تعلّم كيف تتخلىّ

ترجمة بتصرّف لمقال: (Learning to let go by Anne-Laure Le Cunff)
مصدر الصورة: Unsplash

ترجمة: تقى محمد عبد الكريم هيكل @ToqaHeikal

تدقيق ومراجعة نهائية: سلمى عبدالله @salma1abdullah

 

 تُعدّ قدرة التخلي عن الأمور أصعب بكثيرٍ من التمسك بها، كما قالت آن لاندرز: “يعتقد بعد الناس أن التمسك بالأمور والتشبث بها علامةٌ من علامات القوة، ولكن أحيانًا يتطلّب الأمر قدرةً أكبر من القوة لمعرفة الوقت المناسب لترك الأمور والتخلي عنها”.

     لماذا نفضّل التمسك بآلام الماضي والعلاقات السيئة والأهداف التي لا جدوى منها وبعض الأمور القديمة؟ ألسنا نميل إلى تعريف أنفسنا من خلال ما نمتلكه وليس ما يؤذينا على المدى الطويل؟

     يقول توباك شاكور:”يمكنك تحليل الموقف في دقيقة أو ساعات أو أيام أو أسابيع أو حتى شهور، لمحاولة تجميع الأحداث معًا مُفسرًا ما يمكن أن يحدث أو ما كان سيحدث، أو بإمكانك التخلي عن الأمر في نصف الطريق وتمضي قدمًا”.

     نحن البشر بطبيعتنا لا يُُسهل علينا التخلي عن الأمور وتركها، فنحن نحمل الضغائن، ونولّي مشاعر عاطفية حتى للأشياء الجامدة، ونحب إعادة النظر في الماضي والقلق على المستقبل. لذلك؛ كيف نتعلم التخلي؟

 

تخلّص من الماضي:

     لقد تأذى جميع الناس عاطفيًا في حياتهم وقتًا ما، قدرتنا على الإحساس بالألم قدرة عالمية. ومع ذلك، تُشير الأبحاث أن العواطف تُعيق قدرة الإنسان على الشفاء من الحدث المؤلم، وهذه إشارة على أننا لا نسير في طريق التطور الصحيح.

     تُعد ممارسة المرونة العاطفية واحدة من الطرق العملية للتخلص من تجارب الماضي التي تمنعك من التقدم. وتتكون من:

  •       التواصل: التحدث مع شخص تشعر معه بالأمان، يمكنك مشاركته تجاربك وإحساسك، لا تحاول كبتها.
  •       المساهمة/ المشاركة: المرحلة التالية هي مساعدة من مرّ بتجارب مشابهة، لا يوجد وقت محدد لهذه المرحلة وعند بعض الأشخاص تكون هذه المرحلة مستحيلة الحدوث. ليست جميع التجارب المؤلمة مناسبة لتكون نموذج مشاركة للآخرين ولكن قد تكون مفيدةً في بعض الحالات.
  •       التعاطف: كن رحيمًا بنفسك والطف بها. تأكد أنك تتقدم إلى الأمام ولكن دون استعجال؛ فلا يوجد سباق. دوّن يومياتك؛ فإنها تساعدك على اكتشاف عالمك الداخلي، وتأكد أن تتقدم في رحلتك من نقطة العطف الذاتي.

     أحيانًا، تحتاج إلى الابتعاد الكُلي، فالبقاء في مكان سبّب لك ألمًا سيُعيد استرجاع ذكرياتك المؤلمة.

 

تخلّص من وهم السيطرة:

     سيعاني الآباء من لحظة تحرر أطفالهم منهم ليكتشفوا العالم بأنفسهم بدايةً من خطوتهم الأولى حتى يزداد الأمر سوءًا، الذهاب إلى الجامعة، وأول وظيفة، والرحيل من المنزل. قد يكون تعلم التخلص من وهم السيطرة صعبًا للغاية في هذه الحالة.  

     وكما أضافت جولي ميثكوت هايمز، العميد السابق للطلاب الجدد في جامعة ستانفورد:

     ’’ كحياة الحيوانات نحتاج لتربية ذرية يُمكنها مواجهة العالم بدوننا، فدعونا لا نغفل حقيقة رغبتنا في إبعاد أنفسنا عن المسؤولية‘‘.

      إن الذين يتمسكون بالعادات الصارمة هم الذين يسعون خلف الشعور بالسيطرة؛ فكيف نتخلص من هذا الشعور؟

     بجانب منح أنفسنا وهم السيطرة فإننا نحتاجه لنتحكم بهذا الشعور. لممارسة هذا عمليًا، ستحتاج إعطاء الناس (طفلك، موظفك، أو نفسك) مرونة للّعب بقواعد محددة. بدلًا من إطار صارم، حدد ملعبًا بمبادئ معينة.

     تعمل هذه النظرية مع النقاشات أيضًا، بدلًا من طرح أسئلة مغلقة، اطرح أسئلةً مفتوحة. مع أنه قد يمنحك الشعور بفقدان السيطرة إلا أنك ستزال الشخص الذي يختار الأسئلة وهذا شعور قوي للغاية.

 

تخلص من الأشياء القديمة:

     قامت ماري كوندو ببناء إمبراطورية ضخمة لمساعدة الناس في التخلي عن منازلهم بالتخلص من أغراضهم القديمة، لماذا يجد الناس صعوبةً في التخلص من أشيائهم المادية؟

     أحيانًا تكون بسبب قيمتها العاطفية. تتولد هذه القيمة العاطفية من التجارب الماضية أو التوقعات المستقبلية، قد تتضمن هذه الأشياء ذات القيمة العاطفية الماضية هدية من عطلة ما، أو سوارًا كنت ترتديه في أول لقاء عاطفي، أو كوب أعطته لك جدتك في الماضي.

    وقد تكون هذه الأشياء ذات قيمة عاطفية مستقبلية، كصندوق أدوات فنية جمعتها لتتعلم كيف ترسم، أو مجموعة من الكتب عن الهندسة المعمارية ستدرسها في مرحلة ما، أو مجموعة من الأثقال عندما ستتمرن في المنزل يومًا ما. فالتخلي عن هذه الأشياء بمثابة التخلي عن حُلم.

     وفي وقت آخر يكون بسبب خوفك من الإسراف، وأيضًا اعتقادنا أننا سنحتاجها مرةً أخرى، أو الإحساس بالذنب بشأن الأموال التي أنفقناها عليها في البداية. وهذه هي (مغالطة الكلفة الغارقة) في العقل المشوه.

     الطريقة الرائعة للتخلص من هذه الأشياء هي التخلص منهم بشكل تدريجي، بدايةً من الأشياء البسيطة، مثل الأدوات التي لم تستخدمها من سنوات، أوراق قديمة لا قيمة لها، أو الأسهل من هذا كله هي الأشياء التي لا تتذكرها أو لا تعلم في ماذا تستخدم (أغلبنا لديه أطنان من هذه الأشياء في منازلنا).

     ثم تدرّج في التخلص نحو الأشياء التي لها قيمة عاطفية، اسأل نفسك: ’’ لماذا أهتم بهذه الأشياء؟‘‘ ستدرك كثيرًا أن السبب وراء تعلقك العاطفي بهذه الأشياء قد يكون مُرضٍ أحيانًا، مثل الامتنان لشخص ما أو الاتصال بشخص تفكر به في أغلب الأوقات أو زيارته. (وتعمل هذه الطريقة إلى حد ما مع الأشخاص الذين تحبهم وفارقوا الحياة، سواء زيارة قبورهم واقعيًا أو في خيالك -’’ عقلية التخيُل الداخلي‘‘- كما أطلق عليه علماء النفس. 

     لا ينبغي أن تكون عملية التخلي عملية مؤلمة جدًا، يكمُن موضوع تعلُم التخلي عن الأشياء بشكل أساسي في التحقق من القيمة الفعلية لأشيائك والتخلص من الأشياء غير الضرورية. فلو كنت تهتم بشدة لبعض الأشياء احتفظ بهم، من يهتم إذا كان منزلك مرتبًا؟ طالما يشعرك هذا بالراحة؛ فهذا حقًا كل ما يهم.

 

التخلي عن الأشخاص:

     سيبدو الأمر قاسيًا بعض الشيء ولكن في بعض الأحيان يكون من الأفضل التخلص من بعض العلاقات. ينتمي بعض هؤلاء الأشخاص إلى الماضي الذي لا يعكس شخصيتك في الحاضر، وأشخاص تغيروا مع الزمن فتغيرت شكل العلاقة.

     وكما قال ديبورا ريبير: ’’ أن تتخلى عن شخص لا يعني أنك لم تعد تهتم به بعد الآن، أنت فقط تدرك أن الشخص الوحيد الذي يجب أن تتحكم فيه هو نفسك”.

     التخلي عن العلاقات لا يعني أمرًا سلبيًا، من الممكن أن تكون فرصةً لتطوير الذات. أولًا، من المهم أن تسمح لنفسك بالشعور بكل المشاعر التي تتولد من هذه العلاقة سواءً كانت جيدة أو سيئة. أغلب العلاقات التي تهمُنا هي علاقات معقدة، انتزع درع الحب والصداقة وتقبل تعقيد العلاقات.

     بعد ذلك، فكّر مليًّا في هذه العلاقة، اسأل نفسك ماذا تعلمت منها؟ ماذا تعلمت عن نفسك وعن العالم من حولك؟ يرى بعض الناس أن كتابة رسالة أمرٌ مفيدٌ، سواء كنت سترسلها أو تعطيها إلى هذا الشخص أم لا، قد يساعدك التعبير عن أفكارك ومشاعرك.

     وفي النهاية، سامح! قد تدرك أثناء هذه العملية أنها علاقة تستحق المحافظة عليها. ولكن إن لم تكن كذلك اتركها بلطف، كن ممتنًا للدروس التي تعلمتها عن الحياة وعن نفسك من هذه العلاقة، واحتفظ بهذه الذكريات تعبيرًا للعلاقة التي ساعدتك في النضج.

 

أطلق العنان لأهدافك:

     أجل، يُعد العالم دون أهداف كسباق بلا خط نهاية، ولكن ليس كل شيء في هذا العالم يحتاج إلى نظام. يُعد اللعب والعبث وتجربة الأشياء الجديدة جميعها أنشطة ذات جوهر داخلي، ليس من الضروري أن تكون لها نهاية ناجحة لتجلب لك المتعة والتحفيز الفكري.

     في بعض الحالات، تحُد الأهداف المحددة من فُرص التعلُم، فبعضٌ من أهم الاكتشافات في حياتنا هي التي اكتشفناها صدفة. احتفظ بمساحة بسيطة من حياتك لتجربة الأشياء لمجرد اكتشافها، ليست لأنها تتناسب مع مخططك الكبير. فتعلُم إطلاق سراح أهدافك بمثابة التعلق بالطفل الذي بداخلك.

 

المصدر

إذن الكاتبة بترجمة ونشر المقال 

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *