قوة التخلي والمضي قدمًا: كيف يُحسِّن الاستسلام أحيانًا حياتك

ترجمة بتصرّف لمقال: (The Power of Letting Go: How Surrendering Control Can Improve Your Life)

ترجمة: أسماء عبدالقادر

تدقيق ومراجعة: خلود الغامدي

عدلت ربطة عنقي وضغطت على جرس الباب، حرصًا مني على استمرار التواصل مع الأصدقاء القدامى والزملاء بزيارة حفل منزلي لطيف، وقبل أن يجيب المضيف مباشرة على الباب، لاحظت في الفناء لافتة لشركة تأمين منازل معروفة، كان لدي فضول واهتمام تجاه شركات التأمين، لذلك بعد أن دفعت هديتي نحو صديقي المضيف سألته إن كان سعيدًا بخدمات تلك الشركة، أخبرني مع ضحكة خافتة بأنهم لا يقومون حقًا بالدفع للشركة، فقط احتفظوا بلافتة المالكين السابقين في الفناء لإبعاد الدخلاء عن المنزل. لم أستطع منع نفسي من الضحك لأني رأيت نفسي أقوم بالشيء نفسه: الاعتماد على وهم السيطرة لأزيد من إحساسي بالأمان.

إنه أمر طبيعي أن نقوم بكل ما في وسعنا من أجل السيطرة على الوضع، في الواقع سأغامر بقولي إنها طبيعة البشر، خاصة عند يمرون بأوقات عصيبة.

فلنأخذ الكلاب كمثال على ذلك: أظهرت الأبحاث أن الكثير من العوائل الأمريكية كانت تملك كلاب من سلالات عدوانية (باعتباره نظام حماية أساسي ) خلال أواخر فترة الستينات المضطربة مقارنة بنهاية الخمسينيات الهادئة نسبيًا (بالرغم من أن عبارة «احترس من الكلب» قد يكون لها نفس التأثير من الخوف).

قبل عقود أثناء فترة الكساد الكبير شهدت الكنائس المستبدة زيادة في عدد الحضور بنسبة الثلثين مقارنة بالفترة ذات التحدي الأقل اقتصاديًا في القرن العشرين.

الفكرة هنا أننا نريد أن نشعر أننا مسؤولون عما يحدث لنا، فبالتالي نهدئ قلقنا بشأن المستقبل، نحن نركز على القيام بالأمور الصحيحة هنا وفي الحال.

لكن ماذا سيحدث إن تم سرقتك من قبل لص بالرغم من تخطيطك الحذر؟ ماذا سيحدث حين تدرك أنه ما من نظام أمني أو سلالة كلاب شرسة أو طائفة كنيسية يمكنها أن تحميك من صعوبات الحياة؟

ماذا سيحدث حين تدرك أنك لا تملك السيطرة على الإطلاق؟

وهم التحكم

دائمًا ما ستتواجد أمور في حياتنا لا يمكننا التحكم بها، مهما خططنا بعناية وحرص ستكون الصعوبة والألم بشكل دائم جزء من وجودنا، ومقاومتهم تكون كمقاومة شروق الشمس أو تغير الفصول، ببساطة غير ممكن.

لا يزال الكثير منا يقضون حياتهم محاولين تفادي حالة ضعفهم، نفضل العيش تحت وهم إمكانية إدارة كل مايحدث لنا بدلًا من مواجهة حقيقة أن الحياة لا يمكن التنبؤ بها (غالبًا ماتكون مؤلمة ومليئة بالفوضى).

يكتب الشاعر ديفيد وايت:

«بالرغم من أننا واعين ومدركين لمدى أهمية لحظات الضعف في حياتنا ودروسها المهمة إلا أننا نظل ننفر بشدة من مواطن ضعفنا، منفقين موارد هائلة لبناء أسوار حصينة ودفاعات وهمية تحمينا من هذا الشرط الأساسي من شروط البقاء على قيد الحياة»

على الرغم من أن محاولاتنا لتجنب الضعف تجعلنا نشعر بالأمان، إلا أنها تؤدي في الواقع إلى نتائج عكسية، بل تعتبر ضارة.لأن محاولاتنا السيطرة على حياتنا تمنعنا من الاستمتاع بالأشياء التي نحاول حمايتها في الأساس.

فلنقل أنك قلق بشأن حماية عائلتك، وهذا قلق نبيل، ولكن هذا القلق يبدأ في التطور ويقوم باستهلاك حياتك قريبًا، تقضي أوقات فراغك في بناء سياج طويل حتى لا يَضُرَ أحد أحبائك، وعندما يتم ذلك تكرس طاقتك للبحث عن أقوى أنظمة الأمان توفرًا.

قبل أن تلاحظ ذلك، أطفالك سيكبرون؛ ولأنك أوليت أكثر اهتمامك إلى التأكد من عدم حدوث أي شيء فظيع لهم، فقد فاتك قضاء أوقات ثمينة معهم.

والأسوأ من ذلك، من خلال محاولاتك اليائسة بأن لا تكون ضحية، فإن هذا ماستنتهي إليه.

قال الكاتب يونغ كانغ تشان:

«إذا كانت حريتك تعتمد على الشخص أو الشيء الذي تريد التحكم فيه، فإن هذا الشخص أو الشيء يتحكم في شعورك.»

ألم تصبح هكذا ضحية يتم التحكم بها من خلال شيء أو شخص؟

تذكر أنه مهما بدت توقعات المستقبل مخيفة، فإن القلق حول الغد لا يمنع حدوث الأشياء السيئة، إنه فقط يصرفك عما لديك الآن: الحاضر.

ماسيمو بيلوتشي أستاذ الفلسفة لخص ذلك بشكل جيد حينما سأل: ما الذي ستكسبه عندما تكون قلقًا بشأن شيء لا يمكنك التحكم فيه؟ أو غضبك من نتيجة شيء لم تفعله؟ أنت ببساطة تضيف ضررك الذاتي إلى الموقف مما يعرض سعادتك وصفائك إلى حالة من الاضطراب.

تطويق الخطر

من خلال التركيز على منع حدوث الأشياء السيئة، ستفقد بالطبع تركيزك على القيام بأشياء جيدة.

الضعف هو جزء أساسي من كونك إنسان، نحن بحاجة إليه للتواصل مع الآخرين، لخلق الفنون، ولتوليد أفكار ثقافية جديدة. فبدون الضعف لا يوجد خطر، وبدون الخطر لا يوجد نمو وتطور.

كتب باحث علم الاجتماع والمؤلف برين براون:

«قضيت الكثير من السنوات محاولًا تخطي ضعفي أو التغلب عليه بجعل الأمور محددة وواضحة، أبيض أو أسود، جيد أو سيء. عجزي عن تقبل فكرة الارتياح للضعف أدت إلى الحد من مقدرتي على الاكتفاء بتلك التجارب المهمة التي تنشأ مع عدم اليقين: الحب والانتماء، الثقة والمتعة والإبداع على سبيل المثال».

افتقارك للضعف لا يمنعك من التواصل مع نفسك ومع الآخرين فحسب، بل إنه يمنعك من أن تطور شخصيتك إلى ما تريد أن تصبح عليه.

لأن تحسين حياتك يتطلب منك أن تحدث تغييرًا. التحكم، من جهة أخرى، هو التفاعل مع التغيير

بعبارة أخرى: إذا كان فريق كرة قدم كامل يلعب في الدفاع، من الذي سيتقدم ويحرز الأهداف؟

ارجع بتفكيرك إلى آخر مرة حققت فيها نصرًا كبيرًا في حياتك على المستوى المهني والشخصي، تقديمك لفكرة جريئة في العمل إلى رئيسك مع عدم تيقنك من أنها ستعجبه، إرسالك مقالة للنشر مع العلم من أنه قد يتم رفضها.

في كلا الحالتين، يتطلب الفوز الشجاعة، أليس كذلك؟ أكبر إنجازاتك في الحياة تتحقق بالتوافق ما بين بذل الجهد والاستسلام، بذل قصارى جهدك للتأثير إيجابًا على الموقف، مع الاستعداد للمخاطرة بحدوث شيء سلبي.

الشيء الوحيد الذي لا يمكننا التحكم فيه

نحن لن نكتب أبدًا أقدارنا، وتقبُل ذلك يبدو مثل دواء يصعب ابتلاعه، لذلك بدلًا من محاولة منع حدوث أي كارثة في أي مجال من حياتنا، سيكون من الأفضل لنا أن نعرف ما يمكننا التحكم به: طريقة استجابتنا للأحداث والكوارث القريبة والبعيدة.

ربما يقتحم أحدهم منزلك، بالرغم من أن هناك علامة وجود نظام الأمان في الفناء، ربما يكره رئيسك الفكرة التي طرحتها له، بالرغم من كل تلك الساعات الطويلة التي قضيتها في إعداد العرض التوضيحي.ما الذي ستفعله حين تصلك الأخبار السيئة؟ كيف ستتفاعل معها؟

نأمل أنك ستنمو وتتطور بفضلها.

بدلًا من المحاولة بهوس شديد لمنع حدوث الأمور السيئة، وفر طاقتك للتعافي بعد حدوثها، من خلال التصالح مع حقيقة أن الحياة قد تعصر عليك بعض الليمون الحامض، وبمعرفتك كيف تحوله إلى عصير لذيذ فلن تصبح أكثر مرونة على المدى الطويل فحسب، بل أكثر إبداعًا أيضًا.

إدراكك لحقيقة أنك لن تتمكن من التحكم بظروفك قد يثير لديك القلق، إنها طريقة جديدة مختلفة للتفكير، وهي تثير الخوف لدي أيضًا في بعض الأحيان.

ولكن عندما تفكر في الأمر من منظور آخر، فإن فقدان التحكم بالأمور هو نوع من الحرية أيضًا، عندما لا تضيع طاقات عقلك في كل شاردة وواردة من حياتك، حينها يمكنك استثمار تلك الطاقة في أشياء أكثر قيمة.

كأن تصبح الشخص الذي تريده.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *