الحياة بعيدًا عن مواقع التواصل الاجتماعي.

ترجمة بتصرف لمقال: (Reclaiming Our (Real) Lives From Social Media
(by NICK BILTON

تدقيق : طرفة الرصيص

في يوم ما في بداية العشرينات من القرن الماضي هرع الشاب ايرنست همنغواي إلى شوارع باريس باحثا عن مأوى يقيه من المطر، حتى وجد مقهى دافئ في سانت ميشيل ودخل إليه، وبعد أن خلع معطفه طلب كوبا من القهوة ثم أخرج مفكرة وقلم من جيبه وبدأ بالكتابة، حيث أنه قبل فترة طويلة أصيب بحالة من الاضطراب والتي كانت الفصل الأول من روايته الشهيرة ” وليمة متنقلة “.

ولو أن الكاتب ايرنست همنغواي عاش حتى 2014، فإنه لن يتمكن من إنهاء كتابة هذه الرواية بعد! في الواقع ربما أنه لن يضع القلم على الورقة!

فبدلا من ذلك ربما يدخل إلى المقهى ويخرج هاتفه الذكي ليمضي وقت الظهيرة بأكمله على وسائل التواصل الاجتماعي، وربما يقوم بمناقشة حالة الطقس في الفيس بوك، أو التقاط صورة للمقهى ونشرها على الانستقرام، ثم يقضي ما تبقى من الوقت على تويتر.

أنا أعلم أنني أفعل ذلك أيضا، ولكن دعونا نكون صريحين، كلنا نفعل ذلك.

في حين كانت بداية تجربتي لمواقع التواصل الاجتماعي مثيرة، إلا أنه مع مرور الوقت أصبحت مضيعة للوقت، حيث أصبحت كفيروس يغزو ببطء ضحية ما. فوسائل التواصل الاجتماعي التهمت كل ساعة من يومي بما فيها القهوة الصباحية واستراحة الغداء وقبل النوم. بالتالي لم يعد هناك وقت لقراءة الكتب أو التأمل.

الآن، وبما أن وسائل التواصل الاجتماعي سيطرت على أوقاتنا، في نهاية اليوم ماذا لدي من إنجازات حققتها؟! هل أثريت معلوماتي خلال الساعتين التي قضيتها على الفيس بوك؟ أم هل أصبحت أكثر إنجازا من خلال البنترست؟ أم أصبحت أكثر فهماً عن طريق الانستقرام؟ ربما نعم وربما لا أيضا.

يقول جون بيري أستاذ الفلسفة في جامعة ستانفورد ومؤلف كتاب فن المماطلة، دليل التسكع الفعال:

إذا مررت عبر التاريخ وقمت باستبعاد كافة الأشياء التي يقوم بها الأشخاص على حساب أشياء أخرى، فلن يتبقى لديك الكثير.

ويضيف:

أن الوقت الذي تم قضاؤه في المكتبة قديما أدى إلى إنتاج أفكار عظيمة، ولكن من غير الواضح ماذا إذا كان ذلك ينطبق أيضا على الوقت الذي تقضيه على الانترنت!!

أنا لا ألوم الانترنت على التسويف، لأن إضاعة الوقت قديمة قدم التاريخ نفسه، ( هناك إشارة قديمة إلى التسويف في كتاب اليهودية منذ 200 عام حينما قال الطلاب لا لتأجيل الدراسة) ومع ذلك فأنا ألوم شبكة الانترنت على جذب الناس إلى العديد من روابط الفيديو والصور التي تتجدد باستمرار والتي تبدو ممتعة في نفس الوقت ولكن بعد ذلك تتركنا دون أدنى شعور.

وفقا لما جاء في الفيس بوك، فإن 1,23 مليار مستخدم يسجل دخوله للموقع لمدة متوسطها 17 دقيقة يوميا.

هذا يعني أكثر من 39,757 سنة من وقتنا تقضى على الفيس بوك في كل يوم وهذا موقع واحد فقط!! وتقدر تقارير عديدة أن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 إلى 34 عامًا يقضون من 3 إلى 8 ساعات يوميا على وسائل التواصل الاجتماعي، أما الأشخاص ما بين 35 إلى 49 ليسوا أفضل حالا بكثير فهم يقضون 3 ساعات يوميا في استخدامها.

يقول نيل فيور – عالم نفس ومؤلف لأربعة كتب عن الإنتاجية- :

أن التسويف يمكن أن يكون شيئا جيدا يساعد على التقليل من التوتر الناتج عن مشروع ما، فنحن نميل اليوم إلى التسويف في متاهات الانترنت والتي يصعب التخلص منها، وذلك لأن المواقع الالكترونية تحاول جذب انتباهنا لأطول فترة ممكنة.

ومن المقلق أن معظم هذه الشركات تقوم باستخدام استراتيجية الدفع والجذب للتأثير على مستخدميها.

في الشهر الماضي، تعرضت شركة الفيس بوك لإطلاق نار شديد وذلك عندما شاع خبر أن علماء البيانات التابعين للشركة قاموا بالتلاعب بأخبار 689,003 مستخدم وذلك بحذف المشاركات الإيجابية أو السلبية ليعرفوا مدى تأثير ذلك عليهم.

وكتب آدم كرامر وهو عالم بيانات في الفيس بوك وباحث في التعبير العاطفي في ورقة بحثه أنه عندما تنخفض التعبيرات الإيجابية، تقل المشاركات الإيجابية بينما تزداد السلبية منها، والعكس صحيح. كما أضاف: أن الفيس بوك وجدت أنه من الممكن أن تسبب عدوى على نطاق واسع عبر الشبكات الاجتماعية.

بينما كانت تلك مجرد تجربة، حتى لو لم تكن شركة الفيس بوك قد تلاعبت بذلك! لا داعي لأن تكون باحث لتدرك بأن الأخبار يمكن أن تؤثر على مشاعرنا.

لفترة قصيرة حاول بعض الأشخاص صد جميع الملهيات على الانترنت فبعضهم قام بتنزيل برامج مثل Self-control أو Cold Turkey على أجهزتهم والتي تمنع وصولهم الى مواقع معينة من ضمنها الفيس بوك وتويتر وانستقرام.

هذا الشهر قامت شركة هولندية غير ربحية بطرح مبادرة أطلقت عليها اسم “99 يوم من الحرية ” والتي تدفع الأشخاص إلى عدم استخدام الفيس بوك لمدة 3 أشهر لمعرفة ما إذا تحسن المزاج لديهم نتيجة لذلك أم لا.

ولكن بالنسبة للعديد فإنه ليس من السهل تركها كل هذه المدة، فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءا من حياتهم اليومية، فترك الفيس بوك وتويتر يبدو كترك القيادة احتجاجا على شركات النفط أو، التوقف عن استخدام الكهرباء اعتراضا على السياسات البيئية لأديسون.

بالنسبة لي، قمت بتغيير بسيط حينما قررت الشهر الماضي محاولة القيام بتجربة الفيس بوك. فبدلا من الاستيقاظ صباحا والمكوث على الفيس بوك لمدة ساعة أو أكثر، بدأت أقضي الساعات الأولى من يومي في قراءة كتاب ما.

التجربة بدت فعالة إلى درجة أنني أشعر بالإنجاز وأن أيامي أصبحت لي،

فأنا أقرأ مابين كتابين إلى ثلاثة كتب في الأسبوع. وهذا الأسبوع بدأت بقراءة ” وليمة متنقلة ” وحتى لو أمضيت بقية يومي على وسائل التواصل الاجتماعي، لا زلت أشعر أني أنجزت شيء له قيمة .

لا تترك وسائل التواصل الاجتماعي كليا، ولكن كن متوازنا في استخدامها.

مادة ذات صلة :

Three Tips To Finding Social Media Balance

المصدر

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف