترالي دون نجاح. كان ذلك في عام ٢٠١٨ من قبل شركة أميركية تسمى «أوشن إنفينيتي» بموجب عقد مع الحكومة الماليزية على أساس «لا اكتشافات جديدة؛ لا رسوم». استخدم هذا البحث آلات مراقبة متقدمة تحت الماء وغطى قسمًا جديدًا من القوس السابع، وهو قسم تعتقد المجموعة المستقلة أنه من المرجح أن يحقق نتائج. بعد بضعة أشهر، انتهى الأمر أيضًا بالفشل.

التحقيق الرسمي الثاني يخص الشرطة الماليزية، وكان بمثابة استقصاء لحياة كل من على متن الطائرة وكذلك بعض أصدقائهم. من الصعب معرفة المدى الحقيقي لاكتشافات الشرطة، لأن التقرير الذي نتج عن التحقيق لم يصل إلى حد الكشف الكامل. خٌتم التقرير بسرية وحُجب حتى عن محققين ماليزيين آخرين، لكن بعد أن سربه شخص من الداخل، أصبحت أوجه النقص فيه واضحة. وعلى وجه الخصوص، لم تفصح عن كل ما كان يُعرف عن القبطان زهاري. ولم يَُصَب أحد بالدهشة. كان رئيس الوزراء في ذلك الوقت رجلًا سيئًا يدعى نجيب رزاق، والذي زُعم أنه فاسد كبير. فُرضت الرقابة على الصحافة في ماليزيا. قُبض على مثيري الشغب وغُيّبوا عن الأنظار. كان لدى المسؤولين سبب للحذر. فقد كان عليهم حماية وظائفهم وربما حياتهم. من الواضح أنه اُتخذت قرارات بعدم اتباع بعض الطرق التي قد تكون انعكست بطريقة سيئة على الخطوط الجوية الماليزية أو الحكومة.

وكان التحقيق الرسمي الثالث هو التحقيق في الحادث، وليس المقصود منه الفصل في المسئولية ولكن البحث عن سبب محتمل، وأُجري وفقًا لأعلى المعايير العالمية من قِبل فريق دولي. كان يقوده مجموعة عمل مخصصة اختارتها الحكومة الماليزية، وكانت حالة من الفوضى منذ بدايتها. لم يحبذها كلٌ من الشرطة والجيش. واعتبر وزراء الحكومة الأمر مخاطرة. بدأ المتخصصون الأجانب الذين أُرسلوا للمساعدة في التراجع بمجرد وصولهم. وقد أخبرني أحد الخبراء الأميركيين، مشيرًا إلى بروتوكول الطيران الدولي الذي من المفترض أن يحكّم التحقيقات في الحوادث، أن «الملحق الثالث عشر مصمم خصيصًا للتحقيقات في الحوادث في الأنظمة الديمقراطية الواثقة، ولكن في بلدان مثل ماليزيا، حيث البيروقراطيات غير الآمنة الاستبدادية، ومع شركات الطيران المملوكة للحكومة أو التي يُنظَر إليها باعتبارها مسألة هيبة وطنية، فإنها تعمل دومًا على توفير ملاءمة رديئة إلى حد كبير».

وقال مراقب عن كثب لعملية الطائرة ٣٧٠ «لقد بات من الواضح أن الهدف الأساسي للماليزيين هو نسيان الموضوع نهائيًا. منذ البداية كان هناك هذا التحيز الغريزي ضد الانفتاح والشفافية، ليس لأنهم كانوا يخبئون سرًا عميقًا مظلمًا، ولكن لأنهم لم يعرفوا أين تكمن الحقيقة حقًا، وكانوا يخشون أن يخرج شيء يسبب حرجًا لهم. هل كانوا يتستّرون عن شيء؟ نعم. كانوا يتسترون على المجهول».

وفي نهاية المطاف، أسفر التحقيق عن إعداد تقرير من ٤٩٥ صفحة في محاكاة واهية لمتطلبات «Annex ١٣». وقد حُشي هذا التقرير بأوصاف نمطية لأنظمة ٧٧٧ التي أُخذت بوضوح من كتيبات بوينغ الإرشادية، وبالتالي لم تكن ذات قيمة فعلية. وفي الواقع، لم يكن في التقرير أي شيء ذي قيمة فعلية، لأن المنشورات الأسترالية قد شملت بالفعل كامل معلومات الأقمار الصناعية وقياسات انحراف المحيط ذات الصلة. وكان التقرير الماليزي لم يوضع إلا لغاية «تبرئة الساحة»، عدا أن مساهمته الفعلية الوحيدة هو أنه أعطى دليلًا صريحًا لفشل السيطرة على الحركة الجوية، ربما لأن نصفهم يلقون اللّوم على الفيتناميين، ولأن المراقبين الماليزيين يشكلون أضعف هدف محلي على المستوى السياسي. أُصدر التقرير في يوليو ٢٠١٨، بعد أكثر من أربع سنوات من الحدث. وجاء فيه أن فريق التحقيق لم يتمكن من تحديد سبب اختفاء الطائرة.

فكرةُ أن الآلة المتطورة، بأدواتها الحديثة واتصالاتها الكثيرة، يمكن أن تتلاشى ببساطة تبدو خارج نطاق الاحتمالات.

مثل هذا الاستنتاج يدعو إلى استمرار التكهنات حتى لو كان غير مبررة. توفر بيانات القمر الصناعي أفضل دليل على مسار رحلة الطائرة، يصعب الجدال حوله، لكن على الناس أن يثقوا بالأرقام لكي يتقبلوا القصة التي يروونها. قدّم جميع أنواع المنظرين ادعاءات تضخمت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتجاهل بيانات الأقمار الصناعية، وفي بعض الحالات تتجاهل أيضًا مسارات الرادار وأنظمة الطائرات وسجل مراقبة الحركة الجوية وفيزياء الطيران والملامح الأساسية لجغرافيا الكواكب. على سبيل المثال، كانت امرأة بريطانية تدوِن تحت اسم البحارة سوزي وتقوم بقراءات الطالع بالأجر، كانت تتجول في أنحاء جنوب آسيا مع زوجها وكلابها في مركب شراعي يُبحر في المحيطات. وتقول إن الرحلة ٣٧٠ اختفت في الليلة التي كانوا فيها في بحر أندامان، ورأت ما يشبه صاروخ كروز قادمًا إليها. أضحى الصاروخ طائرةً تحلق على ارتفاع منخفض مع قمرة قيادة مضاءة جيدًا، مغمورة بوهج برتقالي غريب ودخان كثيف. عندما حلقت قريبًا منها استنتجت أنها كانت في مهمة انتحارية ضد أسطول بحري صيني في البحر. لم تكن تعرف بعد عن اختفاء الطائرة ٣٧٠، لكن عندما علمت بذلك بعد بضعة أيام، أدركت على العلاقة الواضحة بينهما. ربما أن هذا غير معقول، لكنها وجدت من يستمع لها.

يدّعي أسترالي أنه عثر منذ عدة سنوات على الطائرة ٣٧٠ -بالاستعانة بخرائط غوغل- سليمة في المياه الضحلة؛ لقد رفض الكشف عن الموقع بينما كان يعمل على تمويل جماعي في رحلة استكشافية. ستجد على شبكة الإنترنت مزاعم بأنه عُثر على الطائرة سليمة في الغابة الكمبودية، وقد شوهدت تهبط في نهر إندونيسي، وأنها طارت في دوامة الزمن، وامتصّها ثقب سوداء. يوضح أحد السيناريوهات أن الطائرة هاجمت القاعدة العسكرية الأمريكية في دييغو غارسيا قبل أن تسقط. ويقول أحد التقارير الحديثة على الإنترنت أنه عُثر على الكابتن زهاري على قيد الحياة وأنه كان يرقد في مستشفى تايواني ويعاني من فقدان الذاكرة، وقد لاقى التقرير قبولًا واسعًا لدرجة أن ماليزيا نفت الخبر بشدة. وقد جاء أحد الأخبار من موقع إنترنت ساخر بشكل فظّ، وأفاد عن وجود اعتداء جنسيّ على رحالة أمريكي وخبيرين في نيبال من قبل مخلوق يشبه الكائن «Yeti يتي».

افترض كاتب مقيم في نيويورك يدعى جيف وايز أن أحد الأنظمة الإلكترونية على متن الطائرة ربما أعيد برمجته من أجل توفير بيانات مغلوطة -تشير إلى انتقال الطائرة إلى الجنوب نحو المحيط الهندي، بينما الحقيقة أن انتقلت شمالًا باتجاه كازاخستان- لتضليل المحققين. وسمّى الكاتب هذا السيناريو «محاكاة ساخرة»، وقد فصّل فيه باستفاضة، وكان ذلك في كتاب إلكتروني نُشر عام ٢٠١٩. يقترح الكاتب أن يكون الروس ربما سرقوا الطائرة لتشتيت الانتباه عن ضم شبه جزيرة القرم، الذي كان يحدث آنذاك. تتمثل نقطة الضعف الواضحة في الحاجة إلى شرح كيف انتهى المطاف بكل هذا الحطام في المحيط الهندي بينما الطائرة قد طارت إلى كازاخستان. يقول وايز أنها زُرعت هناك. 

كان بلين جيبسون جديدًا على وسائل التواصل الاجتماعي عندما بدأ بحثه، وكان هناك مفاجأة بانتظاره. كما يتذكر، ظهر له المتصيدون حالما عثر على أول قطعة -التي تحمل عبارة «ممنوع الوقوف»- وتضاعفت أعدادهم بعد ذلك، لا سيما عندما بدأت شواطئ مدغشقر تؤتي ثمارها. يثير الإنترنت المشاعر حتى في الاستجابة لأحداث غير ملحوظة، حيث أن الكوارث تتغذّى على مواد سامّة. اتُهم جيبسون باستغلال العائلات وبأنه محتال وكلب «دعاية» ومدمن مخدرات وعميل روسي وعميل أمريكي، وأقل ما وُصف به أنه محتال. بدأ يتلقى تهديدات بالقتل؛ على شكل رسائل على وسائل التواصل الاجتماعي ومكالمات هاتفية إلى أصدقائه تتكهن بمصرعه. ذُكر في إحدى الرسائل أنه إن لم يتوقف عن البحث عن الحطام سيرحل عن مدغشقر في نعش. وحذرت أخرى من أنه سيموت متسممًا بالبولونيوم. كان هناك المزيد. لم يكن مستعدًا لهذا، ولم يكن قادرًا على تجاهلها. خلال الأيام التي أمضيتها معه في كوالالمبور، ظل على علم بأحدث الهجمات بمساعدة صديق له في لندن. قال: «لقد ارتكبت خطأ عندما ولجتُ تويتر. في الواقع، هؤلاء الناس إرهابيو الإنترنت. وقد نجحوا في ذلك. ما يفعلونه يُحدث أثرًا ». لقد أصيب بصدمة نفسية.

في عام ٢٠١٧، رتب جيبسون طريقة رسمية لنقل الحطام؛ حيث سيقوم بتسليم أي شيء يكتشفه إلى السلطات في مدغشقر، التي ستقوم بتسليمه إلى القنصل الفخري لماليزيا، الذي بدوره سيغلفه ويشحنه إلى كوالالمبور لفحصه وتخزينه. في ٢٤ أغسطس من ذلك العام، أُطلِق النار على القنصل الفخري في سيارته على يد قاتل هرب على دراجة نارية ولم يُعثر عليه. زعم حساب إخباري باللغة الفرنسية أن القنصل كان لديه ماضٍ غامض. قد لا يكون لمقتله علاقة بالطائرة ٣٧٠ على الإطلاق. ومع ذلك، افترض جيبسون وجود علاقة بينهما. بينما تحقيقات الشرطة جارية.

الآن هو يتجنب إلى حد كبير الكشف عن موقعه أو خطط سفره، ولأسباب مماثلة يتجنب استخدام البريد الإلكتروني ونادرًا ما يتحدث عبر الهاتف. إنه يحب السكايب والواتس اب لأنهما مُشفران. وكثيرًا ما يغير شرائح هاتفه. ويعتقد أنه أحيانًا يُلاحق ويُصوّر. لا جدال في أن جيبسون هو الشخص الوحيد الذي خرج باحثًا عن قطع الطائرة ٣٧٠ بمفرده ووجد حطامًا. لكن فكرة أن الحطام يستحق أن يُقتل من أجله يصعب أخذها على محمل الجد. سيكون من الأسهل تصديق أن الحطام يحمل أدلة على أسرار خفيّة ومؤامرات دولية. لكن الأدلة -الكثير منها الآن كُشفت علنًا- تشير إلى اتجاه مُعاكس.

٥. الاحتمالات

في الحقيقة، يمكن الآن معرفة الكثير بتيقُّن حول مصير الطائرة ٣٧٠. أولًا، كان الاختفاء عملًا مقصودًا. من غير المعقول أن يكون مسار الرحلة المعروف والمصحوب بصمت لاسلكي وإلكتروني، ناتج عن أي مزيج من فشل النظام والخطأ البشري. خلل في الكمبيوتر أو انهيار نظام التحكم أو الرياح القوية أو الجليد أو ضربة صاعقة أو هجمات الطيور أو نيزك أو رماد بركاني أو عطل ميكانيكي أو عطل في المستشعر أو عطل في الآليات أو عطل في الراديو أو عطل كهربائي أو حريق أو دخان أو انخفاض الضغط أو انفجار الحمولة أو ارتباك الطيار أو طوارئ طبية أو قنابل أو حرب أو …، لا يمكن لأي منها أن يفسر مسار الرحلة.

ثانيًا، على الرغم من النظريات التي تشير إلى عكس ذلك، لم يُسيطر على الطائرة عن بعد من داخل منطقة المعدات الكهربائية. ضُبطت السيطرة من داخل قمرة القيادة. حدث هذا خلال ٢٠ دقيقة من الساعة ١:٠١ صباحًا، عندما استقرت الطائرة على ارتفاع ٣٥٠٠٠ قدم، حتى ١:٢١ صباحًا، عندما اختفت من الرادار الثانوي. خلال تلك الفترة نفسها، أرسل نظام الإبلاغ التلقائي عن الحالة في الطائرة التحديث المنتظم لمدة ٣٠ دقيقة عبر الأقمار الصناعية إلى قسم صيانة شركة الطيران. لقد أبلغت عن مستوى الوقود والارتفاع والسرعة والموقع الجغرافي، وأشارت إلى عدم وجود حالات شاذة. ما يعني أن نظام اتصالات الأقمار الصناعية للطائرة كان يعمل في تلك اللحظة.

في الوقت الذي سقطت فيه الطائرة حسب معطيات الرادار الثانوي -المرسل المستجيب المعزز- ونظرًا إلى عجز الطيارين على التصرف، من المرجح أن أحدهما كان عاجزًا أو ميتًا، أو محجوز في مقصورة القيادة. أشارت سجلات الرادار الأولية -العسكرية والمدنية- في وقت لاحق إلى أن من كان يقود طائرة الرحلة ٣٧٠ لابد أنه أوقف الطيار الآلي، لأن الإنعطاف الذي قامت به الطائرة إلى الجنوب الغربي كان حادًا جدًا لدرجة أنه توجب القيام به يدويًا. تشير الظروف إلى أن من كان يتحكّم بالطائرة كان يضغط عمدًا على الطائرة. وفي نفس الوقت تقريبًا، أوقف تشغيل النظام الكهربائي جزئيًا على نحو متعمد، إن لم يكن الإيقاف كاملًا. أسباب هذا الإيقاف غير معروفة. ولكن كان أحد نتائجه قطع الإتصال بالقمر الصناعي مؤقتًا.

درس مهندس كهرباء في بولدر، كولورادو، يدعى مايك إكسنر، وهو عضو بارز في المجموعة المستقلة، بيانات الرادار على نطاق واسع. وهو يعتقد أنه خلال الانعطاف، ارتفعت الطائرة إلى ٤٠٠٠٠ قدم، أي قريبة من حدها الأقصى. أثناء المناورة، كان الركاب قد تعرضوا لِقوة تُشعرهم بالضغط المفاجئ للخلف نحو المقعد. يعتقد إكسنر أن سبب الارتفاع هو تسريع آثار الضغط على الطائرة، مما تسبب في العجز السريع وموت كل شخص في المقصورة.

أصبح شاغلو المقصورة عاجزين خلال دقائق، وفقدوا الوعي، وماتوا بهدوء دون اختناق.

كان من المفترض أن يكون تفريغ ضغط الهواء المتعمد طريقة واضحة -وربما الوحيدة- لإخضاع مقصورة جامحة في طائرة كانت ستبقى في رحلة طيران لساعات قادمة. في المقصورة، كان يمكن أن يختفي هذا التأثير دون أن يلاحظه أحد، ولكن بسبب الظهور المفاجئ لأقنعة الأكسجين المنسدلة، وربما استخدام طاقم المقصورة للوحدات المحمولة القليلة ذات التصميم المماثل حال دون ذلك. لم تُصمم أي من أقنعة المقصورة هذه للاستخدام لمدة تزيد عن ١٥ دقيقة وذلك أثناء الهبوط الاضطراري من ارتفاعات أقل من ١٣٠٠٠ قدم؛ فكانت بلا أهمية على الإطلاق على ارتفاع ٤٠٠٠٠ قدم. اصبح شاغلو المقصورة عاجزين خلال دقائق، وفقدوا الوعي، وماتوا بهدوء دون اختناق. كان من الممكن إضاءة المشهد بشكل خافت من خلال أضواء الطوارئ، مع تصوير الموتى وهم بمقاعدهم، ووجوههم موجودة في أقنعة الأكسجين التي لا قيمة لها والتي تتدلى من أنابيب من السقف.

على النقيض من ذلك، جُهزت قمرة القيادة بأربعة أقنعة مضغوطة من الأكسجين مزودة بساعات من الإمداد. كل من تعرض للضغط على الطائرة كان عليه ببساطة أن يأخذ واحدة منها. كانت الطائرة تتحرك بسرعة. بدت على الرادار الأساسي كأنها بقعة مجهولة تقترب من جزيرة بينانغ بسرعة تبلغ حوالي ٦٠٠ ميل في الساعة. يعد البر الرئيسي القريب موطنًا لقاعدة بتروورث الجوية، حيث يتمركز أسطول من طائرات اعتراض من طراز F-١٨ الماليزية، إلى جانب رادار للدفاع الجوي، لكن أحدا لم ينتبه له. وفقًا لمسؤول سابق، قبل إصدار تقرير الحادث في الصيف الماضي، طالب ضباط القوات الجوية الماليزية بمراجعته وتعديله. في قسم يسمى «الرادار العسكري الماليزي»، يقدم التقرير جدولًا زمنيًا يشير إلى أن رادار الدفاع الجوي قد رُوقِب بدقة، وأن الجيش كان على دراية جيدة بهوية الطائرة، وأنه «لم يتابع عن قصد اعتراض الطائرة لكونها «صديقة ولم تشكل أي تهديد لأمن المجال الجوي الوطني وسلامته وسيادته». والسؤال بالطبع هو لماذ إذا كان الجيش يعلم أن الطائرة قد التفّت وحلقت غربًا، قد سمح باستمرار البحث لعدة أيام في الجزء الخاطئ من الماء شرقًا.

على الرغم من جميع المعدات الباهظة الثمن، فشل سلاح الجو في وظيفته ولم يتمكن من الإعتراف بالحقيقة. في مقابلة تلفزيونية أسترالية، قال وزير الدفاع الماليزي السابق: «إذا لم تكن تريد إسقاطها، فما الفائدة من إرسال [طائرة مُعترضة] إلى الأعلى؟» حسنًا، لسبب واحد، يمكنك تحديد الطائرة والتي كانت في هذه المرحلة مجرد وميض على الرادار الأساسي. يمكنك أيضًا الاطلاع على النوافذ في قمرة القيادة ومعرفة من كان يتحكم بأجهزة التحكم.

في الساعة ١:٣٧ صباحًا، فشل إرسال نظام الإبلاغ التلقائي عن الحالة لمدة ٣٠ دقيقة المجدولة بانتظام في طائرة الرحلة ٣٧٠. نحن نعلم الآن أن النظام قد عُزل عن أي بث لقمر صناعي -وهو أمر يمكن فعله بسهولة من داخل قمرة القيادة- وبالتالي لا يمكنه إرسال أي من التقارير المجدولة.

وفي تمام الساعة ١:٥٢ صباحًا، وبعد نصف ساعة من عملية التحويل، مرت طائرة الرحلة ٣٧٠ جنوب جزيرة بينانج مباشرة، ثم اتخذت منعطفًا يمينًا واسعًا، واتجهت نحو الشمال الغربي إلى مضيق ملقا. مع تحول الطائرة، سُجل أول اتصال بالهاتف المحمول للضابط ببرج في الأسفل. لقد كان اتصالًا موجزًا واحدًا، ولم يُرسل من خلاله أي محتوى. بعد ١١ دقيقة، مع افتراض أن طائرة الرحلة ٣٧٠ كانت لا تزال فوق بحر الصين الجنوبي، أرسل منظم شؤون النقل لشركة الخطوط الجوية الماليزية رسالة نصية تطلب من الطيارين الاتصال بمركز مراقبة الحركة الجوية «هو تشي من». لا رد على الرسالة. استمرت الطائرة في التحليق يدويًا عبر مضيق ملقا. يفترض أن كل شخص في المقصورة قد مات في هذه النقطة. في الساعة ٢:٢٢ صباحًا، التقط رادار سلاح الجو الماليزي النقطة الأخيرة. كانت الطائرة على بعد ٢٣٠ ميلًا شمال غرب بينانغ، متجهة نحو الشمال الغربي إلى بحر أندامان وتحلّق بسرعة.

بعد ثلاث دقائق، عند الساعة ٢:٢٥، عاد القمر الصناعي للطائرة إلى الحياة فجأة. ومن المرجح أن ذلك قد حدث عند إعادة تشغيل النظام الكهربائي بالكامل، وإعادة الضغط للطائرة في نفس الوقت. عندما عاد القمر الصناعي للعمل، أرسل طلب تسجيل الدخول إلى إنمارسات؛ وردّت المحطة الأرضية وسُجل أول اتصال. ودون علم أي شخص في قمرة القيادة، سُجلت المسافة ذات الصلة وقيم دوبلر في المحطة الأرضية، مما سمح لاحقًا بإنشاء القوس الأول. بعد بضع دقائق قام المرسل بإجراء مكالمة هاتفية مع الطائرة. قبل القمر الصناعي الرابط، ولكن لا رد على المكالمة. أظهرت قيمة دوبلر المرتبطة بها أن الطائرة قد استدارت لتوها إلى الجنوب. بالنسبة للمحققين، أصبح المكان الذي حدث فيه الانعطاف معروفًا باسم «المنعطف الرئيسي الأخير». ومعرفة موقعه هو أمر أساسي لجميع الجهود التي يمكن القيام بها بعد ذلك، لكنه يُحدد أبدًا. كان يجب على رادار الدفاع الجوي الإندونيسي إظهاره، لكن يبدو أن الرادار قد أُوقف طوال الليل.

وكانت الطائرة ٣٧٠ في ذاك الوقت تحلّق باستخدام الطيار الآلي على الأرجح، وتتجول جنوبًا في الليل. كل من كان يحتل قمرة القيادة نشيطًا وحيًا. هل كان هذا اختطاف؟ الاختطاف هو حل «الطرف الثالث» المفضل في التقرير الرسمي. هذا هو التفسير الأقل إيلامًا لأي شخص في السلطة في تلك الليلة. بيد أنه يواجه مشاكل هائلة. السبب الرئيسي هو أن باب قمرة القيادة كان محصنًا ومثبَّتًا بالكهرباء، وكان يُراقب بواسطة تسجيل فيديو يمكن للطيارين رؤيته. كما مرت أقل من دقيقتين بين تحية «مساء الخير» العادية لزهاري إلى وحدة تحكم كوالالمبور وبدء التحويل، مع ما صاحبها من فقدان إشارة الجهاز المرسل المستجيب. كيف عرف الخاطفون أن عليهم التحرك تحديدًا أثناء تسليم المراقبة إلى الحركة الجوية الفيتنامية، وبعد ذلك تمكنوا من الوصول بسرعة وسلاسة بحيث لم يتمكن أي من الطيارين من إرسال نداء استغاثة؟ من الممكن بالطبع أن يكون الطيارون يعرفون الخاطفين -وقد دُعوا إلى قمرة القيادة- ولكن حتى هذا لا يفسر عدم وجود بث إذاعي، خاصة أثناء الابتعاد بالطائرة عن بكين. كان لكل من قبضات التحكم مفاتيح تبديل، في متناول اليد، ويمكن إرسال بعض الإشارات في لحظات قبل محاولة الاستيلاء. علاوة على ذلك، حُقق مع كل الركاب وأفراد طاقم المقصوة وأُزيلت عنهم الشكوك من قِبل فرق من المحققين الماليزيين والصينيين بمساعدة مكتب التحقيقات الفيدرالي. إن جودة العمل الذي قامت به الشرطة موضع شك، لكنه كان دقيقًا بما يكفي للكشف عن هويات اثنين من الإيرانيين اللذين كانا يسافران بأسماء مزيفة ويحملان جوازات سفر مسروقة، لكنهما لا يسعيان إلى أكثر من اللجوء السياسي في ألمانيا. من الممكن أن يكون المتسللون قد اختبأوا في حاوية المعدات وإذا كان الأمر كذلك، فسيتمكنوا من الوصول إلى قواطع التيار التي قد تفتح باب قمرة القيادة إذا سُحبت. لكن هذا السيناريو تتخلله مشاكل أيضاُ. فالمزاليج له صوت عالٍ عند فتحها؛ وهو صوت لا لبس فيه كما أنه مألوف للطيارين. كان على الخاطفين بعد ذلك أن يشقوا فتحة أرضية في الأسفل، ويتسلقوا سلمًا قصيرًا، ويتجنبوا لفت انتباه طاقم الطائرة، ويتخفّوا من شريط المراقبة، ويدخلوا قمرة القيادة قبل أن يقوم أي من الطيارين بإرسال نداء استغاثة. من غير المحتمل أن يحدث هذا كما أن من غير المحتمل أن تكون مضيفة طيران المحتجزة كرهينة قد استخدمت لوحة مفاتيح الباب للسماح بالدخول المفاجئ دون إطلاق تحذير. علاوة على ذلك، ما هو الغرض من الاختطاف؟ المال؟ السياسة؟ الدعاية؟ إعلان عن حرب؟ هجوم إرهابي؟ والواقع أن الوضع المعقد الذي دام سبع ساعات لاختفاء الطائرة في عالم المجهول لا يناسب أيًا من هذه السيناريوهات. ولم يعلن أحد مسؤوليته عن الاختطاف. إخفاء الهوية لا يتفق مع أي من هذه الدوافع.

٦. الطيَّار

هذا يتركنا مع نوع مختلف من الأحداث، عملية اختطاف من الداخل لا تتطلّب الدخول القسري. قد يقاوم العقلاء فكرة أن الطيار سوف يقتل مئات الركاب الأبرياء باعتبار أنه سيقتل نفسه أيضًا. والجواب هو أن هذا قد حدث من قبل. في عام ١٩٩٧، يُعتقد أن قبطانًا يعمل في شركة طيران سنغافورية تُدعى SilkAir قد عطّل الصناديق السوداء لطائرة بوينغ ٧٣٧ وأغرق الطائرة في النهر بسرعة تفوق سرعة الصوت.* في عام ١٩٩٩، تحطمت طائرة الرحلة ٩٩٠ التابعة لمصر للطيران عن عمد في البحر من قبل مساعد الطيار قبالة ساحل لونغ آيلاند، مما أدى إلى فقدان جميع من كانوا على متن الطائرة. في عام ٢٠١٣، قبل أشهر فقط من اختفاء طائرة الرحلة ٣٧٠، طار قائد الطائرة LAM ٤٧٠ التابعة للخطوط الجوية للموزمبيق طائرة إمبرير E١٩٠ النفاثة من ارتفاع عالٍ مباشرة نحو الأرض، مما أدى إلى مقتل جميع الركاب الـ ٢٧ وجميع أفراد الطاقم الستة. الحالة الأخيرة هي طائرة تابعة للأجنحة الالمانية للطيران التي حُطمت عمدًا في جبال الألب الفرنسية في ٢٤ مارس ٢٠١٥، مما تسبب أيضًا في فقدان جميع من كان على متنها. وكان مساعد الطيار، أندرياس لوبيتز، ينتظر الطيار ليستخدم الحمام ثم احتجزه في الخارج. كان لدى لوبيتز سجل من الإصابة بحالات الاكتئاب -كما اكتشفت التحقيقات فيما بعد- وقد بحث في اختفاء طائرة الرحلة ٣٧٠، قبل ذلك بعام واحد.

المصدر عدد نوفمبر ٢٠٠١: ويليم لانغويشيي عن الطائرة المصرية ٩٩٠

في حالة طائرة الرحلة ٣٧٠، من الصعب اعتبار مساعد الطيار أنه الجاني. كان شابًا متفائلًا، ويقال أنه كان يخطط للزواج. كما لم يكن في تاريخه أي نوع من المتاعب أو المعارضة أو الشكوك. فهو لم يكن من الألمان الذين يوقعون على عمل في صناعة متدهورة من شركات الطيران ذات الميزانية المنخفضة، فضلًا عن الرواتب المنخفضة، بل وحتى المكانة الأدنى. كان يقود طائرة بوينج ٧٧٧ في بلد لا تزال الخطوط الجوية الوطنية والطيارون فيه يمثلون صفقة كبيرة.

القبطان زهاري هو الذي يثير المخاوف. التحذير الأول هو تصويره في التقارير الرسمية على أنه شخص فوق الشبهات؛ طيار جيد وهادئ، كان يحب اللعب بجهاز محاكاة الطيران. هذه هي الصورة التي روجت لها عائلة زهاري، ولكنها تتناقض مع إشارات متعددة من المتاعب التي تم تجاهلها بشكل واضح للغاية.

احجم تقرير الشرطة الماليزية عن إفشاء ما كان معروفًا عن القبطان، زهاري. ولم يَُصَب أحد بالدهشة.

اكتشفت الشرطة جوانب من حياة زهاري كان من المفترض أن يتعمقوا بها أكثر. وكانت النتائج الرسمية التي استخلصوها غير كافية. كان الحساب الرسمي، الذي يشير إلى زاهري باسم PIC، و الذي يعني الطيار القائد، يقول هذا:

أُبلغ عن قدرة الطيار القائد الجيدة في التعامل مع ضغوط العمل. لم يكن له تاريخ معروف من اللامبالاة أو القلق أو الانفعال. لم تكن هناك تغييرات كبيرة في نمط حياته، أو صراع مع الناس، أو ضغوط عائلية… لم تكن هناك دلالات سلوكية للعزلة الاجتماعية أو تغيير العادات أو الاهتمامات… وحسب دراسة النمط السلوكي للطيار القائد على مرئيات CCTV [في المطار] في يوم الرحلة وقبل ٣ رحلات، لم تكن هناك تغييرات سلوكية ملحوظة. على جميع تسجيلات CCTV، كان المظهر عاديًّا؛ أي أن لباسه مرتب وملائم. مشيته، وقفته، تعبيرات وجهه، سلوكياته، كلها كانت من صميم شخصيته الطبيعية.

كان هذا إما غير ذي صلة أو متناقض مع ما كان معروفًا عن زهاري. الحقيقة، كما اكتشفت بعد التحدث في كوالالمبور مع أشخاص عرفوه أو سمعوا به، هي أن زهاري كان في الغالب وحيدًا وحزينًا. انتقلت زوجته إلى الخارج، وكانت تعيش في منزل الأسرة الثاني. و كما أخبر الكثير من الأصدقاء كان يقضي الكثير من الوقت في غرف فارغة ينتظر مُضي الأيام بين الرحلات ليرحل. وكان أيضا رومانسيًا. من المعروف أنه أقام علاقة بائسة مع امرأة متزوجة وأطفالها الثلاثة، أحدهم معوق. كما أن لديه اهتمام كبير بعارضتين للأزياء على الانترنت، قابلهما على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلق في حساباتهما على فيسبوك، ويبدو أنه أحدًا لم يرد عليها، وكان بعضها جنسي مُخجل. ذكر في أحد التعليقات، على سبيل المثال، أن إحدى الفتيات، اللاتي كن يرتدين رداءً في صورة منشورة، بدت وكأنها خرجت للتو من الحمام. يبدو أن زاهري قد انفصل إلى حد ما عن حياته السابقة المستقرة. كان على اتصال مع أولاده، لكنهم كبروا ورحلوا. إن العزلة التي يمكن أن تصاحب استخدام وسائل التواصل الاجتماعي -وقد استخدم زهاري وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا- ربما لم تساعده. هناك شكوك قوية بين المحققين في مجتمعات الطيران والاستخبارات بأنه مصاب بالاكتئاب السريري.

وإذا كانت الحقيقة في ماليزيا موضع ترحيب في الدوائر الرسمية، فإن صورة الشرطة لزهاري كرجل معافى وسعيد سوف تحمل بعض الثِقَل. لكن ماليزيا ليست مثل هذا البلد، والإغفال الرسمي للأدلة على عكس ذلك يضيف إلى جميع الأدلة الأخرى دليلًا على أن زهاري كان رجلًا مضطربًا.

كشفت فحوصات الطب الشرعي لمحاكي الطيران الخاص بزهاري من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي أنه طابق ملف أحد الرحلات بملف الرحلة ٣٧٠، وهي رحلة انطلقت شمالًا حول إندونيسيا تليها رحلة طويلة إلى الجنوب، تنتهي بنفاذ الوقود فوق المحيط الهندي. رفض المحققون الماليزيون ملف الرحلة هذا باعتباره مجرد واحد من عدة مئات سجلها المحاكي. هذا صحيح، لكنه لا يكفي. يؤكد فيكتور يانيلو ما تجاهله المحققون الماليزيون، وهو مهندس ورجل أعمال في رونوك، فرجينيا، والذي أصبح عضوًا بارزًا آخر في المجموعة المستقلة وأجرى تحليلًا مستفيضًا للرحلة المحاكاة. من بين جميع الملفات الشخصية المستخرجة من جهاز المحاكاة، كان الملف الذي يتطابق مع مسار الرحلة ٣٧٠ هو الملف الوحيد الذي لم يعمل فيه زهاري كطيران مستمر، بمعنى آخر، أقلع على جهاز المحاكاة وترك الرحلة تسير، ساعة بعد ساعة، حتى وصلت إلى مطار الوجهة. وبدلًا من ذلك، قاد الرحلة يدويًا على مراحل متعددة، مرارًا وتكرارًا بالقفز إلى الأمام وسكب الوقود حسب الضرورة حتى نفذ. انيللو يعتقد أن زهاري كان مسؤولًا عن التحويل. نظرًا إلى عدم وجود أي شيء تقني يمكن أن يتعلمه زهاري من خلال التمرين على منتج استهلاكي مثل محاكي الطائرات من مايكروسفت، يشك انيللو بأن الغرض من رحلة المحاكاة ربما ترك أثرًا لقرار الوداع. في إشارة إلى ملف الرحلة الذي ستتبعه طائرة الرحلة ٣٧٠، قال انيللو عن زهاري، «كما لو كان يحاكي المحاكاة» بدون قراءة الشرح، لا يمكن معرفة منطق زهاري. لكن لا يمكن بسهولة تجاهل رحلة المحاكاة باعتبارها مصادفة عشوائية.

في كوالالمبور، قابلت أحد أصدقاء زهاري المقربين، وهو الكابتن ٧٧٧، وقد حذفت اسمه بسبب تداعيات محتملة له. كان يعتقد أيضًا أن زهاري كان مذنبًا، وهو استنتاج توصل إليه على مضض. ووصف اللغز بأنه هرم واسع في القاعدة ورجل واحد في القمة، وهذا يعني أن التحقيق ربما يكون قد بدأ بالعديد من التفسيرات المحتملة ولكن انتهى به المطاف بواحد فقط. قال:«هذا غير منطقي، من الصعب التوفيق مع الرجل الذي عرفته. لكنه الاستنتاج الضروري». سألت عمّا إذا كان دبر زهاري أمره مع رفيقه في قمرة القيادة، الضابط الأول الفريق حميد. أجاب: «هذا سهل. كان زهاري مفتشًا بالفطرة. كل ما قاله هو: اذهب للتحقق من شيء ما في المقصورة، ثم ذهب الرجل». سألت عن الدافع. لكن لم يكن لديه فكرة عن الأمر. قال: «زواج زهاري كان سيئًا. في الماضي كان ينام مع بعض المضيفات. وماذا في الأمر؟ جميعنا نفعل ذلك. أنت تطير في جميع أنحاء العالم مع هذه الفتيات الجميلات في الخلف، لكن زوجته عرفت». وافق على أن هذا ليس سببًا للهيجان، لكنه يعتقد أن حالة زهاري العاطفية ربما كانت عاملًا أساسيًا.

هل غياب كل هذا من التقرير الرسمي -متاعب زهاري الشكل الغريب لملف الرحلة على جهاز المحاكاة- ناهيك عن أوجه القصور التقنية في التقرير نفسه، تشكل تسترًا عن شيء ما؟ في هذه المرحلة، لا يمكننا قول شيء. نحن نعرف بعض ما يعرفه المحققون ولكنهم اختاروا عدم الكشف. من المحتمل أن يكونوا قد اكتشفوا ما لا نعرفه بعد.

الأمر الذي يعيدنا إلى اختفاء طائرة الرحلة ٣٧٠. من السهل أن نتخيل زهاري في النهاية، مربوطًا بمقعد مريح في قمرة القيادة، يسكن شرنقته مع وجود الأدوات المألوفة، مع العلم أنه لا يمكنه العودة عما قام به، و يشعر بأنه لا حاجة للاستعجال. لقد قام منذ فترة طويلة بإعادة ضغط الطائرة وتسخينها إلى الدرجة المناسبة. كان هناك إزعاج للآلة الحية والتجريدات الجميلة على شاشات العرض المسطحة، والإضاءة الخلفية المدروسة بعناية لجميع المفاتيح وقواطع الدارات الكهربائية، وأزيز الهواء اللطيف يمر بالجوار. قمرة القيادة هي الأعمق والأكثر حماية والأكثر خصوصية في المنزل. حوالي الساعة ٧ صباحًا، ارتفعت الشمس فوق الأفق الشرقي، إلى يسار الطائرة. بعد بضع دقائق، أضاءت المحيط بعيدًا في الاسفل. هل مات زهاري بالفعل في الجو؟ كان بإمكانه في مرحلة ما أن يخفض ضغط الطائرة مرة أخرى وينهي حياته. هذا مثير للجدل وبعيد عن اليقين. في الواقع، هناك بعض الشكوك، من عمليات محاكاة استنفاد الوقود التي أجراها المحققون، أن الطائرة، لو تركت لوحدها، لم تكن لتتراجع بشكل جذري تمامًا كما تشير بيانات القمر الصناعي إلى أنها فعلت ذلك؛ أن شخصًا ما كان في وضع السيطرة في النهاية، مما ساعد بشكل فعال في تحطم الطائرة. في كلتا الحالتين، في مكان ما على طول القوس السابع، بعد فشل المحركات بسبب نقص الوقود، غاصت الطائرة بشكل حلزوني مفرغ بمعدل نزول ربما تجاوز في النهاية ١٥٠٠٠ قدم في الدقيقة. نحن نعلم من هذا المعدل، وكذلك من حطام الذي وجده بلين جيبسون المدَمر، أن الطائرة تحطمت إلى أجزاء صغيرة عندما ضربت الماء.

٧. الحقيقة

تلاشت التحقيقات الرسمية في الوقت الحالي. لقد فعل الأستراليون ما بوسعهم. يريد الصينيون المضي قدمًا ويراقبون أي أخبار قد تُلهب مشاعر العائلات. الفرنسيون متوقفون عن العمل في فرنسا، ويعيدون صياغة بيانات الأقمار الصناعية. الماليزيون فقط يتمنون نسيان الموضوع بأكمله. حضرت حدثًا في مدينة بوتراجايا الإدارية في الخريف الماضي، حيث وقفت جريس ناثان وجيبسون أمام الكاميرات مع وزير النقل أنتوني لوك. قبِل الوزير رسميًا خمس قطع جديدة من الحطام قد جُمعت خلال الصيف. لقد كان بائسًا لدرجة الغضب. بالكاد تكلم، ولم يتلق أي أسئلة من الصحافة. كانت ناثان تهتم بموقف الوزير. في تلك الليلة، على العشاء، أصريت على أنه لا ينبغي السماح للحكومة أن ترحل بهذه السهولة. قالت: «لم يتبعوا البروتوكول. لم يتبعوا الإجراء. أعتقد أنه أمر مروع. كان يمكن القيام بأكثر من ذلك. ونتيجة لتقاعس القوات الجوية عن العمل من بين كل الأطراف المشاركة في الساعة الأولى التي لم تتبع البروتوكول أصبحنا الآن عالقين على هذا النحو. كل واحد منهم خرق البروتوكول مرة واحدة أو عدة مرات. كل شخص كان لديه شكل من أشكال المسؤولية في ذلك الوقت لم يفعل ما كان من المفترض أن يفعله. بدرجات متفاوتة من الفداحة. ولو أنّهم متفرقين ليسوا بهذا السوء، ولكن حين ننظر إلى الأمر برمته فقد ساهم كل واحد منهم بنسبة مئة في المئة في حقيقة مفادها أن الطائرة لم يُعثر عليها».

وكان كل واحدٍ منهم موظفًا حكوميًا. كانت ناثان تأمل في أن تعود شركة أوشن إنفينيتي، التي عثرت مؤخرًا على غواصة أرجنتينية مفقودة، إلى البحث مرة أخرى على أساس: لا جديد يعني لا رسوم. وقد اقترحت الشركة إمكانية القيام بذلك في وقت سابق من هذا الأسبوع. لكن يتعين على حكومة ماليزيا توقيع العقد. بسبب الثقافة السياسية، شعرت ناثان بالقلق من أنها قد لا تكون كذلك، حيث أثبتت صحة ذلك حتى الآن.

إذا عُثر على الحطام فستُحسم جميع النظريات التي تتجاهل بيانات الأقمار الصناعية أو تعتمد على أن الطائرة طارت في مسار معقد بعد انحرافها الأولي عن بكين ثم ظلت مرتفعة لمدة ست ساعات أخرى. لكن لا، لم تشتعل فيها النيران حتى الآن و بقيت في الهواء طوال هذا الوقت. لا، لم تتحول إلى «رحلة شبحية» قادرة على التنقل وإيقاف تشغيل أنظمتها ثم إعادة تشغيلها. لا، لم تسقطها القوى الوطنية بعد تفكير طويل. ولا، ليست في مكان ما في بحر الصين الجنوبي، كما أنها ليست سليمة في حظيرة مموهة في آسيا الوسطى. الشيء الوحيد الذي تشترك فيه كل هذه التفسيرات هو أنها تتناقض مع المعلومات الحقيقية التي يمتلكها المحققون.

وبصرف النظر عن كل هذا، فإن العثور على الحطام والصناديق السوداء قد يقدمان القليل. إن مسجل الصوت في قمرة القيادة عبارة عن حلقة مدتها ساعتان تمسح نفسها بنفسها، ومن المحتمل أن تحتوي فقط على أصوات أجهزة الإنذار النهائية التي تنطلق، ما لم يكن كل من كان في عناصر التحكم على قيد الحياة وفي مزاج لتقديم تفسيرات للأجيال القادمة. سيوفر الصندوق الأسود الآخر، مسجل بيانات الرحلة، معلومات حول أداء الطائرة خلال الرحلة بأكملها، لكنه لن يكشف عن أي عطل في النظام، لأنه لا فشل مثل هذا يمكن أن يفسر ما حدث. في أفضل الأحوال، سوف يجيب على بعض الأسئلة غير المهمة نسبيًا، مثل الوقت الذي كانت فيه الطائرة تحت الضغط ومدة بقاءها بالضبط، أو كيف أُوقف تشغيل صندوق الأقمار الصناعية بالضبط ومن ثم شُغّل احتياطيًا.

ربما لا تكمن الإجابات المهمة في المحيط، بل على اليابسة في ماليزيا. وهذا ما يجب أن نركز عليه عندما نمضي قدمًا في البحث. ما لم تكن غير مؤهلة مثل القوات الجوية وقوات تنظيم الملاحة الجوية، فإن الشرطة الماليزية تعرف أكثر مما تجرأت على قوله. اللغز قد لا يكون عميقًا. هذا هو الأمر المُحبط هنا. قد تكون الإجابات قريبة في متناول اليد، لكنها أكثر صعوبة في استردادها من كل صندوق أسود. إذا أراد بلين جيبسون أن يخوض مغامرة حقيقية، فقد يقضي عامًا يُفتش في كوالالمبور.

نُشرت هذه المقالة في طبعة يوليو ٢٠١٩ تحت عنوان «ليلة سعيدة، الماليزية ثلاثة سبعة صفر».

* ذكرت هذه المقالة في الأصل أن سيلك آير هي شركة طيران إندونيسية.

 

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *